المسرح.. محرِّك سياحي واقتصادي مهمل!

نماذج عديدة، في دول مختلفة بالعالم، تحوَّل فيها المسرح من ترف ترفيهي وثقافي، الى صناعة اقتصادية، حيث اصبح جزءاً من حركة السياحة والاقتصاد وجذب رواد المسرح من الخارج، ليصبح عامل تنشيط لقطاعات اقتصادية مختلفة.
فعلى سبيل المثال لا الحصر، تحولت العروض المسرحية في لندن ونيويورك الى معالم سياحية بحد ذاتها، بل ان بعض السياح يزورون هذه المدن لحضور هذه العروض، فتتحرك معها الفنادق والمطاعم والمقاهي والاسواق والنقل. والسؤال هنا: لماذا لا يكون للمسرح الكويتي هذا الدور أيضا؟
فالكويت ليست دولة غريبة عن المسرح، بل على العكس تماما، نحن من اوائل الدول الخليجية التي صنعت حركة مسرحية حقيقية ومؤثرة، وقدمنا اسماء وتجارب لا تزال راسخة في الذاكرة الخليجية والعربية.
ولعقود طويلة، كانت الكويت تعرف بأنها مركز الفن والثقافة في المنطقة، والمسرح تحديدا كان احد ادوات قوتها الناعمة، بينما اليوم ورغم التحول العالمي والخليجي تحديدا نحو اقتصاد الترفيه ما زلنا بعيدين عن استثمار الفرصة الحقيقية لإعادة تقديم المسرح كقطاع اقتصادي، لا مجرد نشاط موسمي مرتبط بالاعياد.
ويجب ان نعي تماما ان السائح الخليجي اليوم لم يعد يبحث فقط عن التسوق والمطاعم، بل يبحث عن تجربة، وذكريات وقصص يعيشها ويحكي عنها، وهنا يأتي دور المسرح.
وليس سرا ان الخليجيين يستمتعون بعروضنا المسرحية، حيث ان الكثير من الفرق المسرحية تسافر لإجراء عروضها في دول خليجية مختلفة، فلماذا لا نجعل السائح الخليجي هو الذي يأتي للكويت لحضور هذه العروض، متى ما كانت الارضية مهيئة؟ ولنا تجارب في الحضور الخليجي لحفلات المطربين المختلفة، اذاً فالفكرة قابلة للتطبيق.
فعلى سبيل المثال، لو كان لدينا مواسم مسرحية كويتية مستمرة طوال العام، بعروض قوية وانتاج حديث وتسويق احترافي، فإلى جانب الايجابيات التي توفر محليا للمواطن والمقيم بإيجاد سبل ترفيه وعروض ثقافية وفنية، كم يمكن ان نجذب من الزوار الخليجيين؟ وكم يمكن ان تنتعش قطاعات كاملة مرتبطة بها؟ فالمسرحية الناجحة لا تبيع تذاكر فقط، بل تحرك الفنادق والمطاعم والمجمعات وشركات النقل وحتى المحتوى الرقمي على مواقع التواصل عن الكويت وريادتها الثقافية.
والاجمل في هذا الملف تحديدا ان الارضية خصبة للغاية، لتحويل المسرح الكويتي الى قوة اقتصادية سياحية، فالشباب الكويتي اليوم يملكون طاقات ابداعية واضحة بالمسرح، سواء على مستوى التمثيل او الكتابة والاخراج، ومن يتابعهم يلاحظ وجود افكار حديثة، وجرأة فنية، ومحاولات حقيقية لصناعة تجربة مختلفة تناسب الجيل الجديد.
الا ان ما ينقص هؤلاء الشباب الدعم الحقيقي من القطاعات الرسمية المعنية، وتذليل العقبات امام هذه الطاقات الشابة، فالعديد منهم يشتكون من صعوبة الاجراءات، او محدودية المسارح المجهزة، اضافة إلى الرقابة المتشددة أحيانا. هذا، فضلا عن غياب الاستثمار الحقيقي من القطاعين العام والخاص، وكأن المسرح ما زال يعامل كقطاع هامشي، رغم انه صناعة ابداعية يمكن ان تكون مدرة اقتصاديا.
والرهان الحقيقي اليوم ليس فقط على انتاج مسرحية ناجحة، بل على بناء اقتصاد مسرحي متكامل بكل عوامله من مواسم، مهرجانات، شراكات مع القطاع الخاص، استقطاب سياحي، مسارح حديثة، وتسهيلات تمنح الشباب القدرة على الابتكار، فالفن متى ما تمت ادارته بعقلية اقتصادية، يتحول من نشاط محدود إلى قطاع يخلق وظائف، ويحرك الانفاق، ويصنع صورة ذهنية ايجابية للدولة.
والكويت تملك التاريخ وريادة الماضي، كما انها تملك موهبة الحاضر والمستقبل، وتملك الجمهور الخليجي، بل وحتى الجمهور العربي المحب لفنها، وما ينقصها اليوم هو قرار جدي يعيد للمسرح مكانته، ليس فقط كواجهة ثقافية، بل كاستثمار اقتصادي.
أسرار جوهر حيات – القبس



