أخبار مسرحية

‘المسرح العربي’ بين سؤال التقنية واستعادة الذاكرة

عدد جديد للمجلة يتعامل مع المسرح لا باعتباره فنًا قائمًا على النص والعرض والتمثيل فحسب، وإنما يضعه في قلب تحوّلات العالم المعاصر، حيث تتغير علاقة الإنسان بالصورة والجسد والتكنولوجيا

يتعامل العدد الثامن والأربعون من مجلة المسرح العربي ـ التي تصدر عن الهيئة العربية للمسرح في الشارقة ويرأس تحريرها المسرحي إسماعيل عبدالله، الأمين العام للهيئة العربية للمسرح، ويتولى الإشراف التحريري الناقد د.يوسف عيدابي والمسرحي غنام غنام  ـ مع المسرح لا باعتباره فنًا قائمًا على النص والعرض والتمثيل فحسب، وإنما يضعه في قلب التحولات التي يشهدها العالم المعاصر، حيث تتغير علاقة الإنسان بالصورة والجسد والتكنولوجيا، وتتبدل طرائق تلقي الفن، بينما تعود الذاكرة المسرحية والتراث الشعبي ليطرحا سؤالًا آخر عن قدرة المسرح العربي على استعادة ماضيه من دون أن يتحوّل إلى مجرد استنساخ له. ومن هنا، يمكن قراءة العدد بوصفه محاولة لجمع مسارات تبدو متباعدة، لكنها تلتقي عند البحث في هوية المسرح العربي وشروط استمراره وتجدد أدواته.

تحتل التكنولوجيا موقعًا بارزًا في قسم “أسئلة المسرح”، الذي يضم مجموعة من المقالات التي تبحث في العلاقة بين المسرح والتحولات الرقمية، من زوايا مختلفة. وتأتي في مقدمتها دراسة منال الشرقاوي (مصر)، “دراماتورجيا الخوارزمية: كيف تعيد المنصات الرقمية، من خلال الريلز والفيديو القصير، تشكيل إيقاع العرض المسرحي العربي؟”.

تتجاوز أهمية هذا الموضوع البحث في استخدام المخرجين للمنصات الرقمية في الدعاية لعروضهم أو نشر مقاطع منها، لتصل إلى احتمال تأثير هذه المنصات في بنية العرض نفسه. فالمشهد المسرحي، وفق الإشكالية التي تطرحها الدراسة، لم يعد محكومًا فقط بإيقاع يتشكل أمام الجمهور داخل القاعة، بل أصبح معرضًا لضغوط اقتصاد الانتباه، حيث تفرض المقاطع القصيرة منطقًا يقوم على سرعة جذب المتلقي وإثارة انتباهه، وهو ما قد يدفع إلى إعادة النظر في بناء المشاهد وتوزيع لحظات الذروة.

وتكمن أهمية هذا السؤال في أنه لا يضع التكنولوجيا في مواجهة المسرح على نحو تبسيطي، بل يبحث في الحدود الفاصلة بين الاستفادة من الوسائط الرقمية والخضوع لمنطقها. فالمقطع القابل للتداول قد يمنح العرض حياة إضافية خارج القاعة، لكنه قد يتحوّل أيضًا إلى جزء منفصل عن سياقه، لا ينقل بالضرورة التجربة المسرحية الكاملة. وهنا يصبح التحدي النقدي هو التمييز بين استخدام المنصات بوصفها امتدادًا للعرض، وبين تحول العرض نفسه إلى مادة مصممة أساسًا لكي تُقتطع وتُستهلك سريعًا.

وفي السياق ذاته، تأتي دراسة د. لوت زينب (الجزائر)، “نمذجة مسرح عربي ما بعد إنساني ببرمجيات إنسانية ميتالغوية”، لتوسع النقاش باتجاه الجسد والتقنية والذكاء الاصطناعي، وما يمكن أن ينتج من تداخل بين الأداء البشري والوسائط الآلية. كما يندرج مقال طالل معال (سوريا)، “تحولات الجسد والحضور والهوية وإنتاج المعرفة”، ضمن هذا المسار الذي يعيد مساءلة موقع الإنسان في العرض المسرحي المعاصر.

أما د. صفاء البيلي (مصر)، فتتناول في مقالها “التقنية بوصفها موضوعًا للمساءلة داخل النص.. لا أداة لصناعته!” جانبًا آخر من القضية، يتمثل في ضرورة النظر إلى التقنية باعتبارها موضوعًا يمكن للنص المسرحي أن يناقشه وينتقده، لا مجرد وسيلة إنتاجية أو عنصرًا تقنيًا يُضاف إلى العرض. ويكتمل هذا المحور بمقال كريم رشيد (السويد)، “الروبوت في مواجهة البشر”، الذي يضع العلاقة بين الإنسان والآلة في صلب النقاش المسرحي.

تكشف هذه الموضوعات مجتمعة عن اهتمام واضح بالأسئلة الجديدة التي تفرضها التكنولوجيا على المسرح العربي، لكنها تفتح كذلك بابًا للنقد: هل تملك هذه التقنيات قدرة على إنتاج لغة مسرحية مختلفة، أم أن حضورها قد ينتهي إلى استعراض إمكاناتها البصرية؟ وهل يمكن للعرض أن يستفيد من سرعة الوسائط الرقمية مع الحفاظ على الزمن الحي الذي يمنح المسرح خصوصيته؟

وينتقل العدد في قسم “قراءات نقدية” من الأسئلة النظرية العامة إلى موضوعات تتصل بالنصوص المسرحية ودلالاتها. ويضم هذا القسم مقال عبدالسلام إبراهيم (مصر) عن ملامح البطل الأسطوري في مسرحية “طورغوت”، من تأليف الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي حاكم الشارقة، إلى جانب مقال ليليت فهمي (مصر)، “هاملت الذي ضل طريقه.. من التراجيديا إلى مسرحة الجريمة”، ومقال باسم صادق (مصر) عن “لورانس.. سردية الخداع وتفكيك المسكوت عنه في القضية الفلسطينية”.

وتشير هذه الاختيارات إلى غلا داخل العدد. فهناك عودة إلى الشخصية الأسطورية وإعادة بنائها مسرحيًا، وقراءة للعلاقة بين التراجيديا والجريمة، ثم تناول لموضوع سياسي وتاريخي من خلال المسرح. وبذلك لا تُحصر وظيفة النقد في تقييم العناصر الفنية للعرض، وإنما تمتد إلى الكشف عن طرائق بناء الشخصية، وإعادة صياغة الحكايات المعروفة، وتفكيك الخطابات التي تقف وراءها.

ويكتسب تناول القضية الفلسطينية أهمية خاصة في هذا السياق؛ إذ يضع المسرح أمام مسؤوليته في التعامل مع التاريخ والرواية السياسية، وفي مساءلة الصور السائدة بدل الاكتفاء بإعادة إنتاجها. غير أن الحكم على مدى نجاح كل مقاربة في تحقيق أهدافها يظل مرتبطًا بقراءة المقالات كاملة، لا بمجرد عناوينها.

في قسم “في نقد العروض المسرحية”، يقدم بهاء محمود علوان (العراق) مقالًا بعنوان “توظيف الموروث الشعبي مع تقنيات الأداء الفردي: مسرحية”عرج السواحل” نموذجًا”، فيما تتناول نهلة إيهاب (مصر) عرض “حاجة تخوف” في مقال “تداعيات الخوف… بحثًا عن النجاة”.

ويمثل الجمع بين هذين الموضوعين مدخلًا لقراءة اتجاهين في الممارسة المسرحية: الأول يبحث في إمكانات الموروث الشعبي حين يلتقي بتقنيات أداء معاصرة، والثاني ينطلق من تجربة عرض مسرحي لمناقشة الخوف وما يترتب عليه من تداعيات، والبحث عن النجاة. ولا تقتصر قيمة هذه القراءات على موضوعاتها، بل تتصل كذلك بالسؤال عن العلاقة بين الشكل والمضمون: كيف تتحول المادة الشعبية إلى بناء مسرحي؟ وكيف تتجسد المشاعر الإنسانية في عناصر الأداء؟ وما الذي يضيفه النقد إلى فهم العرض، بعيدًا عن الاكتفاء بتلخيص أحداثه أو وصف مشاهده؟

ويخصص العدد قسمًا بعنوان “صدى مهرجان المسرح العربي”، ويضم مقال محمد سيف (باريس)، “قراءة نقدية في عرض “جاكراندا” مهرجان الهيئة العربية للمسرح بالقاهرة”، إلى جانب دراسة معتز بن حميد (ليبيا)، “من العتبة البصرية إلى أفق التلقي: الملصق المسرحي كخطاب موازٍ للعرض”.

ويكتسب المقال الثاني أهمية في ضوء النقاشات التي يطرحها العدد حول الصورة والوسائط الرقمية؛ فالملصق المسرحي ليس مجرد وسيلة للإعلان عن العرض، بل يمكن النظر إليه بوصفه خطابًا بصريًا يسبق المشاهدة، ويوجه توقعات المتلقي، ويقدم تصورًا أوليًا عن عالم العرض ودلالاته.

ومن هذه الزاوية، تتقاطع دراسة الملصق مع الأسئلة التي تطرحها المقالات المتعلقة بالمنصات الرقمية، وإن اختلف موضوع كل منهما. ففي الحالتين، تصبح الصورة وسيطًا مؤثرًا في علاقة الجمهور بالعمل المسرحي، وتغدو عملية التلقي ممتدة إلى ما قبل دخول القاعة وما بعد مغادرتها.

لكن هذا التقاطع يطرح بدوره سؤالًا نقديًا: إلى أي مدى يستطيع الخطاب البصري أن يفتح أفقًا لفهم العرض، ومتى يتحول إلى صورة مكتفية بذاتها، قد تطغى على العمل الذي يفترض أن تقدمه؟

يمنح قسم “ذاكرة المسرح” مساحة واضحة لاستعادة التجارب المسرحية العربية. ويضم مقال جواد عامر (المغرب)، “مسرح الطيب الصديقي استدعاء التراث في مسرحية “بديع الزمان الهمذاني”، ومقال عباسية مدوني (الجزائر)، “عرض مسرحية “إبادات” وفاء لذاكرة كاتب ياسين”، إلى جانب مادة عن “العرض اللاأرسطي في النشاط المسرحي بالجزائر”، كتبها عبدالقادر علولة (الجزائر) وترجمتها سمية زباش (الجزائر).

أهمية هذه المواد تتجاوز استعادة أسماء وتجارب من تاريخ المسرح العربي، لتفتح المجال أمام النظر في طرائق تعامل المسرحيين مع التراث والذاكرة. فتجربة الطيب الصديقي، كما يقدمها عنوان المقال، ترتبط باستدعاء التراث داخل البناء المسرحي، بينما يتصل مقال “إبادات” بذاكرة الكاتب ياسين، ويعيد موضوع العرض اللاأرسطي النظر إلى أحد المسارات الفكرية والجمالية في المسرح الجزائري.

ويكشف هذا القسم عن ضرورة التعامل مع الذاكرة المسرحية بوصفها مادة حية قابلة لإعادة القراءة، لا أرشيفًا مغلقًا. فاستعادة التجارب لا تحقق غايتها بمجرد توثيقها، بل حين تتيح فهم الخيارات الجمالية والفكرية التي صنعتها، وما تتركه من إمكانات للأجيال اللاحقة.

يمتد العدد إلى مساحات أخرى من الكتابة المسرحية. ففي قسم “وجوه”، يكتب أحمد الماجد (العراق) عن تجربة إلهام محمد، من خلال مقال “رهانات المخرج على القراءات الجديدة والمغايرة: تجربة إلهام محمد نموذجًا”. وفي قسم “مطالعات الكتب”، يقدم د.محمود كحيلة (مصر) مادة بعنوان “التعريف بشكسبير”.

أما قسم “آفاق مسرحية”، فيضم مقالة محمد الحمامصي (مصر) ، “مهرجان خيال الظل الأول.. مهرجان يقرأ التراث بلغة المسرح المعاصر”. ويليه في قسم “ذاكرة” مقال يوسف السياف (العراق)، “صالح القصب بين الخطاطة الفلسفية وبوح الصورة المستيقظة”، ثم مقال محمد بن يعروف (الإمارات)، “وجوه المسخ في مرايا العبث: حين يضيق الجلد بالروح في فلسفة المسخ والوجود”، ضمن قسم “مدى”.

وتكشف هذه المواد عن اتساع مفهوم الكتابة المسرحية في العدد، من دراسة التجارب الإخراجية والكتب، إلى استعادة فنون الفرجة الشعبية، وقراءة تجربة مسرحية عراقية، وصولًا إلى الأسئلة الفلسفية المتعلقة بالعبث والمسخ والوجود.

وفي مقال مهرجان خيال الظل الأول، تتجسد إحدى القضايا الأساسية التي تتكرر بصور مختلفة في العدد: كيف يمكن استعادة شكل فني موروث، ليس باعتباره أثرًا من الماضي، بل باعتباره لغة قابلة للحوار مع الحاضر؟ فالمهرجان، الذي نظمته فرقة “ومضة” بالتعاون مع بيت السناري تحت شعار “مسرح النموذج الحضاري”، جمع بين العروض والندوة والمعرض والشهادة الفنية، وطرح خيال الظل بوصفه مجالًا للإبداع المعاصر، لا مجرد مادة للاحتفاء بالتراث. 

وهنا يلتقي موضوع المقال مع النقاشات المتعلقة بالتكنولوجيا والصورة؛ إذ إن خيال الظل، بما يقوم عليه من حركة الضوء والصورة، يسمح بإعادة النظر في تاريخ العلاقة بين الفرجة والتقنيات البصرية، ويكشف عن إمكانات كامنة في الفنون الشعبية يمكن تطويرها دون إلغاء خصوصيتها.

محمد الحمامصي – MEO

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: المحتوى محمي !!