دراما وفنون

“زير النساء” في مصر يتسيد الشاشة والعقول

عقدة "جعفر العمدة" تصيب نجوم المسلسلات الشعبية ويتحولون إلى مركز الجاذبية العاطفية كل عام من دون تبرير درامي

ملخص

لا تزال عقدة شخصية جعفر العمدة التي قدمها محمد رمضان قبل سنوات مسيطرة على عديد من نجوم الدراما الشعبية المصرية، إذ تهرول عدة نساء وراء كل واحد منهم، مهما كانت ظروفه الاجتماعية والنفسية والمادية، في تيمة بدت مكررة وغير مبررة درامياً، إذ يتكرر الأمر في مسلسلات عديد من الأبطال كل عام تقريباً

من الملاحظات التي يصعب تجاهلها في ما يتعلق بالدراما الشعبية المصرية هذا الموسم، هو تراجع الزخم والاهتمام الجماهيري، أو على الأقل تفاوته، بمعنى أنه لا يوجد مسلسل من تلك الفئة حافظ على تربعه على عرش الترند والأعلى مشاهدة بشكل متصاعد أو حتى ثابت منذ انطلاق الموسم الرمضاني. كذلك من بين  أبرز الملاحظات أن غالبية الأبطال يحتفظون بتفاصيل محددة ارتبطت بهم، فبعضهم يتمسّك بالحس الكوميدي مهما كانت طبيعة الدور، وآخر عالق في تيمة التخبط العائلي وعلاقته بذويه، وغيره يغرق في تيمة الانتقام بلا سقف.

لكن، الجميع تقريباً من دون استثناء لا يستغنى عن كونه مركز الجاذبية العاطفي الأول طوال حلقات مسلسله، فيبدو وكأنها عقدة “جعفر العمدة” المسلسل الشعبي الذي قدّمه محمد رمضان قبل نحو ثلاث سنوات، ولا يزال نجاحه حلماً يراود نجوم الدراما التي تحتفي بالبطل الشعبي المحبوب الشجاع قوي الشكيمة.

في رمضان 2023 استحوذ مسلسل “جعفر العمدة” على الاهتمام الجماهيري الأول، إذ تقاطعت في حياة البطل نساء كثيرات، بينهن زوجاته الأربع وسط مفارقات درامية معقدة تجمع بين الحب والغيرة والانتقام، كذلك يحضر نجوم مثل أحمد العوضي وعمرو سعد ومحمد إمام ومصطفى شعبان في موسم دراما رمضان 2026 ومعهم الخطة نفسها، فامرأة واحدة لا تكفي على ما يبدو بالنسبة إلى محبي هذا النوع من القصص، فالبطل الشعبي يجب أن يكون ساحراً ومغواراً، وتلهث خلفه نساء العمل، فتكرار تيمات بعينها في هذا النوع من المسلسلات أصبح أمراً مسلماً به ولا فكاك منه. وعلى ما يبدو أن هذه التفصيلة هي الأكثر تفضيلاً، فيأخذها كل نجم معه من عام إلى آخر، ومن قصة إلى أخرى، وكأنها جواز المرور الأول.

خطاب يشبع أحلام الجمهور

البطل الذي تدور في فلكه غالبية نساء المسلسل، تيمة شديدة التقليدية، وقدمها عديد من النجوم الكبار عدة مرات في مشوارهم، لكن أن تكون خطاً درامياً مفروضاً على غالبية المسلسلات الشعبية في السنوات الأخيرة، ويصرّ الفنان على تقديمها عاماً بعد آخر، فالأمر بطبيعة الحال سوف يصيب الجمهور بالملل، ويدفع المشاهد إلى التساؤل عن المنطق الدرامي، بخاصة حينما لا تكون تلك العلاقات مؤثرة بشكل كبير في سير الأحداث، وكل هدفها هو إثبات أن البطل كامل الأوصاف، ويتمتع بسحر لا يضاهى ونظرة آخاذة وشخصية، ولديه عضلات لا يمكن مقاومتها على رغم أن بناء العضلات يحتاج إلى اهتمام خاص جداً، وموازنة كبيرة، لكن الدراما تصرّ على أن حتى البطل بسيط الحال يتمتع بهذه اللياقة المبهرة.

والحقيقة أن بعض الإعجابات التي تحدث تكون بلا أي مقدمات تقريباً وبلا خلفية، ومهما كانت ظروف البطل المادية والاجتماعية وحتى النفسية، فيبدو الموقف وكأنه مقحم، ويأتي فقط ليؤكد هذا الغرض الذي يجعل الأمر كارتونياً في بعض الأوقات.

على سبيل المثال حينما قدّم نور الشريف هذه التيمة قبل ربع قرن في مسلسل “عائلة الحاج متولي”، كانت هناك تبريرات درامية، كذلك فإن المسلسل بأكمله كان قائماً على حكايات النساء اللاتي يعشن في منزل واحد، وأيضاً العمل لم يكن ينتمي إلى دراما الحارة الشعبية بالشكل المعروف الآن، لكنها حكاية درامية قد تحدث، ووقتها هوجم الفنان البارز، واتهم العمل بالدعوة إلى تعدد الزوجات من دون سبب، والتقليل من شأن النساء، لكن هذا التوجه يجري توليفه درامياً كل عام تقريباً بشكل أو بآخر، وهناك تصالح معه، على رغم أنه يضعف العمل فنياً، إضافة إلى الرسائل الضمنية التي لا تكون كلها بريئة بشأن النساء بشكل عام.

الدكتور نادر رفاعي، أستاذ النقد بالمعهد العالي للنقد الفني، يفسّر سبب تكرار هذا النمط بشكل سنوي وارتباطه بنجوم دراما البطل الشعبي بشكل خاص بأنه على رغم أن الجمهور بطبعه ملول، وولاؤه غير مضمون بشكل مطلق، لا سيما إذا وجد نفسه يتابع نفس الحكاية بتنويعات مختلفة كل عام، لكن أيضاً هناك تيمات محددة لا يتغير خطها الأساسي، فالتيمات الدرامية محدودة، وحتى إذا توقفت لبعض الوقت فهي تعود بثوب آخر، وبينها تيمة البطل المحبوب من النساء.

ويتابع أستاذ النقد الفني بأكاديمية الفنون أنه على العكس المتوقع فإن قطاعاً كبيراً من الجمهور يحب متابعة البطل الذي يسحر النساء، لأنه يمثل بالنسبة إليه حلماً يفشل في تحقيقه على أرض الواقع، والأمر في رأي رفاعي ينطبق أيضاً على حلول درامية كثيرة يلجأ إليها الصناع لتحقيق عوامل الجذب الجماهيري، وبينها الانتقام المروع من الظالمين، مفسّراً الأمر بأن المشاهد كثيراً ما يواجه مواقف تشعره بالبؤس والظلم في حياته اليومية، لكنه لا يواجهها بتلك الطريقة، بالتالي فسلاسل انتقامات البطل التي تنتمي إلى عالم الأكشن تشبع لديه تلك الرغبة وتعوضه عن شعوره بالعجز عن القيام بفعل مماثل.

مركز الجاذبية العاطفية

على سبيل المثل ظهرت حتى الآن أربع نساء في حياة مصطفى شعبان نجم مسلسل “درش”، والقائمة مرشحة للزيادة، حيث تتسم قصة العمل بالغموض من خلال البطل فاقد الذاكرة، متفوقاً على عدد زوجاته العام الماضي بمسلسل “حكيم باشا”، إذ اكتفى وقتها بثلاث زوجات فقط، وعادة ما يفضّل مصطفى شعبان تقديم شخصية الرجل الذي تسعى نساء وفتيات المسلسل جميعهن تقريباً خلفه مهما كانت طبيعة الدور الذي يقدمه، ومن أشهر أعماله التي تمحورت حول جاذبيته المبهرة التي توقع النساء في غرامه من دون أي سند درامي منطقي “الزوجة الرابعة – مزاج الخير – دكتور أمراض نسا”.

وإلى جانب عادته الدرامية المفضلة بقضاء غالبية حلقات مسلسلاته في البحث عن والديه الحقيقيين، يخلص أحمد العوضي لعادة أخرى، وهي كونه نموذج الرجولة المثالي الذي تتصارع عليه نساء المدينة، فهناك ثلاث نساء على الأقل متناقضات الشخصيات والسمات يهمن به في مسلسله الرمضاني “علي كلاي”.

بينما لم يختلف الوضع كثيراً مع عمرو سعد في مسلسل “إفراج” كلما تحرك تقع فيه النساء حباً، وبخلاف تارا عماد وبسنت شوقي، وقبلهما الزوجة ناهد السباعي، إضافة إلى أي امرأة عابرة في طريقه حتى لو شاهدته في سهرة غير مخطط لها، كذلك فمن خلال مشهدها الأول كضيفة شرف في المسلسل منحت نارين بيوتي عنوانها الشخصي للبطل عباس الريس، معبرة عن مدى إعجابها به لمجرد رؤيته بالمصادفة في مدرسة أبنائه، و”إفراج” هو عمل ميلودرامي مأخوذ عن قصة جريمة حدثت على أرض الواقع.

أيضاً يعيش محمد إمام ثلاث قصص حب في مسلسله “الكينج”، وهو كذلك ضمن موجة الدراما الشعبية التي اشتهر بها إمام على مدار سنوات، التي تجمع بين المغامرات والانتقام ورحلات الصعود والفكاهة، إذ دأب إمام قبيل أسابيع من انطلاق السباق الدرامي على الترويج لمسلسله من خلال تعدد قصص الحب به، واعداً الجمهور بمفاجآت، وهي نفس طريقة أحمد العوضي، الذي اعتاد على التقاط الصور مع بطلات مسلسلاته اللاتي يعجبن به، والدعاية للعمل من خلال قصص الحب المتعددة، ليدلل على كونه متربعاً على عرش الرجولة بمعناها الذي تسوقه الدراما في السنوات الأخيرة.

تيمة نمطية

الأكاديمية سارة حراز، أستاذة الإعلام بجامعة دمنهور، تشير إلى أن الانتشار الجماهيري لهذه النوعية من المسلسلات التي تعتمد على خطوط درامية تمجّد فكرة تعدد العلاقات النسائية، سببه وجود خلل وتغير واضح في القيم المجتمعية، لافتة إلى أن الفنان في النهاية يسعى إلى النجاح والانتشار بين فئات كثيرة، ولهذا لا يتردد في تبني خطاب درامي يحقق الشعبية له.

وتتابع حراز، “حتى إن الصناع لم يعودوا يشغلون أنفسهم بالبحث عن مبررات لهذه الجاذبية الطاغية التي يتمتع بها البطل، فلا تركيز على الصفات الشخصية أو الوسامة الفارقة أو النجاح المهني وتفرد السمات وغيره، كذلك فإن هذه التيمة كان يمكن تمريرها مرة أو مرتين، لكنها باتت صيغة أساسية في نوعيات محددة من المسلسلات، ومن كثرة تكرارها باتت مقصودة، وأصبحت عالقة بذهن المشاهد، وبسبب التشديد عليها أصبحت متقبلة على رغم أن تعدد العلاقات في حد ذاته أمر مستهجن اجتماعياً، لكن الإلحاح نجح في تغيير هذه الصورة الذهنية عن الشخص متعدد العلاقات النسائية”.

تعتبر دراما البطل الشعبي التي برزت على السطح بمقاييسها الجديدة منذ نحو 15 عاماً، متهماً أول دوماً في أي أزمة مجتمعية، حيث يلوم البعض عليها بأنها سبب في انتشار بعض السلوكيات السلبية، خصوصاً في ملفات العنف وطرق الانتقام والفضح، فهل تقديم النموذج الذي يحظى بإعجاب النساء على رغم أنه قد لا يتمتع بشخصية إيجابية أو مثالية بشكل ملحوظ، سيعد اتهاماً درامياً يلصق أيضاً بالمسلسلات أم هي مجرد تيمة يجري توظيفها سواء كانت ملفقة أم في صميم الحبكة؟

إلحاج بلا سند درامي

يبدو الناقد والأكاديمي الدكتور نادر رفاعي أكثر رأفة هنا، حينما يشير إلى أن فكرة البطل الذي تقع في غرامه نساء العمل بشكل متواتر موجودة في الدراما دوماً، لكنها كانت تقدم بين حين وآخر وفقاً للسياق، ضارباً المثل بأعمال عديدة بينها قصة مسلسل الجاسوسية الشهير “رأفت الهجان” بطولة محمود عبد العزيز، وكذلك عدة أعمال لنور الشريف، مثل عائلة الحاج متولي، و”العطار والسبع بنات”، وكذلك مسلسل “زيزينيا” ليحيى الفخراني، وغيرها، لافتاً إلى أن تلك تيمة لا تنتهي، لافتاً إلى أن شكل الممثل وعمره وطبيعة مسيرته المهنية تفرض على الصناع تقديم معالجة فنية معينة تلائمه.

وأوضح أستاذ النقد بأكاديمية الفنون وجهة نظره المتعلقة، بسبب تمسّك نجوم الدراما الشعبية بحبكات معينة قائلاً: “من الطبيعي أن تكون هناك مسلسلات نمطية في سياق يتمتع بهذا الكم من الأعمال، فالدراما التلفزيونية المعروضة مجاناً مغايرة للسينما التي تحمل رغبة أكبر في الاجتهاد والاختلاف، فلكل وسيط طبيعة مختلفة، كذلك فإن القصص الشعبية ينبغي أن تحمل مبالغات وتعقيدات وصراعات وميلودراما، فهذه تفاصيل محببة للجانب الأكبر من الجماهير”.

فيما تحذر أستاذة الإعلام الدكتورة سارة حراز من الإلحاح على هذه النوعية من الشخصيات وتقديمها على أنها نموذج، موضحة: “بحكم اقترابي من شرائح مختلفة من الطلبة فهناك أزمة كبيرة في الوعي، ولا يوجد حس نقدي في التعامل مع الأفكار والقصص والمواد المعروضة، ولهذا يمكن للمراهقين والشباب الصغار بسهولة تبني أي أفكار تقدمها الدراما والإعلام حتى لو كانت تحمل سلبيات، فهناك تغير في التفكير والاهتمامات، وتدن ملحوظ في نسبة الاطلاع، حدث على مدى طويل بعد أن تغير الخطاب الدرامي خلال السنوات الماضية، فتحول المثير للضيق لأمر معتاد”.

وتتابع حراز، “كما قلت قلة الوعي تسهم في هذا التقبل، لأن المرجعية تغيرت لم تعد القراءة العميقة، إنما السوشيال ميديا التي تسمم الأفكار وتمنح المستخدم معلومات سطحية ومغلوطة ولا تعلمهم التفكير السليم، فعلى سبيل المثال البطل السينمائي الأفضل بات صاحب العضلات الأكبر، ومن يتكلم بطريقة أغرب، مقارنة بنجوم الزمن الماضي فهناك تحول كبير، وعلى رغم أن نسبة الجمهور الأكبر من الشباب ولكنهم لا يعون أبداً مدى تأثيرهم بأن مقاطعتهم لمنتج معين سوف تجعله يندثر، وسوف تجعل الصناع يهتمون بالجودة بصورة أكبر، فهم حتى يجهلون قدرتهم على التأثير في هذا الشأن لأنهم منساقون بشكل لا يصدق”.

حميدة أبو هميلة – إندبندنت عربية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: المحتوى محمي !!