محمد قناوي يكتب: مهرجان شرم الشيخ للمسرح الشبابي..ماذا بعد ؟

لا تكمن أهمية مهرجان شرم الشيخ الدولي للمسرح الشبابي برئاسة الفنان والمخرج مازن الغرباوي في عدد العروض التي يستضيفها، أو الجنسيات التي تجمعها منصاته، وإنما في قدرته على تحويل هذا التنوع إلى مساحة حقيقية لتجديد المسرح، ومنح الأجيال الجديدة فرصة لاختبار أدواتها واكتشاف لغات فنية مختلفة، ومع انطلاق دورته الحادية عشرة غدا، يصبح الرهان على تطوير هذه المساحة، بحيث لا يقتصر دور المهرجان على تقديم العروض والتنافس على الجوائز، بل يمتد إلى تحفيز التجريب، وتعميق الحوار النقدي، وربط المواهب الشابة بحركة مسرحية أكثر اتساعًا، وتكتسب هذه الرؤية أهميتها من طبيعة المهرجان نفسه؛ فالمسرح الشبابي ليس مجرد تصنيف عمري للمشاركين، وإنما فرصة لاكتشاف أشكال جديدة من التعبير، ومواجهة القوالب التقليدية، وفتح المجال أمام تجارب قد لا تجد فرصتها الكافية في منظومة العرض والإنتاج، ومن هنا، فإن قيمة المهرجان تتعزز كلما منح هذه التجارب مساحة للمغامرة والاختلاف، ووفّر لها مناخًا يسمح بالنقاش والتقييم وتبادل الخبرات، لا بمجرد الظهور على خشبة المسرح ، وهو ما حققه المهرجان عبر دورته العشر الماضية.
عشر دورات أسهمت في تثبيت اسمه على خريطة المهرجانات المسرحية المصرية والعربية، وراكم خلالها خبرة تنظيمية وفنية، وفتح نوافذ للتواصل بين تجارب مسرحية تنتمي إلى ثقافات ومدارس مختلفة، لكن الوصول إلى الدورة الحادية عشرة لا يمثل مجرد استمرار لمهرجان نجح في الحفاظ على وجوده، بقدر ما يضعه أمام سؤال أكثر أهمية: ماذا بعد؟
فبعد عشر دورات، لم يعد التحدي الأساسي هو إثبات القدرة على تنظيم مهرجان دولي أو استقطاب عروض من دول متعددة، وإنما تحديد ما الذي أضافه المهرجان فعليًا إلى المسرح الشبابي، وما الذي تغير في مسارات المبدعين الذين مروا عبر منصاته، وإلى أي مدى استطاع أن يتحول من مناسبة سنوية تجمع المسرحيين إلى مؤسسة فنية تترك أثرًا مستمرًا في الحركة المسرحية، ولا يمكن إغفال ما يمثله استمرار مهرجان متخصص في المسرح الشبابي على مدار عشر دورات من جهد تنظيمي وإصرار على الاحتفاظ بمساحة للمسرح داخل مشهد ثقافي تتعدد فيه الأولويات وتتفاوت فيه فرص الإنتاج والعرض، كما أن الانفتاح على التجارب العربية والدولية يمنح الفنانين الشباب فرصة للاحتكاك باتجاهات فنية مختلفة، ويضع أمامهم نماذج متنوعة في الكتابة والإخراج والأداء، تتجاوز حدود التجربة المحلية.
يحمل المهرجان في اسمه هويته الأساسية” المسرح الشبابي”، وهذه الهوية تضع على عاتقه مسؤولية تتجاوز تخصيص مسابقات لفئة عمرية أو استضافة عروض يقدمها فنانون شباب؛ إذ ونجح المهرجان أن يكون الشباب جوهر برنامجه، وأن تنعكس هذه الأولوية على طبيعة الورش والندوات واللقاءات المهنية، وعلى فرص التدريب والإنتاج والتواصل التي يوفرها.
السؤال هنا ليس عن عدد الشباب المشاركين، بل عن نصيبهم من صناعة القرار الفني، ومدى إسهامهم في صياغة توجهات المهرجان، وقدرتهم على تحويل ما يكتسبونه من خبرات إلى مشروعات مسرحية قابلة للاستمرار، فالفنان الشاب لا يحتاج فقط إلى منصة يعرض عليها عمله، وإنما إلى بيئة تساعده على تطوير تجربته، وتمنحه فرصة للتعلم من النقد، والتواصل مع المنتجين والمؤسسات، وبناء مسار مهني لا ينتهي بانتهاء أيام المهرجان، وإذا كانت الدورات السابقة قد أسهمت في فتح هذه المساحة، فإن العقد الثاني يتيح فرصة لتوسيعها، من خلال آليات واضحة لمتابعة المواهب، وربط المشاركة في المهرجان بفرص لاحقة للتطوير والإنتاج، ويمثل الانفتاح على المسرح العربي والدولي أحد الرهانات المهمة للمهرجان.
وتقدم الدورة الحادية عشرة نموذجًا لهذا التنوع، بمشاركة عروض من مصر والسعودية وقطر ورومانيا والعراق والإمارات، إلى جانب عرض روماني يُقدم عبر الإنترنت، كما يتيح تنوع المسابقات، بين العروض الكبرى ومسرح الشارع والمونودراما، فرصة للتعرف إلى أشكال مسرحية تتباين في طبيعتها وأدواتها وعلاقتها بالجمهور، لكن الرهان الأهم هو أن يتحول هذا التنوع إلى معرفة متبادلة، لا إلى مجرد حصيلة من العروض والجنسيات، ويتطلب ذلك تطوير النقاشات النقدية المصاحبة، وإتاحة لقاءات مهنية حقيقية بين الفنانين، وبناء شراكات يمكن أن تفضي إلى تبادل الخبرات أو إنتاج أعمال مشتركة. عندها يصبح الانفتاح الدولي وسيلة لتطوير التجربة المسرحية المحلية، وليس مجرد مظهر من مظاهر الحضور الدولي.
تمنح المسابقات والجوائز المهرجان جانبًا تنافسيًا مهمًا، وتتيح للأعمال المشاركة فرصة للتقييم والمقارنة، ومن الضروري أن يتسع دور المهرجان ليشمل توثيق التجارب المشاركة، وإتاحة مساحة للنقد الجاد، ومناقشة نقاط القوة والضعف في الأعمال، وتوفير محتوى معرفي يستفيد منه المسرحيون الذين لم تتح لهم فرصة حضور العروض، كما أن نشر نتائج التحكيم بصورة تتيح فهم المعايير الفنية المستخدمة من شأنه أن يعزز قيمة المنافسة ويجعلها جزءًا من عملية تطوير المسرح، لا مجرد محطة لتوزيع الجوائز.
ارتبط المهرجان برئاسة المخرج مازن الغرباوي، الذي قام بتأسيسه وقيادته، وأصبح دخوله الدورة الحادية عشرة مناسبة لتقييم التجربة التي تراكمت خلال السنوات الماضية، والتفكير في الخطوة التالية، فالمهرجان الذي تجاوز مرحلة التأسيس يحتاج، مع مرور الوقت، إلى مراجعة أولوياته، وتحديد أهداف أكثر وضوحًا، وتطوير أدوات قياس أثره الفني والثقافي.
ولا يعني ذلك أن نجاح التجربة السابقة يجب أن يُقاس بمعايير لم تكن مطروحة منذ البداية، بل إن تطور المهرجان نفسه يفرض تطوير معايير الحكم عليه. فما كان إنجازًا في سنوات التأسيس، مثل تثبيت الاسم وتوسيع المشاركة، قد لا يكون كافيًا وحده في العقد الثاني، الذي يفترض أن يركز بدرجة أكبر على الاستدامة، وتعميق الهوية الفنية، وتوسيع أثر المهرجان في البيئة المسرحية.
دخول مهرجان شرم الشيخ الدولي للمسرح الشبابي عقده الثاني لا يعني أن عليه البدء من جديد، وإنما أن يبني على ما راكمه، وأن ينتقل من تثبيت الحضور إلى تعميق التأثير، فالمهر.
محمد قناوي – بوابة أخبار اليوم



