أخبار مسرحية

“ماذا لو” مسرحية مصرية تدور في “مكتبة منتصف الليل”

رواية البريطاني مات هيغ تخرج الجمهور من الكآبة إلى البهجة

ملخص

تطرح مسرحية “ماذا لو” التي قدمها فريق المعهد العالي للفنون المسرحية، على مسرح نهاد صليحة – القاهرة، عن رواية “مكتبة منتصف الليل” للكاتب البريطاني مات هيغ، سؤالاً مهماً عن الاختيارات في حياتنا، وماذا لو كنا سلكنا هذا الطريق بدلاً من ذاك.

أيهما أفضل، أن نبحث عن حياة أخرى، نحقق فيها كل ما تمنيناه ولم نستطع تحقيقه، أم نتعلم كيف نعيش حياتنا كما هي، و “نتعلم” هنا، ليست اعتباطية، أو هامشية، بل هي متن السؤال وجوهره، فهي تنفي فكرة التسليم بالأمر الواقع، وتستبدل بها فكرة السعي لتحسين شروط حياتنا قدر الاستطاعة، وكذلك فكرة الإيمان بأن لا شيء كاملاً في الحياة عموماً، وأن كل اختيار له ما له، وعليه ما عليه.

السؤال تطرحه مسرحية “ماذا لو” التي قدمها اتحاد طلاب المعهد العالي للفنون المسرحية (أكاديمية الفنون المصرية) على مسرح نهاد صليحة، إعداد وإخراج ماركو نبيل، عن رواية الكاتب البريطاني مات هيغ (1975-) “مكتبة منتصف الليل” ترجمة محمد الضبع.

ومات هيغ، الكاتب والصحافي البريطاني، واحد من الكتاب المعروفين عالمياً، والذين تحقق أعمالهم مبيعات كبيرة، ترجمت أعماله إلى نحو أربعين لغة، وتم توزيعها بالملايين، جرب الاكتئاب في الرابعة والعشرين من عمره، وله كتاب مهم عنوانه “أسباب للبقاء حياً” يتناول فيه هذه التجربة.

تجربة خيالية

موضوع الاكتئاب، هو نفسه ما تناولته المسرحية المقتبسة عن روايته “مكتبة منتصف الليل” من خلال تجربة خيالية لـ نورا (أمنية حسن) الفنانة وعازفة البيانو، التي ترتبط بشخص يخونها مع أخريات، وتتحول حياتها معه إلى جحيم، فضلاً عن بعض الإحباطات والمشكلات الأخرى في حياتها وعملها. تصاب بالاكتئاب وتحاول الانتحار بالسم، لكنها لا تموت، وتدخل في تجربة “ما بين بين” ما بين الحياة والموت، بين ما كان، وما يمكن أن يكون.

جارها العجوز (محمد غزاوي) الذي كانت تستضيفه في بيتها وتلاعبه الشطرنج لتؤنس وحدته، يتجسد لها في هذا العالم البرزخي، في صورة “رائد ثقة” يحمل كتاباً لكل حكاية أو اختيار، شخص يبدو خفيف الظل والعقل، لكنه يخفي وراء ذلك عمق وحكمة من عركته السنون والتجارب، يأخذها إلى عوالم كانت تريد أن تحياها، أو رفضت أن تحياها، حتى تطرح سؤالها “ماذا لو” ماذا لو كنت فعلت ذلك، أو لم أفعله، سواء من خلال صديقتها التي تقيم في أستراليا ورغبت في القيام برحلة معها إلى إيطاليا، أو من خلال شقيقها الذي اصطحبته في رحلة إلى مسارح برودواي، أو زواجها من ذلك الشاب الذي كان يحبها ورفضت الارتباط به، إذ لم يعجبها شكله، وفضلت عليه ذلك الشاب المتأنق الجذاب، وذلك كله لتجرب الاختيارات كافة، وبين الواقع الذي عاشته، والندم على ما لم تعشه، يأتي السؤال، ​هل يمكن لحياة واحدة أن تحتوي كل الاحتمالات، أم أننا نعيش دائماً نسخة ناقصة من أنفسنا؟

تحسين الشروط

تكتشف نورا في النهاية، أن لكل اختيار، سلبياته وإيجابياته، وأن تغيير الحياة برمتها ليس ممكناً، ومن الأفضل السعي لتحسين شروط هذه الحياة، وأن هناك في الحياة، على رغم مشكلاتها، ما يستحق العيش، لتفيق من موتها مرددة بابتسامة ذات مغزى “أنا ما زلت على قيد الحياة”.

نعم، ليس كل ما يتمناه المرء يدركه، لا حياة كاملة على الأرض، هناك دائماً فجوات علينا أن نسعى لسدها، ونواقص علينا أن نحاول إكمالها، وعلى رغم ذلك فما إن يكتمل جانب لدينا، حتى نشعر بنقص في جانب آخر، وهكذا هي طبيعة الحياة، وهو ما يؤكد عليه العرض.

استبعد المخرج الكثير من تفاصيل الرواية الأصلية، وهو أمر طبيعي في مسرحة الرواية، ما دام احتفظ بالجوهر والسؤال الرئيس.

أول ما يلفت النظر في العرض هو الديكور (تصميم سعد الدين علي)

منظر واحد ثابت، في عمق المسرح مكتبة ضخمة، تتوسطها شجرة عتيقة ممتدة الفروع، في مقدمتها ساعة متوقفة عن الدوران، ولا تتحرك إلا في نهاية العرض، وعن يسار المشاهد بيانو تعزف عليه البطلة لحناً حزيناً في بداية العرض، مع استخدام بعض الموتيفات البسيطة عند الانتقال من مشهد لآخر.

ديكور يمزج بين التعبيري والواقعي، يمثل مفتاحاً لقراءة العرض والتعاطي معه، يمكن تفسيره باعتبار المكتبة، بما تضمه من كتب، هي تجارب الآخرين التي لم نعشها، وهو ما توحي به الرواية بشكل أو بآخر، بينما تمثل الشجرة بفروعها فكرة التعدد، وتوقف عقارب الساعة ربما يشير إلى توقف حياة البطلة عند دخولها مرحلة ما بين بين، أما تحركها فيشير إلى عودتها إلى الحياة مرة أخرى، بعد رحلتها، التي اكتشفت فيها الحيوات التي رغبت في أن تعيشها. كذلك لعبت الإضاءة (تصميم محمود الحسيني) دوراً مهماً في إثراء الصورة، وتجسيد اللحظات الدرامية الحدية التي مرت بها البطلة، بخاصة أن المصمم هنا واحد من المخرجين المسرحيين الجدد أصحاب التجارب اللافتة، أي أن عين المخرج كانت حاضرة.

أهمية المسرحة

الرحلة التي تجولت فيها نورا في عوالم مختلفة، منحت العرض ثراء على مستوى الصورة، وربما هنا يأتي مبرر مسرحة الرواية، فالرسالة تصل، لا عبر الكلمة وحدها، بل عبر عناصر أخرى كثيرة، تتعلق بالحركة والإيماءة والاستعراض والموسيقى، والأزياء والديكور والإضاءة، وغيرها من العناصر، التي تكون بمثابة أجنحة تحمل المغزى، فنقل الرواية إلى المسرح يتطلب قدراً من الخيال، وقدرة على تحويل الكلمة إلى صورة، أو صورة وكلمة معاً، يعين كل منهما الآخر على بلوغ غاية العرض.

تحويل هذه الرواية إلى مسرحية جاء موفقاً، إذ استطاع المخرج تجسيد السرد مستبدلاً به واقعاً مرئياً ومسموعاً، الأمر الذي أدى إلى قدر عال من الحيوية والجذب، ليخلق مبرره من المسرحة، لا ليكون بديلاً للرواية، بل ليكون معيناً على فهمها وتلقيها وقد انتقلت إلى وسيط آخر، ربما يمتلك أدوات أكثر جذباً للجمهور، وأكثر قدرة على لفت نظره، علماً بأن الرواية نفسها يتم إعدادها حالياً كفيلم سينمائي، ما يشير إلى ثرائها وجاذبيتها.

صحيح أن المخرج أفرط كثيراً في المشاهد الكوميدية ولم يتحل بفضيلة التكثيف، ولم يتبع قاعدة كل ما يمكن الاستغناء عنه في المسرح، يجب الاستغناء عنه، وكان باستطاعته اختزال بعض المشاهد، لكن عذره هنا يعود إلى سببين، في ظني، الأول أن الموضوع قاتم أساساً وكئيب، وهو ما دفعه للجوء إلى الكوميديا، أما الآخر فيتعلق بفكرة المساحات التي يجب أن يمنحها لممثليه، وهو أمر طبيعي في عروض الشباب عموماً.

على أن ما يحسب للمخرج هنا هو قراءته الواعية للرواية، وقدرته على تحويلها إلى صورة مسرحية نابضة بالحركة والحياة، واختياره لمجموعة من الممثلين الموهوبين، أبرزهم أمنية حسن (نورا) ومحمد غزاوي (الجار العجوز) وكذلك ريم السحرتي، سعد سمير، أبانوب بحر، صلاح عبد العزيز، بارثينا صموئيل.

“ماذا لو” واحد من العروض المصنوعة بتوقيع الشباب، والموجهة أكثر إلى فئة الشباب، بخاصة في ظل إحباط كثيف يضغط عليهم ويجعل بعضهم زاهداً في العيش، عرض فيه، من المتعة والتسلية والتفكير والأسئلة، الكثير، ليس على طريقة “التنمية البشرية” ولكن على طريقة اللعب المسرحي، وهو هنا لعب يعرف هدفه، ولا يسوءه تصويبة خارج المرمى، هنا أو هناك.

يسري حسان – إندبندنت عربية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: المحتوى محمي !!