رسالة قوة من قلب المسرح المغربي في ‘دوي’
العرض الجديد بدعم من جمعية 'الخشبة البيضاء' يحاكي وجع الإنسان زمن الحروب ويؤكد أن الإبداع قادر على مواجهة الصمت والخوف وقلة الإمكانيات

تواصل المبادرات الثقافية الجادة فرض حضورها داخل المشهد المغربي، مانحة الفن قدرة متجددة على الاستمرار رغم ما يحيط به من صعوبات إنتاجية وتحديات يومية تثقل مسار العاملين فيه، وتحمل جمعية “خشبة البيضاء” هذا النفس الطموح عبر تجربة شبابية اختارت المسرح طريقاً للتعبير والتكوين وخدمة الذوق العام، فعملت على بناء مشروع فني يستند إلى الجدية والانفتاح والاجتهاد. وتأتي مسرحية ”دوي” امتداداً لهذا المسار عبر عرض يقترب من أسئلة الإنسان حين يجد نفسه محاصراً بالخوف والخراب والانتظار، مستثمراً أدوات الركح من صورة وصوت وحركة وأداء جماعي لصياغة فرجة تحمل بعداً جمالياً وفكرياً في آن واحد، مانحاً دليلاً جديداً على أن الشباب المغربي قادر على إنتاج أعمال ذات قيمة حين تتوفر الإرادة الصلبة والرغبة في العطاء، ومؤكداً أن المسرح يظل مساحة حية لقول ما تعجز عنه اللغة اليومية ولإيقاظ الأمل وسط الأزمنة القاسية.
وتواصل جمعية ”خشبة البيضاء” حضورها داخل الساحة الثقافية برؤية تقوم على الجمع بين التكوين والإبداع وفتح المجال أمام الشباب لاكتشاف طاقاتهم الفنية وصقل مهاراتهم داخل فضاء منظم يمنح فرص التعلم والتجريب، حيث انطلقت التجربة من أنشطة شبابية محدودة ثم تطورت بخطوات ثابتة حتى تحولت إلى إطار فني مستقل يحمل مشروعاً واضح المعالم يراهن على تقديم عروض جادة وخلق تواصل دائم مع الجمهور، وقد حرصت الجمعية منذ بداياتها على اعتبار المسرح فعلاً ثقافياً يساهم في تهذيب الحس الجمالي ونشر قيم الحوار والانفتاح والعمل الجماعي، لذلك واصلت تنظيم الورشات والمشاركات والمبادرات التي تعزز حضور الفن داخل المجتمع، وأسهم هذا النفس المتواصل في ترسيخ اسم الجمعية ضمن التجارب الشبابية التي اختارت البناء الهادئ والعمل المتدرج بعيداً عن الضجيج.
تقدم مسرحية “دوي” تجربة درامية تنبني على فضاء محدود تختزل داخله معاني واسعة ترتبط بالحرب والهشاشة والبحث عن النجاة، حيث يقف جدار مهدد بالسقوط في مركز المشهد فيتحول إلى علامة دالة على حياة معلقة بين الثبات والانهيار، بينما تحيط بالمكان آثار الدمار وما يتركه النزوح والموت من فراغ ثقيل، ويخترق هذا العالم صوت متكرر يزرع الاضطراب في النفوس ويصنع توتراً دائماً يجعل الشخصيات تعيش حالة من القلق والترقب، مانحاً العرض قوة خاصة لأن الاقتصاد في المكان يوجه الانتباه نحو الإنسان نفسه، نحو خوفه الداخلي وأسئلته حين يفقد الإحساس بالأمان، فيخرج المتلقي أمام مشهد مكثف يختزن أوجاعاً كبيرة داخل تفاصيل قليلة فتتسع الدلالة وتزداد قوة التأثير.
ويواجه أبطال العمل هذا الواقع القاسي بطرائق مختلفة تكشف تنوع الطبيعة البشرية أمام الخطر وتمنح النص غنى نفسياً وإنسانياً، حيث يتمسك أحدهم بالمواجهة ويرفض الانحناء فيختار الصمود بوصفه آخر أشكال الدفاع عن الكرامة وحق الإنسان في البقاء، بينما يلجأ الثاني إلى الخيال فيبني داخل ذهنه عالماً يخفف عنه وطأة الواقع ويمنحه فرصة مؤقتة للتنفس والاستمرار، وينسحب الثالث نحو الاختباء مدفوعاً بغريزة النجاة التي تدفع الإنسان إلى البحث عن أي ملاذ حين تضيق السبل، وتكشف هذه المسارات أن الخوف لا يصنع رد فعل واحداً وإنما يفتح أمام البشر اختيارات متباينة تحددها التجارب والطباع والقدرة على الاحتمال، ومن خلال هذا التنوع يمنح العرض صورة أقرب إلى حقيقة الإنسان في لحظات الانكسار الكبرى.
يحافظ النص على تماسكه عبر حضور الأمل باعتباره القوة الوحيدة القادرة على منع الشخصيات من السقوط الكامل في اليأس، فيظل هذا الشعور الهادئ مشتعلاً رغم الخراب المحيط بهم من كل جهة، ويتمسك الأبطال بخيط رفيع من الرجاء ويواصلون الانتظار كأنهم يدافعون عن حقهم في مستقبل أفضل ولو بدا بعيداً، ويتحول الأمل داخل العرض إلى مقاومة داخلية صامتة ترفض الاستسلام وتمنح الأرواح قدرة على مواصلة الطريق، مكتسبة بذلك بعداً إنسانياً واسعاً لأن كل إنسان عرف لحظة قلق أو فقد أو انتظار يستطيع أن يرى جزءاً من نفسه داخل هذه الشخصيات التي تصارع من أجل البقاء النفسي قبل البقاء الجسدي.
ويعتمد العرض لغة تجمع بين الدارجة المغربية والعربية الفصحى، مانحاً الحوار مرونة تسمح بالانتقال بين اليومي والشاعري وبين التعبير القريب من الناس والعبارة ذات الشحنة الفكرية والجمالية، ويساعد هذا الاختيار على تقريب الشخصيات من المتلقي ويجعل التفاعل مع الأحداث أكثر حرارة وصدقاً لأن اللغة تأتي من نبض الواقع ثم ترتقي نحو أفق رمزي أوسع، ويحافظ الإيقاع العام على تركيز واضح يمتد طوال خمسين دقيقة فتتتابع اللحظات الدرامية دون ترهل وتبقى الطاقة الشعورية متماسكة من البداية حتى النهاية، ويخدم هذا البناء الزمني طبيعة العمل القائم على التوتر النفسي والتكثيف التعبيري.
ويشارك في إنجاز المشروع فريق متكامل يبرز قيمة العمل الجماعي داخل الفن المسرحي ويؤكد أن نجاح العرض لا يرتبط بالممثلين فقط بل يقوم على انسجام كل العناصر التقنية والجمالية، حيث يؤدي الأدوار كل من أسامة زوهار ورفيق مرشد ومحمد الزيدي، بينما يتولى عبد القادر الوردي مهمة التأليف والإخراج جامعاً بين الرؤية الفكرية والتنفيذ الركحي، ويشرف سعيد الشعيبي على السينوغرافيا التي تمنح الفضاء بعده البصري، وينجز إلياس باها الفيديو مابينغ الذي يوسع إمكانات الصورة، ويصمم البلالي أنس الإضاءة بما تخدمه من توتر ومزاج بصري، ويضيف أسامة خلفي العزف الموسيقي، وتمنح سناء الشتوي الغناء بعداً وجدانياً يزيد من حرارة اللحظات المؤثرة، ويكتمل هذا الجهد عبر مساهمات التنظيم والإدارة والتوثيق التي تضمن خروج العمل في صورة متماسكة.
يؤكد عرض “دوي” أن المسرح المغربي ما زال قادراً على تقديم أعمال تطرح أسئلة كبرى حول الإنسان والمصير والقدرة على الاستمرار في وجه القسوة، ويبرهن كذلك أن المبادرات الشبابية تستطيع صناعة أثر ثقافي حقيقي حين تقترن الموهبة بالاجتهاد ويتحول الإيمان بالفن إلى ممارسة يومية قائمة على الانضباط والتعاون، مانحاً رسالة مضيئة مفادها أن الخشبة تظل مكاناً للحرية والتفكير وأن الفن حين يولد من الصدق يستطيع أن يصل إلى الناس ويترك أثراً يبقى بعد إسدال الستار.
MEO



