هنا الفن.. هنا الحياة

يذكّرنا المسرح بأن الجدية لا تزال لها قيمة في هذا الواقع الذي بات يمتلئ بالسطحية، التي أصبحت سمة مميزة لعصرنا مع التكنولوجيا الفائقة الحداثة.
المسرح بما يطرحه من هموم ويناقشه من قضايا ويثيره من مسائل حيوية أبعد ما يكون عن تفاهة باتت تقتحمنا، عن صورة أصبحت تغزو عيوننا من كثرة التحديق في الهاتف، يأتي المسرح هنا ليقول لنا: «لحظة انتباه، لتنفصلوا عن الروتين اليومي المعتاد ولتبقوا معي قليلاً».
تذكرنا الحوارات المسرحية والتي تهدف إلى إثارة الوعي وإعمال العقل، بزمن كان للحوار فيه الوزن الأكبر في حياتنا، عندما كنا نتناقش، نجتمع ونتكلم، نتفق، ونختلف، نصل إلى نتيجة محددة أو نترك الباب مفتوحاً لإضافات نقاشية لاحقة، في ذلك الوقت كان للكلام قيمة وللحوار مكانة، وللعقل الكلمة الفصل، وللاختلاف متعة كبيرة وخاصة، أما في هذا العصر فلا حوار، مجرد صراخ وجدال فارغ وكلام منزوع الدسم والقيمة والمكانة.
تذكرنا القاعات المسرحية بحميمية التواصل بين البشر، عندما كنا نلتقي، نقترب من بعضنا البعض، نسأل عن أحوالنا ونستعيد ذكرياتنا ونناقش أوضاعنا، كان للقاء المباشر سحره الخاص، الآن كل واحد منا يعيش في شرنقته الخاصة، لا يهتم بالآخرين، وإذا كان يتابعهم فعن بعد، تفتت الروابط، ومع تفككها أصيبت القلوب بالعطب، وتحجرت المشاعر كثيراً، وتخفينا عن بعضنا في أيقونات وحيل تقنية سخيفة.
تذكرنا أوقات مشاهدة العرض بلحظات من الانتباه والهدوء والإنصات إلى الآخرين، في زمن يتكلم فيه الجميع في الوقت نفسه، ولا أحد ينبه إلى ما يقوله الآخر، فحتى في عصرنا هذا لا ننتبه كثيراً أننا لم نعد نحاور الآخرين أو نلتفت إليهم أو نستمع إلى وجهة نظرهم، والأكثر مدعاة للأسى أننا لم نعد ننصت حتى إلى صوتنا الداخلي، تغيرت طبيعتنا جداً كما لم يحدث في الماضي، هنا يأتي العرض ليفصلنا لمدة ساعة أو أكثر ننخرط فيها في ما يدور أمامنا ننصت ونشاهد، نتأمل ونفكر، نستمتع بالفرجة، ونتدبر الفكرة.
يذكرنا المسرح بأن هناك حقلاً ثقافياً لا يزال متماسكاً في عصر عصفت فيه التكنولوجيا بكل شيء، غيرت جوهرياً في موضوعات وتقنيات السرد، هاجمت بسطحيتها الشعر الذي لا يزال يقاوم لعل وعسى، حولت العديد من الفنون إلى تكوينات هجينة لا طعم لها، تفتقد إلى الروح الوثابة وإلى العمق، هنا يبدو أن المسرح بقوانينه التي لا يزال يحتفظ بها أحد خنادق المواجهة الأخيرة التي ترفض ارتهان الفن والثقافة لكل ما هو عابر ومتغير وخاضع لقوانين التفاهة.
يذكرنا المسرح بلحظة نكون فيها أقرب إلى حقيقتنا، من خلال أطروحات تعري الزيف، وأفكار تنزع الأقنعة، لتقول لنا بصراحة ومن دون مواربة، من نحن، تكشف عن نقاط ضعفنا، وتهبنا الكثير من القوة، وتمنحنا بعض السلام مع النفس.
يذكرنا المسرح بتاريخ طويل من الفن مر بمراحل عديدة، وتطورات تثير الشغف، ومن خلال غمضة عين وفي أقل من لمحة نستعيد تاريخاً لا يبدأ من المسرح اليوناني ولا ينتهي بأي عرض شعبي في أي مكان منزوٍ في العالم، هنا نحن في حضرة عملية فنية صحية تداولها النخبة والبسطاء وأحبها جميع البشر.
يذكرنا مهرجان أيام الشارقة المسرحية بأن «أبو الفنون» بخير، ولذلك فعلينا ألا نخاف على الفن أو الثقافة أو حتى الكتاب والأدب، فالمسرح بوتقة تنصهر فيها كل هذه المفاهيم والمفردات.
يذكرنا المهرجان بأننا هنا أهل المسرح وصناع المسرح وجمهور المسرح، كل هذه المعاني انصهرت بدورها في الشارقة إمارة المسرح.
ومع دورة جديدة من المهرجان تنطلق اليوم لا نملك إلا أن نقول: هنا المسرح.. هنا الحياة.
محمد إسماعيل زاهر – الخليج



