أخبار مسرحية

«عبير علي» تكشف واقع المسرح المصري المعاصر.. من «علبة» المركزية الغربية إلى فضاءات «الكتابة المغايرة»

في كتابها «الكتابة المغايرة وصناعة العرض البديل في المسرح المصري المعاصر»، تفتح المبدعة عبير علي حزين باباً للنقاش حول ضرورة تجاوز القوالب الجاهزة للمسرح، هذا الكتاب الذي صدر حديثًا عن الهيئة العربية للمسرح ضمن إصدارات الدورة الـ 16 لمهرجان المسرح العربي المقام خلال الفترة من 10 وحتى 16 يناير تحت رعاية الرئيس عبد الفتاح السيسي وبالتعاون مع وزارة الثقافة المصرية. 

لا تسعى المخرجة عبير علي في هذا الكتاب لمجرد توثيق عروض، بل تقدم رؤية نقدية للمفاهيم السائدة، مؤكدة على أن «المنتج الثقافي ينبع من بيئته الجغرافية وظروفها الاجتماعية وتاريخها»، كما تستعرض كيف أعاد المسرح المصري المغاير صياغة علاقته بالهوية، المرأة، والمجتمع.

كما تحلل الكاتبة عبير علي في كتابها الفرق المسرحية ليس بوصفها كيانات كفرق مسرحية فقط ، بل كنماذج لممارسات ثقافية تقاوم الهيمنة وتؤسس لهوية مصرية بديلة.

كتاب عبير علي هو محاولة جادة لـ “تمصير” الحداثة المسرحية، كما أنه يرفض المسرح كبناء جامد، ويراه “حالة حوارية” مستمرة بين الذات والموروث والواقع.

هذا الكتاب ليس مجرد رصد تاريخي للمسرح، بل هو ما يمكن ان نطلق عليه بـ  «مانيفستو» نقدي وفكري يسعى لإعادة تعريف العملية المسرحية في مصر خارج الأطر الرسمية والمركزية.

عبير علي 

«تفكيك المركزية» المسرح ليس ماركة غربية

تنطلق الكاتبة من نقد حاد للهيمنة الثقافية التي حولت الإبداع المحلي إلى سلع تراثية متحفية أو سلع سوقية غير راقية، مقارنة بالتعريفات الغربية السائدة، قائلة : «إن سيطرة المنتج الثقافي لهذه الشعوب المستعمرة بوصفه المنتج الإبداعي الرسمي والمتحضر، مما أدى إلى تحويل تلك المنتجات الثقافية إما إلى سلع تراثية متحفية، أو إلى سلع سوقية غير راقية… بالمقارنة بالتعريفات السائدة للمسرح».

وهنا تكشف «على» بكل شفافية عن صراع «التبعية الثقافية». فالكاتبة تحلل كيف فرض الاستعمار معاييره الفنية، فصار كل ما لا يشبه المسرح الأوروبي (العلبة الإيطالية) يُصنف كـ «فولكلور» أو «هزل» وليس فَنّاً رفيعاً.

وتأتي هنا الكاتبة كفعل مقاومة لتلك الأفكار انطلاقًا من فكرة «الكرامة الإبداعية»، من خلال استعادة المسرح المغاير، وهي الأشكال الشعبية مثل السامر والأراجوز وتجريدها من صفتها “المتحفية” لتصبح أدوات حية للنقد الاجتماعي المعاصر.

هذا الكتاب ليس مجرد رصد تاريخي للمسرح، بل هو ما يمكن ان نطلق عليه بـ  «مانيفستو» نقدي وفكري يسعى لإعادة تعريف العملية المسرحية في مصر خارج الأطر الرسمية والمركزية.

وأكدت على ذلك  قائلة :«المسرح المغاير في مصر لم يعد يكتفي باستيراد العلبة الإيطالية، بل استعاد الجذور الشعبية مثل الأراجوز، السامر، خيال الظل، ليس كفولكلور ميت، بل كأدوات حية للتفاعل مع الجمهور في الأسواق والقطارات والبيوت».

«الدراماتورجيا» حين يصبح النص ملكاً للجماعة

تطرح الكاتبة مفهوم «الدراماتورج» كفعل تمرد على «النمطية والصوت الواحد»، وأن هذا التحول ينهي سلطة «المؤلف الفرد» المطلقة، ويحول المسرح إلى مختبر ديمقراطي تشاركي، حيث تولد الحكاية من جدل حر بين أجساد المؤدين وخيالاتهم.

تقول «على» : «حرفية الدراماتورج نشأت متمرداً على النمطية أو الصوت الواحد… وتعبيراً عن عدم إشباع النص الواحد صاحب الفكرة الواحدة للمبدع… الإبداع الجماعي الذي يُعد جزءاً من منهج الدراماتورج، وما يحققه من اتساع الرؤية، وثراء الصور، والدلالات».

هنا يتحول النص من «سلطة الكاتب الفرد» إلى «ملكية جماعية»، ما يعكس تحولاً من الفكر الشمولي «المنتج الواحد» أي من وجهة النظر الأُحادية إلى الفكر التعددي أو التعددية الفكرية داخل العملية الإبداعية، وعلى حد وصفها بـ«سياسة الجسد» في المسرح الحركي؛ وهنا نرى كيف يتحول جسد المؤدي إلى نص بديل للكلمة المكتوبة التي قد تخضع لرقابة صارمة، وكيف يعبر الجسد عن آلام وقهر الطبقات المهمشة.

تحرير المرأة من حكايات القبيلة

يبرز الكتاب تجربة «المسرح النسوي» كأحد أهم تجليات الكتابة المغايرة، من خلال مشاريع مثل «قالت الراوية»، من خلال تفكيك الموروث الشعبي الذي حبس المرأة في صور نمطية، وإعادة صياغة الرمز، فالمسرح هنا يصبح أداة لتعرية «التواطؤ الجمعي» وسلطة العراف والوزير التي طمست حكايات النساء القويات وحولتهن إلى «غولات» لترهيب الفتيات وضمان طاعتهن.

تقول «على»: «فرقة «قالت الراوية» تعمل على تفكيك وإعادة كتابة موروث الحكايات التراثية بمنظور نسوي يغير فيه من الصورة النمطية للمرأة… نموذج «بدر البدور» التي تبادر بمغامرة الرحلة… فالخروج والسفر والمغامرة حق ذكوري في الموروث».

المسرح كحق مشاع «العدالة الإبداعية»

لا تغفل الكاتبة الجانب الهيكلي، حيث تطرح مفهوم «العدالة الثقافية واللامركزية» كأصل في العرض البديل،  وترى الكاتبة في هذا الجزء أن مشكلة المسرح المغاير في مصر ليست في الإبداع -فهو متوفر بغزارة-، بل في الاستمرارية، لذا، قامت بتحليل آليات اللوائح والقوانين، ودعت إلى تحويل التجارب المستقلة من مجرد «ومضات» فردية إلى «بنية مؤسسية» تضمن العدالة الثقافية واللامركزية.

وتطرقت المخرجة عبير علي في كتابها لعدة من تجارب المسرح المستقل، ومنها «مختبر المسحراتي»، باعتباره نموذج للمختبر المستمر، مشيرًا إلى أن المختبر اهتم بقضايا شديدة المحلية والحساسية مثل أثر المبيدات، قضايا الفلاحين، الصعيد، محولاً المسرح إلى أداة للتنمية والتوعية دون السقوط في المباشرة التعليمية، كما عمل المختبر على كسر احتكار المؤلف للنص؛ فالعرض يولد من رحلات ميدانية وجمع حكايات واقعية، مما يجعل الصدق هو المعيار الأساسي للجودة الفنية.

تؤكد الكاتبة أن المعيار الحقيقي لنجاح أي تجربة بديلة هو قدرتها على خلق «بنية» تنظيمية ولوائح تضمن بقاءها، بدلاً من أن تظل تجربة فردية تنتهي برحيل صاحبها.

أيضًا تحدثت عن «فرقة القافلة» المسرح النسوي وتحطيم تابوهات الحكي، وهنا نجد الكاتبة قد توقف طويلاً عند تجربة «عفت يحيى» ومشروعات مثل «أنا الحكاية» و«قالت الراوية»، وترى فيها أنها عملت على إعادة صياغة الموروث من خلال «تفكيك» الحكايات الشعبية التي كرسها الرجال، وكيف تحول المسرح مع «القافلة» إلى فضاء آمن للنساء ليحكين قصصهن الشخصية (الجسد، القمع، الطموح)، مما يجعل “الذاتي” فعلاً “سياسياً” وثقافياً بامتياز.

ينتهي الكتاب بتساؤل جوهري حول «الاستمرارية»؛ لماذا تتوقف هذه التجارب الملهمة برحيل أفرادها؟. إن صناعة «البديل الناجز» تتطلب تحويل هذه الحساسيات الفنية إلى «بنية مؤسسية» تضمن بقاء المسرح المصري متجدداً وحياً.

تؤكد الكاتبة أن المعيار الحقيقي لنجاح أي تجربة بديلة هو قدرتها على خلق «بنية» تنظيمية ولوائح تضمن بقاءها، بدلاً من أن تظل تجربة فردية تنتهي برحيل صاحبها.

فكتاب عبير علي هو محاولة جادة لـ “تمصير” الحداثة المسرحية، كما أنه يرفض المسرح كبناء جامد، ويراه “حالة حوارية” مستمرة بين الذات والموروث والواقع،  الرؤية الكلية للكتاب تخلص إلى أن “المغايرة” ليست مجرد اختلاف في الشكل، بل هي موقف أخلاقي وفكري ينحاز للإنسان المهمش وللجمال الذي يولد من رحم المعاناة والبحث عن الهوية.

وهو ما يجعل الكتاب مرجعاً أساسياً ليس فقط للمسرحيين، بل لعلماء الاجتماع الثقافي والباحثين في الأنثروبولوجيا الفنية في العالم العربي.

سمية أحمد – البوابة نيوز

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: المحتوى محمي !!