أخبار مسرحية

صالح موسى.. كاتب جعل المسرح يفكّر وهو يضحك

ووري جثمانه أمس بمقبرة الصليبخات

لم يكن رحيل الكاتب والفنان المسرحي صالح موسى مجرد غياب اسم من جيل الرواد، بل غياب طريقة كاملة في النظر إلى المسرح، خصوصا بلحظة كان فيها هذا الفن يتشكل بوصفه أداة لفهم المجتمع، لا مجرد وسيلة للترفيه.

حين بدأ الراحل موسى نشاطه أواخر الخمسينيات لم تكن الحركة المسرحية في الكويت قد استقرت بعد على ملامح واضحة، حيث كانت التجارب متفرقة في ظل تحولات اقتصادية واجتماعية متسارعة، وفي هذا السياق جاءت كتاباته كجزء من محاولة مبكرة للإجابة عن سؤال جوهري: كيف يمكن للمسرح أن يكون قريبا من الناس من دون أن يفقد قدرته على النقد؟

ما يميز تجربة الراحل صالح موسى ليس فقط انحيازه إلى الكوميديا، بل نوع الكوميديا التي كتبها، لم تكن قائمة على المفارقة السطحية أو النكتة العابرة، بل على بناء مواقف تكشف الخلل داخل البنية الاجتماعية نفسها، وهذا ما تكتشفه وأنت تشاهد مسرحياته. ففي مسرحية «مدير طرطور» مثلا، لا يظهر الخلل في شخصية المدير بقدر ما يتجلى في النظام الذي يسمح بوجوده واستمراره، والكوميديا هنا لا تسخر من فرد، بل من آلية كاملة.

هذا التوجه يتكرر بصيغ مختلفة في أعمال أخرى مثل مسرحية «شرايج بو عثمان»، حيث تتقدم التفاصيل اليومية بوصفها مادة درامية، لا بوصفها خلفية، الشخصيات هنا ليست رموزا مجردة، بل امتداد مباشر للشارع، للغة المتداولة، وللتفكير الشعبي، وهو ما منح النصوص قدرة نادرة على البقاء في الذاكرة.

أما في مسرحية «ضعنا بالطوشة»، فيتسع النطاق من نقد سلوكيات فردية إلى تصوير حالة جماعية من الارتباك، حيث تصبح الفوضى موضوعا بحد ذاته، لا مجرد نتيجة، هنا يقترب موسى من لحظة التحول الاجتماعي، ويقدمها دون تنظير مباشر، بل من خلال تصاعد درامي يكشف هشاشة التوازنات القائمة.

وفي مسرحية «مفاوضات مع الشيطان» يذهب أبعد من ذلك، متخليا جزئيا عن المباشرة الواقعية، ليفتح المجال أمام حوار أكثر تجريدا، فالعمل لا يقدم إجابات جاهزة، بل يطرح أسئلة حول الاختيار والمسؤولية والحدود الأخلاقية، مستخدما الرمز من دون أن ينفصل تماما عن هموم الواقع.

هذا التنقل بين مستويات مختلفة من الطرح يعكس وعيا بطبيعة الجمهور، وبقدرة المسرح على استيعاب أكثر من طبقة في آن واحد، وهي نقطة جوهرية في فهم إسهامات الراحل صالح موسى الذي لم يكن يكتب لجمهور نخبوي، بل لجمهور عادي حتى تصل رسالة ما يكتبه بكل سهولة.

في سبعينيات القرن الماضي، ومع ما يعرف بمرحلة ازدهار المسرح الكويتي، كانت هذه المقاربة جزءا من تيار أوسع، إلا أن خصوصية الراحل موسى ظهرت في حفاظه على توازن دقيق بين الإضحاك والتفكير، لم يكن الضحك هدفا نهائيا، بل كان مدخلا لتمرير ملاحظات قد تكون قاسية لو قدمت بشكل مباشر.

كما أسهمت نصوصه في تثبيت فكرة أن المسرح الجماهيري لا يعني التبسيط المخل، بل القدرة على صياغة خطاب مفهوم دون التفريط في مضمونه.. وهي معادلة ظلت تحديا مستمرا في التجارب المسرحية اللاحقة.

وتكريمه في مهرجان الكويت المسرحي العاشر لم يكن مجرد احتفاء بشخصه، بل اعترافا ضمنيا بدور جيله في وضع الأسس الأولى لمسرح محلي يمتلك لغته وموضوعاته. جيل لم يكن أمامه نموذج جاهز، بل كان عليه أن يبتكر أدواته بالتجربة.

ومع رحيله أمس عن عمر ناهز 85 عاما ومواراة جثمانه الثرى في مقبرة الصليبخات، لم نفقد فقط كاتبا مسرحيا، بل مرحلة كان فيها المسرح مساحة اختبار حقيقية للأفكار ومنبرا لطرح أسئلة المجتمع بصيغة يمكن للناس أن يروا أنفسهم فيها.

ويبقى أثر الراحل صالح موسى في نصوصه لا بوصفها أعمالا مرتبطة بزمنها فقط، بل كنماذج لطريقة في الكتابة تقوم على البساطة الواعية، بساطة لا تعني السطحية، بل القدرة على قول الأشياء المعقدة من دون أن تبدو كذلك.

 

 

مفرح الشمري – الأنباء الكويتية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: المحتوى محمي !!