ناقدات وإعلاميات عربيات: مهرجان غزة الدولي لسينما المرأة فضاء لحماية الذاكرة وتمكين صوت المرأة الفلسطينية

هناك، حيث تُصاغ الحكايات بخيوط الحلم، لا تعود السينما شاشة يعبرها ضوء عابر، بل تتحول إلى وسيلة لحفظ ما تبقّى من الذاكرة، ومواجهة محاولات تغييب السردية الفلسطينية، ونافذة تطلّ منها المرأة الغزية على العالم، لتروي حكايتها كما عاشتها، لا كما يرويها الآخرون.
من هذا المنطلق، يأتي مهرجان غزة الدولي لسينما المرأة فضاءً ثقافياً وإنسانياً يتيح للمرأة الفلسطينية استعادة حقها في الصورة والرواية، ويمنح صوتها مساحة للحضور والتعبير، بعيداً عن اختزال تجربتها في مشاهد الألم والدمار، مؤكداً دورها في المشهد السينمائي والثقافي، وقدرتها على رواية حكايتها وصون ذاكرتها.
وفي باب “بعيونهن” من النشرة الثالثة، نقترب من رؤى ناقدات وصحفيات من فلسطين والعالم العربي، لنستطلع قراءتهن لدور السينما في حماية الذاكرة الفلسطينية وتمكين صوت المرأة، ونصغي إلى رسائلهن للمرأة الغزية، بما تحمله من محبة وتضامن واعتزاز بصمودها وإبداعها، وبقدرتها على إبقاء نافذة الأمل مشرعة على النهار.
د. زهراء المنصور (ناقدة بحرينية)
من يملك الحكاية؟
تضع الناقدة البحرينية د. زهراء المنصور مهرجان غزة الدولي لسينما المرأة أمام سؤال يتجاوز حدود الفن إلى جوهر الرواية والتمثيل: من يملك حق رواية الحكاية الفلسطينية، ومن يحدد الصورة التي تصل إلى العالم؟ ففي زمن تتحول فيه المأساة الإنسانية إلى صور تتناقلها الشاشات، ترى أن أهمية المهرجان تكمن، في جانب أساسي منها، في إعادة النظر في موقع المرأة الفلسطينية داخل هذه الصورة، ومنحها حق التعبير عن تجربتها من موقع صاحبة الرؤية والقرار.
وتؤكد المنصور أن تمكين المرأة الفلسطينية سينمائياً لا يتحقق بمجرد حضورها أمام الكاميرا، بل يتطلب حضور رؤيتها خلفها، وقدرتها على اختيار ما تريد قوله والطريقة التي تروي بها تجربتها، بعيداً عن القوالب الجاهزة التي تحصرها في صورتي الضحية أو البطلة الصامدة. فكلتا الصورتين، على اختلافهما، قد تختزلان إنسانيتها إذا تحولتا إلى النموذج الوحيد المسموح لها بتمثيله.
ومن هذا المنطلق، ترى أن القيمة الثقافية للمهرجان تتمثل في إفساح المجال أمام تعدد الحكايات والأصوات، والتعامل مع المرأة الفلسطينية بوصفها منتجة للمعنى، لا موضوعاً للتعاطف. فالسينما، كما تشير، فعل اختيار وتأويل، وما يظهر داخل الكادر لا يقل أهمية عما يُستبعد منه.
وتتوقف المنصور عند شعار الدورة الثانية “نساء يصنعن الحياة من الموت”، معتبرة أن المفارقة التي يحملها تستدعي التأمل؛ إذ لا ينبغي للاحتفاء بقدرة المرأة على صناعة الحياة أن يتحول إلى تطبيع مع الظروف التي تجبرها على انتزاع الحياة من قلب الموت. فالصمود، كما تؤكد، ليس بديلاً عن الحق في الأمان، والإبداع لا يعفي العالم من مسؤوليته تجاه الإنسان.
وفي رسالتها إلى المرأة الغزية، تقول المنصور إن عليها ألا تشعر بأنها مطالبة بأن تكون بطلة في كل مشهد، أو أن تقدم للعالم دليلاً جديداً على قدرتها على الاحتمال. فمن حقها أن تكون إنسانة بكل ما تحمله من قوة وهشاشة، وأن تروي تجربتها كما عاشتها، لا كما ينتظر الآخرون سماعها. فالحكاية التي ترويها بصوتها لا تحفظ ذاكرتها وحدها، بل تعيد إليها حقها في أن تكون صاحبة الصورة، لا أسيرتها.
د. موج يوسف (ناقدة عراقية)
السينما والمرأة باعتبارهما فعل مقاومة
تنطلق الناقدة العراقية د. موج يوسف من اعتبار حضور المرأة في السينما والدراما حاجة وجودية واجتماعية، لا ترفاً فنياً، بالنظر إلى ما تمتلكه الصورة من قدرة على التأثير في المتلقي، ولا سيما حين تحمل المرأة قضية إنسانية، وتتخذ من الفن وسيلة لإيصالها إلى العالم. وترى أن للفن قدرة على التنوير والتغيير، شرط أن يبقى بمنأى عن هيمنة الأيديولوجيات.
وفي قراءتها لتجربة المرأة الغزية، تتوقف يوسف عند حضور النساء في السينما وهن يحملن الزيتون ويرتدين الزي الغزي، معتبرة أن هذه التفاصيل تمثل شكلاً من أشكال المقاومة. وهي، كما توضح، لا تتحدث هنا عن أدبيات ودراما المقاومة، بل عن السينما والمرأة بوصفهما فعل مقاومة في حد ذاته؛ إذ يستطيع الفن، عبر قوى التأثير الناعمة والصورة، مواجهة سلطة الظالم والمحتل، والمساهمة في تغيير رؤية العالم.
كما ترى أن تمثيل النساء لقضيتهن من خلال الأداء السينمائي يسهم في ترسيخ سرديات الوطن والمكان اللذين يتعرضان للتجريف، ويعزز حضور الذاكرة. وتطرح في هذا السياق سؤالاً حول سر التأثير الأكبر للمرأة، مرجعة ذلك إلى قدرتها على الجمع بين قوة الأداء والعاطفة، وإلى بحثها عن الحرية من خلال الحب والأمل. وهذا الأمل، بحسب يوسف، هو ما تلمسه في سينما نساء غزة.
سمر فتحي (صحفية مصرية بمجلة “روزاليوسف”)
السينما مساحة لحفظ الذاكرة ونقل الحقيقة
تصف الصحفية المصرية سمر فتحي مهرجان غزة الدولي لسينما المرأة بأنه خطوة مهمة في دعم المرأة الفلسطينية، وإتاحة مساحة حقيقية لها للتعبير عن تجربتها الإنسانية، خصوصاً في ظل تداعيات الحرب على غزة. فالسينما، من وجهة نظرها، تتجاوز وظيفتها الفنية في سرد الحكايات لتصبح أداة لحفظ الذاكرة ونقل الحقيقة وإيصال أصوات النساء إلى العالم، بعيداً عن اختزال معاناتهن في مشاهد الدمار والخسائر.
وتؤكد فتحي أن أهمية المهرجان تكمن في منح المرأة الفلسطينية فرصة لأن تكون صاحبة الحكاية، لا مجرد شخصية تتحدث عنها وسائل الإعلام. فهي الأقدر على التعبير عن تفاصيل تجربتها، والألم الذي عاشته، والأمل الذي تتمسك به، وقدرتها على مواصلة الحياة رغم التحديات. ومن هنا، تنظر إلى توثيق هذه التجارب عبر الفن بوصفه مسؤولية إنسانية وثقافية، تضمن ألا تضيع أصوات النساء الفلسطينيات وسط ضجيج الحرب.
وفي رسالتها إلى المرأة الغزية، تعبّر فتحي عن تقديرها لما تجسده من قوة إنسانية استثنائية، قائلة إن صمودها وإصرارها على الحياة، وقدرتها على التمسك بالأمل وحماية أسرتها ومحاولة بناء الحياة وسط الركام، تستحق كل التقدير والاحترام. كما تؤكد إيمانها بأن تجارب النساء الغزيات تستحق أن تصل إلى العالم، وأن يُسمع صوتهن وتُرى أحلامهن وإبداعاتهن، لا معاناتهن وحدها.
وتختتم فتحي بتحية إلى المرأة الفلسطينية، التي تثبت كل يوم، بحسب تعبيرها، أن الحياة يمكن أن تنبت من قلب الألم، وأن الإرادة الإنسانية قادرة على صناعة الأمل مهما اشتدت قسوة الظروف.
بشرى عمور ( ناقدة وإعلامية مغربية)
حكاية المرأة الفلسطينية تستحق الوصول إلى العالم
ترى الناقدة والإعلامية المغربية بشرى عمور أن أهمية مهرجان غزة الدولي لسينما المرأة تنبع من قدرته على جعل السينما مساحة للإنصات إلى المرأة الفلسطينية، والاقتراب من تجربتها الإنسانية في لحظة تاريخية مثقلة بالفقد والوجع. فعندما تصبح الصورة وسيلة لحفظ الذاكرة ونقل الحقيقة، يغدو حضور المرأة أمام الكاميرا وخلفها ضرورة ثقافية وإنسانية، تتيح لها التعبير عن واقعها وتقديم روايتها الخاصة إلى العالم، بما تحمله من ألم وقوة وإرادة للحياة.
وتشير عمور إلى أن قيمة المهرجان لا تتوقف عند حدود التظاهرة السينمائية، بل تمتد لتؤكد دور الإبداع في الدفاع عن الإنسان وحقه في التعبير عن ذاته، وفي إبقاء تجربته حاضرة في الوعي الإنساني.
وإلى المرأة الغزية، توجه عمور تحية تقدير واعتزاز، لقدرتها، رغم قسوة الواقع، على حماية المعنى وصون الذاكرة وفتح مساحات للحياة. وتؤكد أن إبداع المرأة الغزية ليس منفصلاً عن معركتها من أجل الوجود والكرامة، وأن تجربتها تستحق أن تُروى وتُسمع، وأن تجد طريقها إلى ضمير العالم. وتختتم رسالتها بالتعبير عن كامل الاحترام للمرأة الغزية، والانحياز لأحلامها في الحرية والسلام والحياة.
شذا حنايشة (صحفية فلسطينية)
من جنين.. كل الحب والدعم لنساء غزة
تستهل الصحفية الفلسطينية شذا حنايشة مداخلتها بنبرة يغلب عليها التأثر، مستحضرة سنوات عملها الصحفي وحملها الميكروفون، لتقول إنها تقف أمام نساء غزة عاجزة عن إيجاد الكلمات التي تفي بتجربتهن. وتتساءل: ماذا يمكن أن يُقال لنساء غزة الصامدات والموجوعات والحالمات والثابتات؟
وتستعيد حنايشة أدوار المرأة الغزية خلال الحرب، بوصفها أماً وأختاً وطبيبة ومسعفة وصحفية، خاضت كل يوم معركة من أجل توفير احتياجات أبنائها، وإنقاذ الجرحى، ونقل صوت أهلها وناسها إلى العالم. فقد كانت شاهدة على ما عاشه الفلسطينيون من حولها، وعلى حكايات الألم والفقد، وعلى محاولات التمسك بالحياة وسط الموت.
ومن هنا، تؤكد أهمية توثيق هذه التجارب وإيصالها إلى العالم عبر المهرجانات الدولية، ومنها مهرجان غزة الدولي لسينما المرأة، لما توفره هذه المساحات من فرصة للمرأة الفلسطينية كي تروي تجربتها بصوتها، وتنقل ما عاشته بعيداً عن الصور التي تختزل حياتها في الموت والدمار.
وتشدد حنايشة على أن السينما الفلسطينية مساحة لمواجهة محاولات محو الحكاية، وتوثيق الذاكرة الفلسطينية وحفظها للأجيال القادمة. وترى أن أهمية مهرجان غزة الدولي لسينما المرأة تتمثل في إبقاء تجارب النساء حاضرة، بما تتضمنه من خسارات وأحلام، وإيصال أصواتهن إلى العالم، بوصفهن نساء عشن الحرب وشهدن عليها، وحاولن مواصلة الحياة رغم كل شيء.
أما رسالتها إلى نساء غزة، فتختصرها حنايشة بكلمات قليلة، تحمل من المحبة والدعم ما تعجز الكلمات عن الإحاطة به: “كل الحب لكنّ، وكل الدعم من جنين”.
زهراء غريب



