المسرح الكبير بفاس خطوة لتعزيز المشهد الثقافي
حاضرة الإدريسيين تراهن على فضاء الإبداع والعروض الفنية الجديد ليعيد للمدينة بريقها الثقافي ويعزز جاذبيتها السياحية

دخل مشروع المسرح الكبير بمدينة فاس مرحلة جديدة من الإنجاز، عقب اختيار تجمع مقاولات متخصص للإشراف على تنفيذ أشغال الشطر الثاني من هذا المشروع الثقافي البارز، في خطوة تروم تسريع وتيرة العمل واستكمال مختلف المكونات التقنية والهندسية لهذا الصرح الفني الذي يُرتقب أن يشكل إضافة نوعية للمشهد الثقافي بالعاصمة العلمية للمملكة.
وبحسب المعطيات المتوفرة، فقد رُصد لهذه المرحلة غلاف مالي يناهز 50 مليون درهم، وهو استثمار يعكس حجم الرهان على تعزيز البنية التحتية الثقافية بمدينة فاس. ومن المرتقب أن تشمل الأشغال المرتبطة بهذه المرحلة استكمال التجهيزات التقنية والبنيات الأساسية للمسرح، وفق معايير فنية حديثة تستجيب لمتطلبات احتضان العروض المسرحية والفنية الكبرى، وتتيح توفير فضاء ثقافي متكامل قادر على استضافة التظاهرات الوطنية والدولية.
ويأتي إطلاق الشطر الثاني من الأشغال في سياق جهود تبذلها مختلف المؤسسات المعنية لتسريع إنجاز هذا المشروع الذي طال انتظاره من طرف الفاعلين الثقافيين وسكان المدينة، خاصة وأن فاس تُعد واحدة من أهم الحواضر التاريخية والثقافية في المغرب، وتحتاج إلى بنية تحتية حديثة تواكب مكانتها الحضارية.
ويُعد المسرح الكبير من أبرز المشاريع الثقافية المهيكلة التي تشهدها فاس خلال السنوات الأخيرة، إذ يتم إنجازه على مساحة تقارب 1.6 هكتار على الطريق المؤدي إلى مدينة مكناس بالقرب من حي واد فاس. وقد صُمم هذا الفضاء الثقافي بطاقة استيعابية تصل إلى حوالي ألف مقعد، ما سيمكنه من استقبال عدد كبير من الجمهور خلال مختلف العروض الفنية والمسرحية.
ويدرج ضمن تصور أوسع لإحداث قطب ثقافي متكامل يجمع بين عدة مؤسسات فنية وتعليمية، من بينها معهد للفنون الجميلة، والمعهد الجهوي للموسيقى والفن الكوريغرافي، إضافة إلى مركز ثقافي متعدد الوظائف مخصص لاحتضان الأنشطة الفنية والورشات الثقافية المختلفة.
كما يتضمن المشروع عددا من الفضاءات المرافقة التي ستساهم في تحسين تجربة الزوار والجمهور، من بينها قاعة استقبال واسعة ومقهى تابع للمسرح تمتد مساحته على نحو 640 مترا مربعا. وسيستفيد هذا الفضاء الثقافي أيضاً من موقف سيارات تابع للمركز التجاري المجاور، والذي يتسع لحوالي 786 سيارة، ما من شأنه تسهيل ولوج الجمهور إلى العروض والأنشطة الفنية.
ويحظى مشروع المسرح الكبير بفاس بتمويل مشترك من عدة مؤسسات عمومية، في إطار مقاربة تشاركية تهدف إلى دعم المشاريع الثقافية الكبرى وتعزيز البنية التحتية الفنية بالمملكة. ويشارك في تمويل المشروع عدد من القطاعات والمؤسسات، من بينها وزارة الثقافة التي ساهمت بحوالي45 مليون درهم، ووزارة الداخلية بحوالي 22 مليون درهم.
كما ساهم مجلس جهة فاس مكناس بحوالي 20 درهم، في حين خصصت وزارة السكنى وسياسة المدينة 22 مليون درهم لدعم المشروع. أما جماعة فاس فقد ساهمت بحوالي 9 ملايين درهم، بينما بلغت مساهمة مجلس عمالة فاس نحو مليوني درهم.
وتندرج هذه المساهمات ضمن برنامج أوسع للمشاريع الثقافية التي صادق عليها مجلس جهة فاس مكناس، والتي تصل كلفتها الإجمالية إلى نحو 366 مليوناً و600 ألف درهم. وتشمل هذه المشاريع عدداً من المبادرات الرامية إلى تعزيز المشهد الثقافي بالجهة، من بينها إنشاء متحف لحفظ الذاكرة التاريخية للمدينة، وبناء مؤسسات تعليمية متخصصة في الفنون.
يشكل المسرح الكبير بفاس جزءا من رؤية أوسع تروم إعادة إحياء الدور الثقافي والحضاري للمدينة، التي لطالما ارتبط اسمها بالإشعاع العلمي والفكري عبر التاريخ. فقد شكلت فاس، على مدى قرون، مركزاً بارزاً للعلم والثقافة، خاصة مع احتضانها لجامعة القرويين التي تعد من أقدم الجامعات في العالم.
ويراهن الفاعلون المحليون على أن يساهم هذا المشروع في إعادة تنشيط الحياة الثقافية بالمدينة، عبر توفير فضاء عصري قادر على احتضان مختلف أشكال التعبير الفني، من مسرح وموسيقى وفنون استعراضية، إضافة إلى اللقاءات الثقافية والفعاليات الدولية.
كما يُنتظر أن يساهم هذا الصرح الثقافي في دعم السياحة الثقافية بمدينة فاس، من خلال جذب الزوار والمهتمين بالفنون والعروض المسرحية، وهو ما قد ينعكس إيجاباً على الحركة الاقتصادية والسياحية بالمدينة.
ورغم أهمية المشروع والآمال الكبيرة المعقودة عليه، فإن مسار إنجازه لم يخلُ من بعض التحديات، خاصة في ما يتعلق بتأخر وتيرة الأشغال خلال مراحل سابقة. وقد أثار هذا التأخر تساؤلات لدى عدد من المتتبعين والمهتمين بالشأن الثقافي المحلي حول الجدول الزمني النهائي لتسليم المشروع.
ويرى عدد من الفاعلين الثقافيين أن نجاح المسرح الكبير لن يقاس فقط بجودة بنيته المعمارية أو حجم الاستثمارات التي رُصدت له، بل بمدى قدرته على التحول إلى فضاء حي ومفتوح أمام الفنانين والشباب، وقادر على احتضان برامج ثقافية مستدامة ومتنوعة.
وفي هذا السياق، يؤكد مهتمون بالشأن الثقافي أن توفير بنية تحتية حديثة يجب أن يترافق مع وضع رؤية واضحة لتدبير هذا الفضاء الثقافي، بما يضمن إشراك الفاعلين المحليين في صياغة برامجه الثقافية، وتشجيع المبادرات الفنية التي تعكس غنى التراث الثقافي للمدينة.
ويمثل المسرح الكبير بفاس أكثر من مجرد منشأة ثقافية جديدة؛ فهو مشروع يندرج ضمن مقاربة تنموية تسعى إلى الاستثمار في الثقافة كرافعة للتنمية الحضرية وتعزيز جاذبية المدن.
ومن المنتظر أن يشكل هذا المشروع، عند اكتماله، فضاءً حيوياً للإبداع الفني والتبادل الثقافي، وأن يساهم في إعادة تموقع مدينة فاس ضمن الخريطة الثقافية الوطنية.
غير أن التحدي الأساسي اليوم يظل في استكمال هذا الورش في أقرب الآجال، وضمان تحويله إلى منصة حقيقية للحياة الثقافية والفنية، بما يعزز مكانة فاس كواحدة من أبرز الحواضر التاريخية والثقافية في المغرب، ويمنح ساكنتها فضاءً جديداً للتعبير والإبداع والتفاعل الثقافي.
middle east



