دراما وفنون

“ورد على فل وياسمين”… اختبار طبقي للمجتمع المصري عاطفيا

جاء الحب بوصفه معركة مستمرة مع المجتمع والتقاليد والمرض والفوارق الطبقية والتعليم والسن، ومع الذات نفسها

ملخص

بين آمال الحالمين وواقعية العقلانيين انقسمت الآراء واشتعل الخلاف منذ بداية المسلسل وحتى نهايته، لكن صُنَّاعه يبدو أنهم كانوا من أنصار المدرسة الواقعية التي لا تنتمي إلى مبدأ أن الحب ينتصر دائماً. وانتهى العمل بطريقة لم تجعل الرومانسية مخرجاً سهلاً من قسوة الواقع، بل على العكس قُدم الحب بوصفه معركة مستمرة مع المجتمع والتقاليد والمرض والفوارق الطبقية والتعليم والسن ومع الذات نفسها.

لم يكن المسلسل المصري “ورد على فل وياسمين” مجرد حكاية رومانسية عابرة وسط كثير من الحكايات ذات الإيقاع اللاهث، بل بدا كأنه محاولة واعية لإعادة الاعتبار لدراما الحب، ليس بوصفها قصص عشق وعبارات غرام، بل مساحة للصراع الاجتماعي والطبقي والنفسي، وطرح عدة أسئلة أشعلت الصراع الداخلي في وجدان مشاهديه، فماذا يحدث حين يقع الحب بين عالمين لا يفترض أن يلتقيا؟ وهل يمكن للعاطفة أن تنتصر على الطبقة والعمر والتعليم، والماضي؟

لم يكن متوقعاً أن يثير مسلسل يُعرض خارج المواسم الكبرى كل هذا القدر من الاهتمام والمشاعر والتوحد، فأسماء أبطال العمل ليست الألمع أو الأكثر أجراً في عالم الدراما، صبا مبارك الممثلة المخضرمة الموهوبة هوجمت قبل المشاهدة، لأنها أكبر من البطل الشاب أحمد عبدالوهاب الذي يجسد البطولة المطلقة للمرة الأولى في حياته الفنية على رغم لعبه كثيراً من الأدوار الثانية المهمة.

وقيل إن الكلف الإنتاجية قد تكون صاحبة القرار في كون العمل لا يحمل أسماء كبار النجوم أو يجري تصويره في مواقع تصوير ضخمة وديكورات مكلفة، حتى كانت المفاجأة، وهي أن العمل ينفرد بكثير من السمات الخاصة والفريدة في زمن الدراما الصاخب الذي قد لا نخرج من مشاهدة عشرات من أعماله بأي دقائق مؤثرة، أو تبقى في الذاكرة منه أي مشاعر أو جملة حوارية، إذ صار الحب في معظم تلك الأعمال مجرد خط جانبي أو ترف درامي مؤجل، داخل حكايات أكبر عن السلطة والانتقام والجريمة.

طرح قضايا وفتح ملفات

حمل مسلسل “ورد على فل وياسمين” على عاتقه طرح كثير من القضايا في إطار ناعم وبسيط، إذ لا يتشدق بعبارات رنانة ولا حوارات خطابية وحالات مأسوية من الواقع، على رغم أنه بالأساس أعاد قصص الحب إلى الواجهة، وناقش قضايا الفوارق الطبقية وتدهور التعليم وأزمات الطلاق والخيانة الزوجية وفتح الملف الطبي ومشكلاته ومعاناة الطبقات الكادحة.

مسلسل “ورد على فل وياسمين” الذي كتبه عمرو سمير عاطف ووائل حمدي وأخرجه محمود عبدالتواب، وشارك في بطولته إلى جانب صبا مبارك وأحمد عبدالوهاب نخبة من الممثلين الموهوبين مثل وليد فواز وفدوى عابد وسلوى محمد علي وميمي جمال، اختار أن يقدم حكايته عبر 15 حلقة فقط ليكون واحداً من أكثر الأعمال الرومانسية إثارة للنقاش في الأعوام الأخيرة.

وعلى رغم أن الحكاية تبدو بسيطة في ظاهرها، فهي مجرد قصة حب تواجه تعثرات مثل ملايين القصص، وقد تشعر أنك شاهدت هذه القصة وسمعت عنها عشرات المرات، فإن العمل يضعك في عالم جديد من التفاصيل والأحاسيس الصادقة والشخصيات الحقيقية والمشاعر الإنسانية، والغضب والسعادة والبكاء والضحك، لدرجة تجد نفسك متورطاً في أحداثه ومشكلات أبطاله، وعنصراً أساساً في صراعاته بأحكامك القاسية أو تعاطفك المفرط وتوحدك العميق مع كل لحظة. وهنا تكمن قوة النص الذي لم يستحدث قصة من العدم، ولم يضع المشاهد في فانتازيا الحكايات الأسطورية والتصوير المبهر والملابس اللافتة، بل كان البطل هو الحدث الإنساني والمشاعر الطبيعية والأشخاص البسطاء الذين يُدخلونك إلى عالمهم ويُورطونك معهم دون أن تشعر، فتجد نفسك مستمتعاً على رغم المعاناة.

طارق طبيب شاب، ينتمي إلى عائلة مستقرة مادياً واجتماعياً، يعيش حياة منظمة وواضحة المعالم، إذ كل شيء محسوب، من ناحية الدراسة والمستقبل والشريك المناسب والدوائر الاجتماعية المغلقة. يجمع القدر بين طارق وإلهام، الامرأة المطلقة التي تعمل كوافيرة وأم لطفل وتعيش في الجبل الأصفر، وهي إحدى أكثر المناطق الشعبية الفقيرة التي يعاني سكانها العوز والتهميش.

انتماء طارق إلى منطقة متوسطة تعيش بها طبقات ميسورة الحال، وحياة إلهام في مكان شعبي تحت خط الفقر لم يكن أمراً هامشياً، بل كان مواجهة مباشرة بين عالمين، أحدهما يملك الامتيازات دون أن يشعر بها، والثاني يعيش الحياة يوماً بيوم كأنه ينتصر في معركة يومية على المصاعب والعقبات والمعاناة في كل شيء.

لمست الأحداث الجميع بصدق وعبقرية، لأن النص لم يجعل الفارق الطبقي مجرد خلفية للحكاية، بل جعله محركها الأساس.

على رغم أن العمل يبدو في ظاهره قصة حب رومانسية، لكنه استرسل بنعومة ودقة في وصف تفاصيل الدقائق اليومية للناس داخل المناطق الفقيرة، وتجول بصورة يومية عبر كل الحلقات في تفاصيل الفقراء، ولم يكن الجبل الأصفر حيث تسكن البطلة الفقيرة مجرد موقع تصوير، بل جزءاً أصيلاً من بناء شخصية إلهام وعالمها والشخصيات المؤثرة في الأحداث، وهنا جرى تفعيل تأثير المكان، وكأنه يصنع الإنسان وشخصيته. فالشوارع الضيقة والبيوت الفقيرة والمعاناة المرهقة والإيقاع القاسي في الفقر المدقع والصراع على لقمة العيش لكل يوم، كلها عناصر مهدت المشاهد ليعي أن إلهام ليست فقط امرأة فقيرة، بل امرأة صنعت المعاناة شخصيتها الحنونة القوية، والرافضة للأمل ومشاعر الحب، إذ تعدها رفاهية لا مكان لها وسط قسوة حياتها.

اختلاف الأحلام

وكما لكل طبقة تفاصيلها، سرَّب العمل ببساطة فوارق الأحلام بين الشرائح الاجتماعية، فطموحات إلهام كانت شديدة البساطة وهي أن توفر دواء والدتها ولقمة عيشها وتلحق ابنها بمدرسة أفضل، بينما أحلام طارق كانت السفر والنجاح والرفاهية، وهنا نجد الفارق الهائل بين من وُلد من رحم المعاناة والذي يعيش داخل الامتيازات دون أن يفكر فيها.

يزداد صراع الحب عندما يكتشف طارق أن إلهام إلى جانب كونها فقيرة ومحدودة التعليم وغير مناسبة له اجتماعياً وعمرياً تعاني مرضاً خطراً، وتحتاج إلى معجزة حتى تعيش. تتعقد الأمور وتلعب الفوارق الطبقية والعمرية دور البطولة في تشكيل حال الرفض داخل العمل من أسرة طارق المتحفظة، ومن شريحة كبيرة من الجمهور الذي ينتمي إلى المدرسة الواقعية، التي تحتم التكافؤ بين الزوجين لضمان النجاح.

وفي المقابل كانت فئات الجمهور من عشاق الرومانسية ومؤيدي الحب الصعب داعمين لفكرة انتصار حب طارق وإلهام على رغم فارق السن والتعليم والمستوى الاجتماعي، فالحب في رأيهم أعظم قوى وجودية قاهرة لكل المستحيلات.

هنا طرح المسلسل واحدة من أكثر القضايا حساسية، وهي هل يمكن للرجل أن يتحرر فعلياً من طبقته حين يحب؟ وفي الأحداث حاول طارق كثيراً التغلب على كل المعوقات، لكنه في النهاية ظل أسيراً لمفاهيم طبقية مترسخة في عقله من دون وعي.

وعلى رغم إنسانية طارق ومحاولاته، فإن الأحداث الأخيرة كشفت عن أن الإنسان قد يكون غير حر بالكامل مهما حاول التحرر أو الانطلاق لعوالم مخالفة.

طرح العمل واحدة من القضايا المهمة، وهي فكرة المرأة المطلقة في المجتمع المصري والنظرة المتدنية لحقها في البدء من جديد والزواج والحب، إذ تجد نفسها مطالبة بالدفاع عن نفسها وكأنها كائن منقوص، بينما الرجل المطلق يبدأ حياته بسهولة أكبر.

وربما لم يشرح المسلسل هذه النقطة بصورة مباشرة في مشاهد مكثفة وحوارات متكررة، لكنه ترك الأثر يظهر في نظرات الناس وطريقة تعاملهم مع إلهام، وتردد طارق نفسه، وهذا ما جعله أكثر عمقاً وتأثيراً وقرباً من الحقيقة.

ابتعد المسلسل من التناول التقليدي للمرض واستخدامه كوسيلة لجذب التعاطف، فعلى رغم أن إلهام بطلة العمل كانت مصابة بالسرطان وفي مرحلة حرجة فإن المرض هنا لم يكن حيلة ميلودرامية لاستدرار الدموع، بل حدثاً وقع، وتعرفنا عليه بعدما التقينا إلهام وأحببناها وتعاطفنا مع قصة الحب والظروف والفوارق، ولهذا لم يكن التعاطف مع الشخصية في العمل بدافع المرض، بل بسبب الاندماج والتوحد مع الشخصية وظروفها بوجه عام.

وفي الحلقات الأخيرة تحولت اللوكيميا إلى الاختبار الأخير للحب، وكان السؤال المسيطر على جميع المشاهدين هو هل يمكن للحب أن يواجه الموت؟ وهل الأمل قد ينقذ تلك المرأة البائسة المحكوم عليها بالفناء؟ وربما طَرح هذه الأسئلة صنع أكثر مراحل المسلسل قسوة.

انفجار النهاية

نهاية العمل، على رغم توقع بعض المشاهدين لها، كانت محطمة لأحلام الرومانسيين الحالمين ومخيبة لآمال المتعلقين بالآمال والعشق، إذ ماتت إلهام لتفجر الجدل والغضب والحزن بسبب استمرار طارق في حياته بعد رحيلها، وسفره للمنحة الدراسية، وزواجه من زميلته التي تشبهه في الحال التعليمية والاجتماعية، ولم تلمح الأحداث بالحلقة الأخيرة لوجود أي ذكرى لإلهام داخل طارق وكأنها كانت مجرد نزوة أو تعلق موقت ذهب برحيلها ودون أثر، مما جعل كثيراً من المشاهدين يشعرون أن هذه النهاية خذلتهم، وكأن الحب الذي صدقوه طوال الحلقات كان مجرد فقاعة أو مشاعر عارضة.

وعلى جانب آخر رأى بعض المتابعين أن النهاية الصادمة هي أكثر الأجزاء صدقاً في العمل، لأن الحياة لا تتوقف والحب لا يجمد الزمن، وهذه هي الرسالة الأقسى التي أراد المسلسل إيصالها والتي تتماهى مع واقعية الحياة.

وبين آمال الحالمين وواقعية العقلانيين انقسمت الآراء واشتعل الخلاف منذ بداية المسلسل وحتى نهايته، لكن صُنَّاعه يبدو أنهم كانوا من أنصار المدرسة الواقعية التي لا تنتمي إلى مبدأ أن الحب ينتصر دائماً. وانتهى العمل بطريقة لم تجعل الرومانسية مخرجاً سهلاً من قسوة الواقع، بل على العكس قُدم الحب بوصفه معركة مستمرة مع المجتمع والتقاليد والمرض والفوارق الطبقية والتعليم والسن ومع الذات نفسها، وهذا الصراع قد يكون سر حال التماس التي أحدثت نجاح العمل، لأنه يشبه الحياة، ويقترب من قصص كثيرة في الواقع نعرفها ولم نرَها على الشاشة، وعلى رغم أنها تؤلمنا وتخذلنا لكنها جزء من واقع حزين نادراً ما تنتصر فيه السعادة والمشاعر على القسوة والظروف القاتمة. ولهذا السبب تحديداً خرج القطاع الأكبر من جمهور المسلسل حزيناً، ليس فقط لأن إلهام ماتت، لكن لأنهم -ولو للحظة- صدقوا أن الحب يمكن أن يهزم أي شيء ثم اكتشفوا كما يحدث كثيراً في الواقع أن الحب وحده لا يكفي دائماً.

كان السيناريو والتفاصيل والحكاية الناعمة والقضايا غير المباشرة البطل الأساس لمسلسل “ورد على فل وياسمين”، لكن كل ذلك لم يكن من الممكن تنفيذه من دون أداء تمثيلي عميق وحقيقي من الممثلين الذين جسدوا الأدوار الأساس وحتى الثانوية.

اختيار صبا مبارك للبطولة على رغم أنها غير مصرية وقد تكون بعيدة من الفئة الشعبية الصعبة في الأداء كان مغامرة كبيرة، اجتازتها بتفوق غير متوقع، وكان نجاحها في أداء شخصية إلهام نقطة تحول في حياتها الفنية بعدما اقتربت من شخصية شعبية عنيدة ومن كيان درامي معقد يُجسد شخصية المرأة المطلقة المريضة العاشقة، وهي مركبات شديدة الصعوبة في التجسيد، لكن موهبة صبا وخبرتها ودراستها للتفاصيل مكنتها من لعب الشخصية ببراعة وهدوء بعيداً من المبالغة في الأداء الدرامي أو الضغط على المشاعر، وأبرز ما ميز صبا أنها كانت واعية جداً فبعدت من التنميط المعتاد للمرأة الشعبية، ولم تلجأ إلى الصوت العالي أو الانفعالات الزائدة، بل اعتمدت على الصمت والنظرات والانكسارات الصغيرة.

على الجانب الآخر، قدم أحمد عبدالوهاب في دور طارق أداء قوياً وغير تقليدي، مزج فيه بين المشاعر والدراما والكوميديا والصراع بطريقة بسيطة لا تنزلق للانفعالات المعتادة والنظرات المحفوظة، وكان عبدالوهاب محترفاً في تقديم شخصية ذلك الطبيب المرتبك، والممزق بين قلبه وتربيته، والذي أحب بصدق ويعلم أن هذا الحب سيضعه في مواجهة مباشرة مع عالمه كله.

ولا يمكن إنكار أن الإخراج هو المحرك الأساس لأي إتقان مهما كان السيناريو والممثلين في أعلى حالاتهم، وقد تميز المخرج الشاب محمود عبدالتواب في هذا العمل، وأحكم قبضته على كل التفاصيل الكبيرة والصغيرة من ملابس وديكورات وتصوير ومشاعر وملابس وأداء ممثلين، فقدم لوحة فنية متكاملة كل جزء فيها له دور ومعنى وحضور وتأثير، وهي براعة تُحسب لمخرج شاب في بداية طريقة، لكنه يعرف من أين تؤكل الكتف وكيف يصنع للجمهور عملاً بسيطاً عميقاً وحقيقياً بعيداً من وهم الأسماء الرنانة والنجوم اللامعة والحكايات الأسطورية المبهرة، ليثبت أن الجمهور يحب الصدق والبساطة والاقتراب من القلب، وتلك هي المعادلة التي يعجز عن تحقيقها غالبية صناع الدراما.

نجلاء أبو النجا – إندبندنت عربية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: المحتوى محمي !!