النقد عندما يستكشف أساليب الإقناع في السرد العربي
محمد مشبال يتناول الخبر والرواية والسيرة الذاتية بعين البلاغة الجديدة وبمرجعية فرنكوفونية

ملخص
يطرح الناقد المغربي محمد مشبال في كتابه “في بلاغة النص السردي” تصوراً لتوظيف البلاغة الجديدة في تحليل النصوص السردية، ويطبقه على نماذج متنوعة تشمل الأخبار الأدبية التراثية والسيرة الذاتية والرواية الحديثة، بهدف الكشف عن آليات التأثير وإستراتيجيات بناء الخطاب في هذه الأجناس السردية.
يسعى الناقد المغربي محمد مشبال ضمن كتابه “في بلاغة النص السردي: الخبر، السيرة الذاتية، الرواية” (دار صفصافة)، إلى استثمار منجزات البلاغة الجديدة في مقاربة النصوص السردية قديمها وحديثها، ويتجاوز التصور التقليدي للبلاغة الذي انشغل أساساً بجماليات اللغة الاستعارية، والمحسنات الأسلوبية على مستوى الجمل والعبارات.
يرفض مشبال حصر البلاغة في إرثها الأسلوبي القديم، ويرى أنها معرفة متجددة ودائمة التشكل، لم تكن يوماً علماً مغلقاً أو محدد المعالم بصورة نهائية، ومن ثم يدعو إلى الإفادة من التطورات التي شهدتها الدراسات البلاغية الحديثة على أيدي منظريها المعاصرين، بما يسهم في إثراء واحدة من أعرق المعارف الإنسانية، المرتبطة بصناعة الخطاب وآليات تأثيره في المتلقي.
يقع الكتاب في 362 صفحة، وينقسم إلى قسمين، نظري وتطبيقي، فينشغل الأول بتأصيل مفهوم بلاغة النص السردي وتحديد مرتكزاتها النظرية، وينصرف القسم الثاني إلى تطبيق مفاهيم البلاغة الجديدة على ثلاثة أجناس سردية: الخبر والسيرة الذاتية والرواية.
في الفصل الأول المعنون بـ “بلاغة النص السردي”، يحدد مشبال المقصود بالبلاغة التي يسعى إلى استثمارها في تحليل النصوص السردية، وهي “بلاغة التأثير”، أي درس الإستراتيجيات التي يقوم عليها البناء السردي، من أجل إحداث أثر في المتلقي واستثارة تفكيره وعواطفه، وهو ينأى بذلك عن التصور البلاغي التقليدي القديم، ذلك الذي لم يكن يولي اهتماماً بالبنية النصية الشاملة، وآليات اشتغالها.
بلاغة الإقناع
البلاغة، وفق هذا التصور، هي ذات وجهين متكاملين، أولهما بلاغة الإقناع التي تستهدف إحداث أثر عملي مباشر، يدفع المخاطَب إلى تبني موقف أو القيام بفعل معين، وثانيهما بلاغة التأثير الجمالي أو الوجداني، التي تحدث في المتلقي مشاعر وأفكاراً، مثل الإعجاب أو الفرح أو الخوف أو الدهشة.
يرى مشبال أن البلاغة الإقناعية التي تهدف إلى التأثير في المتلقي لا تقتصر على الخطابات الإقناعية المباشرة، مثل المرافعات والخطب السياسية والدينية والوصايا والمناظرات، بل تمتد إلى الخطابات السردية ذات الأثر الجمالي، مثل الأخبار والقصص والنوادر والروايات، التي تستهدف إثارة الإعجاب والمتعة والدهشة لدى القارئ.
يتقاطع مشروع مشبال في درس التأثير البلاغي مع المنجز التداولي الـ “أنغلوسكسوني”، الذي كان من أوائل الحقول المعرفية التي أولت عناية خاصة لعلاقة اللغة بالفعل والتأثير، وتعد نظرية “أفعال الكلام”، التي صاغها جون أوستن وطورها من بعده جون سيرل، من أبرز النظريات التي أرست هذا التصور، فهي تنظر إلى اللغة بوصفها فعلاً ينجز أشياء في العالم، وليس مجرد أداة لوصف الواقع أو نقله، فالقول، وفق هذا المنظور، لا يتوقف على إنتاج المعنى، هادفاً إلى التأثير في المتلقي وتوجيه سلوكه ومواقفه.
ميّز أوستن بين مستويات ثلاثة لفعل الكلام: فعل القول، وفعل الإنجاز بالقول، وفعل التأثير بالقول، وهو المستوى الأخير الذي يقترب بصورة لافتة من مفهوم التأثير الذي تقوم عليه البلاغة الجديدة، كما يعرضها مشبال، المتعلق بالأثر النفسي أو الفكري أو السلوكي الذي تتركه الأقوال في المخاطبين، وما تهدف إلى إقناع المتلقين به.
لا يمنح مشبال هذا المنجز التداولي الـ “أنغلوسكسوني” حضوراً في أطروحته النظرية، ويرتكن بصورة أساس إلى المرجعية البلاغية الفرنسية، ولا سيما الاتجاهات الحجاجية التي تميزت بها هذه المدرسة، ويظهر هذا الميل من طبيعة المراجع الأجنبية التي اعتمد عليها، فمعظمها فرنسية، في مقابل قلة المراجع الـ “أنغلوسكسونية”.
ومن النقاط المهمة التي يلفت إليها مشبال في كتابه، تمييزه بين التأثير البلاغي في الخطابات الإقناعية المباشرة، وبين التأثير البلاغي في الخطابات الأدبية، ويؤكد ضرورة مراعاة الخصوصية التخييلية التي تميز النص السردي، فالتأثير في الأدب لا يتحقق بالطريقة نفسها التي يتحقق بها في الخطابات السياسية أو الدينية أو القانونية، ولكنه يتوسل آليات فنية وجمالية أكثر تعقيداً، تستهدف تشكيل رؤية القارئ وإثارة مشاعره وأفكاره، عبر العالم المتخيل الذي يبنيه النص.
يؤكد مشبال أن تطبيق المفاهيم البلاغية على النصوص الأدبية لا يمكن أن يجري بصورة آلية، فهو يقتضي تداخلاً بين التحليل البلاغي والمقاربة النقدية، إذ يكتسي المحلل البلاغي هوية الناقد الأدبي، القادر على استيعاب فرادة النص وخصوصيته، وإضافته إلى النوع الذي ينتمي إليه، ويحذر من الاكتفاء بتطبيق الأدوات البلاغية تطبيقاً تجريدياً، “لأن أي تحليل بلاغي للنص السردي، يظل عقيماً وغير مثمر وغير ملائم، ما لم يتضافر مع مقاربات أخرى تقوي جهازه الاصطلاحي والمفاهيمي، وتمده بالأدوات الإجرائية التي يحتاج إليها”.
هذه الملاحظة شديدة الأهمية، فكثير من الدراسات من هذا النوع تواجه إشكالاً منهجياً يتعلق باهتمامها بتتبع آليات التأثير والحِجاج الهادفة إلى إقناع المتلقي، من دون أن تقترن برؤية نقدية تكشف ما تضيفه هذه الآليات إلى فهم النص وإنتاج دلالاته، ولذلك أشار مشبال إلى ضرورة امتلاك المحلل البلاغي معرفة واسعة بالمدارس والنظريات النقدية، لتفادي هذا القصور، وهو يرجع ذلك إلى أن التركيز على تحليل آليات الإقناع في النص، وإستراتيجيات التأثير في المتلقي فقط، يوقعان هذه الدراسات في فخ المباشرة والشرح والتفسير، من دون أن يقدم جديداً للمتلقي.
يخلص مشبال في نهاية الفصل الأول إلى أن مهمة المقاربة البلاغية للنص السردي تتمثل أساساً في درس التأثير الذي يحدثه النص في القارئ، سواء أكان تأثيراً فكرياً أم أخلاقياً أم عاطفياً أم جمالياً، ومن ثم فإن بلاغة السرد في تصوره لا تستقيم إلا بالانشغال بطرائق التأثير التي يقوم عليها النص، وهي طرائق تختلف باختلاف الأجناس والأنواع السردية والخصائص التي تميز كل منها. وانطلاقاً من هذا، يميز مشبال بين نمطين من السرد، أولهما السرد ذو المنزع التداولي أو الخطابي، الذي تمثله أجناس مثل الخبر والسيرة الذاتية وبعض أشكال الرواية الواقعية، فيعتمد التأثير في وسائل حِجاجية وإقناعية صريحة، مستعارة من أجهزة التواصل الخطابية.
أما النمط الثاني فيتمثل في السرد ذي المنزع التخييلي الجمالي، إذ يتحقق التأثير عبر تقنيات فنية وسردية أكثر تعقيداً، تستهدف تشكيل خبرة جمالية لدى القارئ، وإعادة بناء رؤيته للعالم من خلال التخييل.
ومن هذا المنطلق يمكن فهم اختيارات مشبال في الجانب التطبيقي من الكتاب، فقد قصر تحليلاته على ثلاثة أجناس سردية، وهي الخبر والسيرة الذاتية والرواية، وتجمع بين النماذج المختارة سمة أساسية تتمثل في قوة بُعدها التداولي والمرجعي، بما يسمح برصد آليات التأثير والحجاج بصورة أكثر وضوحاً.
تناول مشبال أخباراً من كتاب “الحيوان” للجاحظ و”الأغاني” للأصفهاني وغيرهما، وحلل سيرة شكري عياد “العيش على الحافة”، وسيرة أحمد التوفيق “والد وما ولد: طفولة في سفح جبل”، إضافة إلى روايتي “فسوق” لعبده خال، و”تفصيل ثانوي” لعدنية شبلي.
تشترك هذه الأعمال على اختلاف أجناسها، بارتباطها بمرجع واقعي أو قابلة للحدوث في الواقع، وهذه الاختيارات تفتح باباً للتساؤل عن مدى فاعلية البلاغة الجديدة في مقاربة النمط الثاني من السرد، الذي أشار إليه مشبال نفسه، من أشكال السرد التخييلي الخالص، أي السرد ذي المنزع التخييلي الجمالي، فالكتاب لا يقدم نماذج تطبيقية لأعمال فانتازية أو رمزية أو عبثية أو ما بعد حداثية، على رغم أن هذه النصوص لا تخلو بدورها من خطابات مضمرة، ورؤى فكرية ورسائل حجاجية، تسعى إلى التأثير في القارئ بوسائل فنية مغايرة، عبر آليات فنية وجمالية أكثر تعقيداً وأقل مباشرة.
الإيهام بالواقعية
يضاف إلى ذلك أن الجانب التطبيقي في الكتاب اقتصر على أجناس سردية ثلاثة، فلماذا هذه الأجناس دون غيرها، من مثل القصة القصيرة والمقامة وأدب الرحلات والحكايات الشعبية؟ ويمكن توسيع الدائرة لتشمل المسرح والشعر أيضاً، بخاصة أن السرد ليس خصيصة نثرية، فهو موجود في الشعر أيضاً.
يأتي هذا التساؤل لأن مشبال يصرح في خاتمة الكتاب بأن غايته كانت “إثبات سعة الجهاز البلاغي الذي يمكن استثماره في مقاربة النصوص السردية”، فضلاً عن تأكيد الحاجة إلى البلاغة في درس السرد، غير أن النماذج التطبيقية المختارة، على رغم اختلاف أجناسها، جاءت منتمية إلى حقل متقارب من النصوص ذات البعد التداولي أو المرجعي القوي، وهي نصوص تقوم في معظمها على الواقعية، أو الإيهام بالواقع.
عبدالكريم الحجراوي – إندبندنت عربية



