أخبار مسرحية

‘المسرح العربي’: أسئلة كبرى عن مستقبل الخشبة بين الجمهور

العدد السابع والأربعون من المجلة يستعرض مشروعاً فكرياً ونقدياً متكاملاً، ويناقش تحولات المسرح المعاصر وأزماته بين التنظير والممارسة، في مواجهة تحديات العصر الرقمي

يصدر العدد السابع والأربعون من مجلة “المسرح العربي” التي تصدرها الهيئة العربية للمسرح في لحظة تبدو فيها الأسئلة التي تواجه المسرح العربي أكثر تعقيداً من أي وقت مضى. فالمجلة لا تقدم مجموعة من الدراسات المتجاورة، وإنما تبني منذ افتتاحيتها مشروعاً فكرياً متكاملاً يضع المسرح في مواجهة تحديات العصر؛ من الذكاء الاصطناعي، إلى التحولات الرقمية، إلى أزمة الجمهور، مروراً بإشكالية استيراد النظريات الغربية، وانتهاءً بضرورة إعادة بناء العلاقة بين المسرح والإنسان العربي.

ولهذا يبدو العدد الذي يترأس تحريره الكاتب المسرحي إسماعيل عبدالله، في بنيته العامة، أقرب إلى ملف فكري واسع منه إلى إصدار دوري تقليدي؛ إذ تتجاور فيه الدراسات النظرية مع الأبحاث التطبيقية وقراءات العروض والكتب واستعادة الرموز المسرحية، لتؤكد جميعها أن المسرح العربي يقف اليوم عند منعطف يتطلب إعادة التفكير في أدواته ووظيفته وأفقه الثقافي.

ولا يأتي هذا التوجه من باب المصادفة، بل ينعكس منذ الصفحات الأولى في افتتاحية العدد التي يكتبها الأمين العام للهيئة العربية للمسرح، حيث ترتبط المجلة بالسؤال الذي اختارته الهيئة للدورة السابعة عشرة من مسابقة تأليف النص المسرحي للكبار، وهو: “الإنسان في عالم ما بعد إنساني”.

وتوضح الافتتاحية أن اختيار هذا المحور لا يستهدف مسايرة موجة الحديث عن الذكاء الاصطناعي، بقدر ما يرمي إلى دفع الكاتب المسرحي العربي إلى مساءلة المصير الإنساني في ظل التطور التقني المتسارع، وما يطرحه من أسئلة أخلاقية وفكرية وجمالية.

كما تدافع الافتتاحية عن فكرة أساسية تتمثل في أن الإبداع المسرحي يظل فعلاً إنسانياً قبل أي شيء آخر، وأن الذكاء الاصطناعي، مهما بلغت قدراته، يبقى أداة لا يمكنها أن تحل محل التجربة الإنسانية التي تنتج الخيال، وتبني الشخصيات، وتصوغ الرؤية الفلسفية للنص. ومن هنا تطرح قضية الملكية الفكرية بوصفها واحدة من أكثر القضايا إلحاحاً، متسائلة: لمن تعود حقوق النص إذا شارك الذكاء الاصطناعي في إنتاجه؟ وهل يمكن الحديث عن مؤلف واحد في ظل هذا التداخل بين الإنسان والآلة؟ وهي أسئلة لا تقدم الافتتاحية إجابات نهائية عنها، لكنها تدعو إلى التعامل معها بوصفها إشكاليات أخلاقية قبل أن تكون قانونية.

بعد هذه المقدمة الفكرية ينتقل العدد إلى ملف “سؤال المسرح”، وهو الملف الذي يشكل قلب الإصدار، لأنه يناقش قضيتين تعدان من أكثر قضايا المسرح العربي راهنية: أزمة الجمهور، وأزمة المفاهيم النقدية. حيث تفتتح الباحثة سحر حسب الله الملف بدراسة عنوانها “مسرح بلا جمهور؟ تأملات في أزمة التلقي المسرحي العربي”، وهي دراسة تنطلق من سؤال يبدو بسيطاً في ظاهره، لكنه يمس جوهر الفن المسرحي: هل يمكن أن يوجد المسرح إذا غاب جمهوره؟

لا تتعامل الدراسة مع تراجع الحضور الجماهيري باعتباره ظاهرة عابرة أو نتيجة منافسة الوسائط الرقمية، وإنما تعتبره مؤشراً على أزمة أعمق تمس البنية الثقافية للمسرح العربي. فمنذ الفقرة الأولى تؤكد الكاتبة أن المسرح لا يكتمل بمجرد وجود النص أو العرض، لأن المتلقي ليس عنصراً خارجياً، بل هو أحد المكونات الجوهرية التي تمنح العرض معناه وتفعّل حضوره.

وتنتقد الدراسة التفسير السهل الذي يُحمّل الجمهور وحده مسؤولية ابتعاده عن المسرح، وترى أن السؤال الحقيقي ينبغي أن يكون: هل بذل المسرح نفسه جهداً للوصول إلى جمهوره؟ وهل استطاعت المؤسسات الثقافية أن تبني جسوراً حقيقية بين العروض والجمهور، أم أنها تركت المسرح يتحول تدريجياً إلى نشاط نخبوي يدور داخل دوائر محدودة؟

ومن هنا تبدأ الدراسة في تفكيك أسباب الأزمة، فتشير إلى أن التراجع حصيلة تداخل عوامل عديدة، أبرزها:

ضعف البنية التحتية للمسارح، وغياب التخطيط الثقافي طويل المدى.

انحسار التغطية الإعلامية، وافتقار المؤسسات التعليمية إلى التربية المسرحية (الأمر الذي جعل أجيالاً كاملة تنمو بعيداً عن المسرح).

مسألة لغة المسرح؛ إذ ترى الباحثة أن كثيراً من النصوص والعروض الحديثة بالغت في التعقيد والرمزية، حتى أصبحت بعيدة عن المتلقي العادي، وهو ما خلق فجوة بين الخشبة والجمهور.

مفهوم التلقي: تؤكد الباحثة أن الجمهور ليس مشاهداً سلبيّاً يجلس في مقاعد الصالة، وإنما هو شريك في إنتاج الدلالة؛ إذ تتشكل معاني العرض من خلال التفاعل الحي بين الخشبة والمتلقي.

وتلفت الدراسة أيضاً إلى أن التحولات الرقمية لا ينبغي أن تُقرأ باعتبارها عدواً للمسرح، بل يمكن تحويلها إلى وسيلة لاستعادة الجمهور عبر إنتاج محتوى إعلامي متخصص، والاستفادة من وسائل التواصل الاجتماعي. وتنتهي الدراسة إلى خلاصة واضحة مؤداها أن أزمة المسرح العربي ليست أزمة جمهور فحسب، وإنما أزمة منظومة كاملة.

وفي دراسة بعنوان “المسرح العربي… استيراد المفهوم أم توليده في السياق الثقافي؟” يناقش الباحث عبد الناصر حسو قضية ما بعد الدراما، متسائلاً: هل أصبح هذا المفهوم جزءاً من التجربة العربية فعلاً، أم أنه مجرد مصطلح مستورد جرى تداوله دون أن تتوافر له شروطه التاريخية والثقافية؟ وينطلق من ملاحظة أن النقد العربي تبنى خلال العقود الأخيرة مصطلحات غربية بصورة آلية، من دون مساءلة السياقات التي نشأت فيها. ويستعرض التحولات التي عرفها المسرح الأوروبي والتي أفضت إلى بروز مسرح “ما بعد الدراما” (حيث تراجعت مركزية النص، وتقدمت الصورة والأداء والفضاء البصري)، مؤكداً أن المسرح العربي لم يمر بالظروف التاريخية نفسها.

ومن أهم ما يطرحه أن المسرح العربي بدأ يتجه نحو ما يسميه الواقعية الجديدة؛ وهي ليست عودة إلى الواقعية التقليدية، وإنما محاولة لاستعادة الحكاية والشخصية والحدث الدرامي مع الإفادة من التقنيات الحديثة، بما يحقق توازناً بين التجريب والتواصل مع الجمهور.

ويرفض الباحث أن يُنظر إلى هذه العودة بوصفها تراجعاً عن الحداثة، بل يعتبرها دليلاً على نضج التجربة العربية في بحثها عن أسئلتها الخاصة. وتبلغ الدراسة ذروتها حين تطرح سؤالاً مفتوحاً: هل يشهد المسرح العربي بالفعل ولادة تيار جديد، أم أن الأمر لا يعدو كونه موضة نقدية عابرة؟ يميل الباحث إلى الاعتقاد بأن التجارب الراهنة تشير إلى تشكل أفق جديد يعيد الاعتبار للنص دون التخلي عن منجزات التجريب.

وينتقل باب “آفاق مسرحية” بالنقاش من مستوى التنظير إلى مستوى الممارسة. ويفتتح د. فاضل الجاف هذا الباب بدراسة عنوانها “حول تدريس مادة الحركة وتأهيل الممثل جسدياً في المعاهد المسرحية العليا”، والتي تنطلق من ملاحظة التراجع الواضح لمكانة التدريب الجسدي داخل عدد من المعاهد المسرحية العربية.

ويرى الجاف أن بعض المعاهد اختزلت مادة الحركة في تمارين رياضية عامة لا علاقة لها بالفن المسرحي. ويستعيد الكاتب تجربته الشخصية عندما كان طالباً في بغداد، حيث كانت مادة الحركة تتحول أحياناً إلى ممارسة ألعاب رياضية ككرة الطائرة والتنس، مؤكداً أن الممثل لا يحتاج إلى اللياقة البدنية وحدها، وإنما إلى اكتساب وعي كامل بالجسد بوصفه أداة للتعبير.

وتتوقف الدراسة عند تجربة فسيفولود مايرهولد ومنهج “البيوميكانيك”، وترى أن الحركة عنده ليست استعراضاً بدنياً، بل ترجمة لحالة ذهنية وفكرية بحيث يصبح الجسد امتداداً للعقل. ويصل الباحث إلى أن المشكلة تكمن في غياب الرؤية العلمية لتدريس مادة الحركة، داعياً إلى إعداد مدرسين متخصصين ووضع مناهج حديثة تربط بين الجسد والخيال والوعي.

وفي دراسة “الشخصية النمطية: حاضنة الكوميديا في المسرح السوداني”، يتجه الباحث راشد مصطفى بخيت إلى كيفية تشكل الشخصية الكوميدية داخل المسرح السوداني. ولا يتعامل مع النمطية بوصفها نقصاً فنياً، بل يكشف عن قدرتها على اختزال خبرات اجتماعية كاملة داخل شخصيات يعرفها الجمهور بسهولة، وتصبح وسيلة لتمرير النقد والكشف عن التناقضات الاجتماعية دون أن تفقد بعدها الكوميدي. وتؤكد الدراسة أن المسرح الشعبي يمتلك أدواته الجمالية الخاصة وقدرته على إنتاج رؤية نقدية للمجتمع، وليس أقل قيمة من المسرح النخبوي.

أما الباحث عباس منعثر فيتجه إلى المسرح العراقي من خلال دراسة بعنوان “الثنائيات المتناقضة في العنوان التراثي عند المخرج قاسم محمد”. ويركز على العناوين التراثية التي اشتغل عليها قاسم محمد، مبيناً كيف تقوم على بناء ثنائيات متقابلة: (الماضي والحاضر، السلطة والهامش، المقدس واليومي). ويرى الباحث أن المخرج العراقي لم يكن يستحضر التراث بدافع الحنين، وإنما كان يعيد إنتاجه داخل أسئلة الحاضر ليكون فضاءً رمزياً يسمح بإعادة قراءة المجتمع والسلطة.

ويسلط باب “وجوه” الضوء على شخصيات تركت بصمتها في المسرح العربي، ليس من خلال السيرة الذاتية وحدها، وإنما عبر تحليل مشروعها الفني ورؤيتها الجمالية، كاشفاً عن كيفية تشكل هذه التجارب، وما الذي أضافته إلى المسرح العربي، ليصبح الفنان نفسه مدخلاً لقراءة مرحلة كاملة من تاريخ المسرح. ومن ثم فهو يعيد قراءة التجارب بوصفها نماذج للإبداع والتجديد.

ويقرب باب “عروض مسرحية” القارئ من الممارسة الفعلية للمسرح، حيث تتحول العروض إلى موضوع للتحليل النقدي، لا إلى مجرد تغطية صحفية. فالدراسات التي يضمها الباب تنظر إلى العرض بوصفه بنية متكاملة تتفاعل فيها عناصر الإخراج، والتمثيل، والسينوغرافيا، والإضاءة، والإيقاع، والبناء الدرامي. وبهذا يبرز الباب الكيفية التي تتحول بها الأفكار النظرية إلى لغة بصرية وأدائية على الخشبة، ويكشف في الوقت نفسه عن الاتجاهات الجمالية التي تتحرك داخل المسرح العربي المعاصر.

ويشكل باب “ذاكرة” بعداً توثيقياً مهماً، حيث يعيد إحياء شخصيات وتجارب وأحداث كان لها أثر في تاريخ المسرح العربي والعالمي. ولا يقتصر هدفه على استعادة الماضي بدافع الحنين، وإنما يسعى إلى قراءة هذا الماضي في ضوء الحاضر، وإبراز ما يمكن أن يقدمه من خبرات ودروس للأجيال الجديدة. وهكذا يصبح التوثيق جزءاً من المشروع الثقافي للمجلة، التي ترى أن بناء المستقبل لا ينفصل عن صون الذاكرة المسرحية.

محمد الحمامصي – MEO

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: المحتوى محمي !!