أخبار مسرحية

“جين”: تجربة مسرحية أردنية تفكك الوجود الإنساني والخوف من الفقد

محمد علي إبراهيم يعيد اقتباس مسرحية "الغرفة" للكاتب كريستيان فولكمان منطلقا من الواقع الأردني

قدّم العرض المسرحي الأردني “جين” تجربة بصرية ملفتة تستخدم الخيال بوصفه أداة لطرح أسئلة واقعية حول الوجود وأمنيات الإنسان وخوفه من الفقد، وضعفه أمام إغراء امتلاك ما لا يمكن امتلاكه.

وضعت المسرحية التي أخرجها معتصم كلوب، المتلقّي داخل مناخ من القلق والتوتر، عبر افتتاحية مكثفة تختصر البعد الفكري للعمل، حيث يبدأ المشهد الأول من داخل مصحة نفسية، وعلى لسان شخصية “المجنون”، التي جسدها الفنان عبدالله خليل، ويظهر في حالة من الهذيان والانفصال عن الواقع، غير أن هذا الهذيان لا يبدو مجرد حالة مرَضية وإنما نافذة تكشف جوهر الحكاية، وتطرح سؤالاً مركزياًّ حول طبيعة الإنسان وحدود الفضول الذي يمتلكه والرغبات التي يحلم بها.

من هنا دخل المشاهد في الحالة التي أراد الكاتب محمد علي إبراهيم وضعه فيها من خلال نصه المقتبس عن مسرحية “الغرفة” للكاتب كريستيان فولكمان، واشتغل على واحد من أكثر الأسئلة الإنسانية تعقيداً: ماذا يحدث للإنسان عندما تتحول الرغبة إلى هاجس، وعندما يصبح تحقيق الأمنيات أقوى من القدرة على ضبط الذات؟!

فشخصية المجنون في المسرحية التي عُرضت ضمن فعاليات مهرجان عمون لمسرح الشباب كان يمثل صوت التحذير، والشاهد على الثمن الذي قد يدفعه الإنسان عندما يقترب من المجهول محاولاً امتلاك ما يتجاوز حدود الطبيعة، ومن خلال هذه الشخصية، يؤسّس العرض للصراع بين الرغبة والمنع، وبين الإغراء والخوف من العواقب.

تتطور الحكاية عبر خط درامي متداخل بين الواقع والخيال، إذ يظهر بطل العمل بوصفه روائياًّ يعيش أزمة إبداعية حادة، فقد جفّ معين الكتابة لديه، وأصبح عاجزاً عن إنتاج نص جديد، في وقت يرزح تحت وطأة ألم شخصي عميق بعد فقدان ابنه، وتنعكس هذه الحالة على علاقته بزوجته التي تعيش هي الأخرى مأساة الفقد، فيتحول البيت إلى فضاء مثقل بالصمت والذكريات والجروح غير الملتئمة.  

تكشف الحوارات بين الزوجين عن هشاشة العلاقة تحت ضغط الحزن، وتظهر كيف يمكن للفقد أن يجعل الإنسان أكثر استعداداً للبحث عن حلول خارقة أو غير منطقية، حتى لو كان ثمنها باهظاً، فالرغبة في استعادة الماضي تصبح نقطة الضعف التي تدخل منها القوى الغامضة إلى حياة الشخصيات.

وتأخذ الأحداث منحى مختلفاً حين يصل اتصال هاتفي يعرض استئجار غرفة سرية داخل المنزل، ومن هنا يبدأ التحول من الواقع اليومي إلى عالم أكثر غرابة، خصوصاً عندما يتضح أن مالك العقار ليس سوى “المجنون” المقيم في المصحة، وتصبح الغرفة مركز الحكاية ورمزها الأساسي والفضاء الذي تتجسد داخله الرغبات المكبوتة والأحلام المستحيلة.

ورغم التحذيرات المتكررة التي يوجهها صاحب العقار بشأن عدم فتح الغرفة، إلا أن الفضول الإنساني ينتصر، وهنا يقدم العرض قراءة واضحة للطبيعة البشرية؛ فالإنسان غالباً ما ينجذب نحو الممنوع، خصوصاً عندما يعتقد بأنه قادر على السيطرة على نتائجه.

واعتمد المخرج على الفضاء الدائري للمسرح ليجعله جزءاً من البنية الدرامية، وليس مجرد إطار للعرض، فقد بدا المسرح الدائري متماهياً مع الحالة النفسية للشخصيات، حيث لا توجد بداية أو نهاية واضحة للصراع، وكأن الشخصيات تدور داخل دائرة مغلقة من الرغبات والأخطاء ومحاولات الإصلاح.

وجاءت السينوغرافيا بسيطة لكنها محملة بالدلالات؛ فقد حضرت الأوراق المتناثرة ولوحة الرسم والمقاعد والزجاجات المعلقة في الخلفية بوصفها عناصر تتجاوز وظيفتها المباشرة، وبدت الأوراق انعكاساً لأزمة الكاتب، فيما تحولت الزجاجات المعلقة إلى ما يشبه أوعية تحفظ الأمنيات والذكريات، وكأنها تعليقات بصرية على الأشياء التي يخبئها الإنسان داخله.

كما لعبت الإضاءة دورا أساسياً في خلق الجو النفسي للعمل، خصوصاً من خلال حضور اللونين الأسود والأحمر، فالأسود أحاط الغرفة بالغموض والخوف، بينما ارتبط الأحمر بفكرة الرغبة والخطر والثمن الذي يأتي مع تحقيق الأمنيات.

وعلى مستوى الأداء، نجح الفنان أحمد سرور في تقديم شخصية الزوج الروائي، حيث أظهر تحولات الشخصية بين الانكسار والطمع، وبين الإنسان الباحث عن الخلاص والإنسان الذي تدفعه رغباته إلى تجاوز الحدود، وجاء أداؤه متدرجاً مع تصاعد الأحداث، بحيث بدا التحول الداخلي للشخصية واضحاً أمام الجمهور.

أما الفنانة نغم، فقدمت شخصية الزوجة التي تحمل ثقل الفقد والحزن، واستطاعت التعبير عن التناقض بين أمّ مكسورة تبحث عن ابنها، وإنسانة تدرك في لحظات معينة خطورة الطريق الذي سلكته، ويشكل دخولها إلى الغرفة وتحقيق أمنيتها بعودة ابنها الراحل نقطة تحول أساسية، حيث يكشف العرض الوجه المُظلم للرغبات حين تتحقق خارج سياقها الطبيعي.

ومع تصاعد الأحداث، يدخل العرض في منطقة أكثر قتامة، حيث يحاول الزوج البحث عن مخرج من المصير المفروض عليه، وعندما يعود إلى صاحب العقار في المصحة، يكتشف أن الخلاص الوحيد يكمن في قتل صاحب الأمنية، وهي لحظة تكشف عن مدى تعقيد الفكرة التي يطرحها العرض: هل المشكلة في تحقيق الأمنية أم في الإنسان الذي يطلبها؟

وتأتي النهاية دائرية ومفتوحة على التأويل؛ حيث يقف الزوج وحيداً وسط أنقاض عالمه، متجهاً مرة أخرى نحو باب الغرفة السرية، مدفوعاً برغبة جديدة في استعادة من فقدهم، وتغلق المسرحية مسارها على الفكرة ذاتها التي بدأت منها أن الغرفة ليست سوى مرآة تكشف أعماق النفس البشرية، وتفضح هشاشتها عندما تتحول الرغبات إلى قوة تتجاوز العقل.

صحيفة العرب

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: المحتوى محمي !!