“المسرح الافتراضي قادر على الوصول إلى جماهير عالمية دون التكاليف الباهظة المرتبطة بالجولات الفنية التقليدية”..
حوار مع النجمة الهوليوودية "ديردري ف. ليونز"، المؤسسة المشاركة لمجموعة فيريمان للمسرح الرقمي

في سياق سلسلة حوارات” المسرح والتكنولوجيا “استضفنا في هذا الحوار النجمة الهوليوودية ديردري ف. ليونز، وأفضل تعريف بها قبل بدء الحوار هو ما كتبته بقلمها هي على موقع IMDb العالمي..
تعيش ديردري ليونز في لوس أنجلوس، ولها مشاركات في أكثر من 75 عملاً سينمائياً ومسرحياً على امتداد الساحل الغربي. في لوس أنجلوس، أسست شركة “تي إتش إسبيان برودكشنز” مع شريكها ستيفن بوتشكو. كان أول إنتاج لهما العرض الأول في لوس أنجلوس لمسرحية “أيدي إيشر”، وهي عمل درامي من تأليف داوسون نيكولز، عُرض لمدة ستة أسابيع في مسرح ليليان. واصل الثنائي إنتاج وتمثيل الفيلم القصير الحائز على جوائز “كاترينا”، ومسلسل الويب “ذا فانتازي ستيت”، وفيلم وثائقي، والفيلم القصير “غود بيهيفيير” الذي نال استحسان النقاد وفاز بجائزة أفضل فيلم قصير في مهرجان تيميكولا السينمائي.
في عام 2016، بدأت العمل في مجال المسرح التفاعلي، وكانت جزءاً من فريق التمثيل الأصلي لمسرحية “ذا ويلوز” من إنتاج “جيه إف آي برودكشنز”، والتي عُرضت سبع مرات لاحقاً نظراً لشعبيتها. تشمل مشاريعها التفاعلية الأخرى عروض “كريب إل إيه” من إنتاج “جيه إف آي برودكشنز”: “إنتري”، و”لور”، و”أويك”، و”هاوس أوف كريب”، و”كريب” (2021). لعبت دور “الأميرة المفقودة” في الفصل الأخير من سلسلة “جمعيات سبيك إيزي” في كانساس، وشاركت في فعالية “غداء التجسس” التي عُقدت خلال عطلة نهاية الأسبوع بعنوان “صالة الحرب الباردة: الأصل”. شاركت ديردري في العديد من الفعاليات الترويجية، بما في ذلك حفلات إطلاق أفلام “ما” و”طيور الجارحة” و”الشعوذة 3″. كما ظهرت في “كوميك كون” للترويج لمسلسلي “الأكاذيب المقدسة” و”قصة الرعب الأمريكية 1984″. وتم اختيارها للمشاركة في عالم “موديل لاند” التفاعلي من تصميم تايرا بانكس.
بدأ انتقالها إلى عالم الواقع الافتراضي بفيلمين بتقنية 180 درجة (The Willows وFreakin’ Weekend)، وتعمقت مسيرتها الفنية بأدوارها في فيلمي “ذا أندر بريزنتس” و”ذا أندر بريزنتس: عاصفة من تندر كلوز”، الذي فاز بجائزة أفضل تجربة في الواقع الافتراضي، وكان من بين المرشحين النهائيين لجائزة إيمي.
وهي أحد مؤسسي “فيريمان كوليكتيف”، وهي شركة مسرح رائدة في مجال الواقع الافتراضي، تُقدم عروضًا حية حائزة على جوائز في هذا المجال. تشمل إنجازاتها في مجال الواقع الافتراضي كممثلة ومنتجة ومخرجة أفلامًا مثل PARA، وKrampusnacht (المرشح النهائي لجائزة PGA للابتكار)، وWelcome to Respite (الفائز في مهرجانات تريبيكا والبندقية وRaindance)، وGumball Dreams، وهو أول فيلم من إخراجها، والذي فاز بجائزة الجمهور في مهرجان SXSW وعُرض لأول مرة عالميًا في مهرجان البندقية السينمائي التاسع والسبعين. كما شاركت في إخراج فيلم Uncanny Alley: A New Day، الذي عُرض لأول مرة في مهرجان البندقية السينمائي الحادي والثمانين وفاز بجائزة XR Must لأفضل تفاعل/أداء.
ديردري هي مرشدة في مهرجان SXSW لعام 2023، وحصلت على لقب “مبدعة العام” من XR Must لعام 2022، وتم إدراجها ضمن قائمة أفضل 100 صوت أصلي في مجال الواقع الممتد، وجائزة XR Women’s للابتكار لعام 2023، وقائمة Women of the Future العالمية لأفضل 100 شخصية في مجال التقنيات الناشئة. وهي متحدثة مطلوبة وعضو في أكاديمية التلفزيون ونقابة المنتجين الأمريكية. كما أنها تُدرّس وتُحاضر في مجال سرد القصص التفاعلي وأداء الواقع الافتراضي، بما في ذلك في جامعة تشابمان.
الحوار:
تحديد الهوية: كيف تُعرّف ديردري في ليونز نفسها اليوم؟ هل أنتِ مخرجة مسرحية تستخدم التكنولوجيا، أم “مهندسة تجارب” في الواقع الافتراضي؟
ديردري: بالتأكيد، أنا حاليًا صانع مسرح بالدرجة الأولى، لكنني أقوم بالعديد من الأعمال، من إنتاج وتمثيل وتسويق. أنا أحد المؤسسين المشاركين لمجموعة فيريمان، وهدفنا هو تقديم عروض مسرحية حية تنبع من القلب، تجمع الناس في عالم مليء بالعجائب.
لقد اكتشفنا أن التكنولوجيا توفر منصة جديدة لسرد القصص، وقد دخلتُ هذا المجال صدفةً، لكنني ما كنتُ لأهتم لو كانت مجرد أداة تقنية رائعة. أنا مهتم أكثر بكيفية تأثير هذه التكنولوجيا على مشاعرنا، وما نخاطر به أو كيف نتشارك في هذه البيئة الرقمية الجديدة.
مع ذلك، يعجبني مصطلح “مهندس التجربة” لأننا في الواقع الافتراضي نخلق تجارب تتجاوز مجرد أداء الممثلين لمشهد على خشبة المسرح، إذ تجوب عروضنا عوالم رقمية كاملة، تُسهم في إثراء التجربة. تصبح هذه البيئات الرقمية شخصيات ضمن التجربة، مُعززة بعناصر تفاعلية تُشرك الجمهور بطريقة شبيهة بالألعاب، حيث يتفاعل الممثلون والجمهور بشكل مباشر، وكل ذلك يتمحور حول السرد القصصي.
بالنسبة لي، هذا هو المسرح، طقس قديم متجسد ونابض بالحياة. لقد منحتنا تقنية الواقع الافتراضي ببساطة إمكانيات مذهلة على منصة جديدة ناشئة لسرد القصص بطريقة خيالية.
فلسفة فيريمان: مشروعكم مبني على المسرح “الحي” داخل الميتافيرس. ما هي “الضرورة الفنية” التي دفعتكم لاختيار منصات مثل VRChat بدلاً من المسرح المادي التقليدي؟
ديردري: لا تزال إمكانيات المسرح بتقنية الواقع الافتراضي قيد الاستكشاف. نستطيع في الواقع الافتراضي القيام بأمور لا يمكن تحقيقها على خشبة المسرح التقليدية، أو أنها باهظة التكلفة. يُعجبني كثيراً قدرتنا على جمع جماهير من جميع أنحاء العالم في فضاء رقمي واحد، أو تغيير حجم العرض بضغطة زر، أو تغيير الشخصيات والمواقع في أقل من ثلاث ثوانٍ. نأخذ أحد أفراد الجمهور ونضعه في ذكريات طفولته أو في عالم يبدو كحلم بعيد المنال.
خير مثال على ذلك هو عرضنا “مرحباً بكم في ريسبايت”، حيث نضع أحد المشاهدين في صورة رمزية بحجم طفل في السابعة من عمره، فينظر إلى والديه كما كان يفعل في صغره، ويحاول جاهداً الرؤية من فوق سطح الطاولة. ورغم أن عقلك البالغ يدرك أن الأمر ليس حقيقياً، إلا أن جسدك يتذكر تلك اللحظات، وتتدفق أصداء ذلك الشعور إليك. لا يمكنك خلق ذاكرة مجسدة كهذه إلا في الواقع الافتراضي.
بالنسبة لي، بدأ كل هذا في عام 2016، عندما بدأت العمل لأول مرة في المسرح التفاعلي المباشر في لوس أنجلوس، في العالم المادي، ولكن في عام 2019 بدأت في الواقع الافتراضي، وبعد ذلك مباشرة، حدث كوفيد، والشيء الوحيد الذي لم يتوقف هو عمل المسرح الافتراضي الذي كنت أقوم به مع تندر كلوز.
انبثقت مجموعة فيريمان من ذلك، حيث تأسست بشكل غير رسمي في خريف عام 2020 على يد ستيفن بوتشكو، وبرايان تول، وبرادن روي كتجربة لإنشاء عرض هالوين بتقنية الواقع الافتراضي، والذي أصبح فيما بعد عرض “بارا”. بعد ذلك، أنشأنا عرضًا خاصًا بالأعياد بعنوان “كرامبوسناخت”، والذي رُشِّح لجائزة PGA للابتكار، وأدركنا حينها أننا نسير على الطريق الصحيح. وبينما انتقل برايان وبرادن لمتابعة اهتمامات أخرى ذات صلة بالألعاب، لا يزال الفريق الحالي يعمل على الإبداع، ويضم ستيفن بوتشكو، وويتون فرانك، وكريستوفر لين ديفيس، الذين يُكملون بذلك المؤسسين الأربعة الحاليين لهذه المنظمة غير الربحية.
عند البحث عن منصة للإبداع، كان VRChat خيارًا بديهيًا، إذ يتيح لنا حرية فنية مطلقة. نستطيع تصميم شخصيات افتراضية غير بشرية، والتلاعب بتصميم العالم، وتغيير حجمه، ودمج تفاعلات حية تبدو طبيعية وفريدة.
لسنا مهتمين بإعادة إنشاء مسرح ذي منصة أمامية في الواقع الافتراضي، بل نريد العمل مع إمكانيات الواقع الافتراضي، واللعب بالهيكل واكتشاف نوع التجربة التي يمكننا ابتكارها والتي تتجاوز ما نفكر فيه بشأن المسرح التقليدي، وإيجاد هويته الخاصة وما يجعله مختلفًا.
حول أحلام غامبول: في هذا العمل تحديداً، كيف تمكنتِ من حل معضلة “البرودة الرقمية” ونجحتِ في جعل الصورة الرمزية تبدو شعرية وذات صدى عاطفي؟
ديردري: أعتقد أن قوة عرض “أحلام غامبول” تكمن في أداء ممثليه، فحضورهم المباشر وتفاعلهم القوي قادران على تبديد أي شعور بالبرود قد ينتاب الجمهور عند التفاعل مع شخصية رقمية. يشعر الجمهور بوجود شخص ما معهم يتفاعل معهم في الوقت الفعلي، من خلال تفاعلات فريدة وشخصية تخلق لديهم شعورًا بأنهم جزء لا يتجزأ من العرض. لا يوجد عرضان متطابقان تمامًا، حيث يضفي كل ممثل لمسته الخاصة من خلال نيته وتركيزه وحضوره الصوتي، مانحًا الحياة لهذه الشخصيات الرقمية الرائعة.
تم تصميم لعبة Gumball Dreams بواسطة كريستوفر لين ديفيس، المعروف أيضًا باسم Screaming Color، وقد بُنيت حول عالم موجود مسبقًا في VRChat، وكان من الضروري أن تبدو الشخصيات الافتراضية وكأنها جزء لا يتجزأ من هذا العالم. قام برايان تول بتصميمها تحت إشراف كريستوفر، وكان طلبي الأهم هو أن تكون حركات اليدين والعينين معبرة. ونظرًا لأننا نستخدم تقنية التتبع ثلاثي النقاط فقط مع نظارات Quest، أردت الحفاظ على أقوى أدوات التعبير لدى المؤدين، وهي أصواتهم وعيونهم وأيديهم.
لقد قام برايان بعمل رائع في منح كل صورة رمزية هوية مميزة خاصة بها مع علامات وجه فريدة، كما منحنا كل صورة رمزية ألوانها الخاصة، على الرغم من أنها تأتي من نفس النموذج الأساسي.
تتمتع موسيقى وتصميم الصوت في “سكريمينج كلر” بقوة عاطفية مميزة، تُضفي على العالم حيويةً وتخلق واقعًا وجوًا مميزًا في الفضاء الرقمي. وبالمثل، نحن كبشر نميل إلى سماع المشاعر من خلال الصوت، وغالبًا ما يكون ارتعاش صوت الشخص هو ما ينبهنا إلى وجود ما يزعجه. يحمل صوت المؤدي حقيقة المشاعر عبر الصورة الرمزية، فيُحييها، مدعومًا بالموسيقى وتصميم الصوت، وهذا هو البناء العاطفي للرحلة المسرحية.
مفهوم الحضور: ما الذي يقدمه “الحضور الرقمي المباشر” للممثل والمتفرج والذي لا تستطيع السينما أو الألعاب التقليدية تقديمه؟
ديردري: يكمن سحر التواجد الرقمي المباشر في قدرتنا على التواجد معًا في فضاء رقمي يُشعرنا بتجربة غامرة، حتى وإن كنا متباعدين جسديًا. يختلف هذا تمامًا عن تجربة السينما في دور العرض، فمع أننا متصلون ومتفاعلون مع القصة، إلا أن الممثل لا يدرك وجودنا، فهو مجرد تسجيل رقمي لحدث وقع منذ زمن بعيد، ولا يعلم أنه مراقب، على عكس المسرح الرقمي الذي يحدث في الوقت الفعلي. وبينما يمكن للألعاب التقليدية أن تكون تفاعلية، إلا أنها تُصمم عادةً لأهداف مختلفة، فهي تتبع أنظمة وأهدافًا واستجابات مُبرمجة مسبقًا. أما عروض الواقع الافتراضي المباشرة، فتتميز بتفاعل عاطفي فوري، ووجود عنصر فاعل في عروضنا، وانغماس الجمهور مكانيًا في عوالمنا الافتراضية.
يتواجد الممثل والجمهور معًا في لحظة واحدة، حيث يمكنهم رؤية بعضهم البعض والتفاعل مع المشهد العاطفي. يستطيع المؤدي استشعار تردد الجمهور أو فرحه، ويتفاعل مع ذلك في اللحظة نفسها، مما يخلق نوعًا من الألفة الفورية والمختلفة عن مشاهدة فيلم مسجل أو لعبة مبرمجة. لكن التجربة ليست بصرية فحسب، بل هي أيضًا تفاعلية، فالجمهور لا يكتفي بمشاهدة القصة، بل يندمج فيها تمامًا.
الدراماتورجيا الرقمية: كيف يتغير بناء النص المسرحي عندما يكون “المسرح” افتراضياً ويشارك الجمهور في وقت واحد من قارات مختلفة؟
ديردري: ينبض النص بالحياة، كالنوتة الموسيقية، ولم يعد مجرد عمل أدبي جامد. صحيح أنه موجه، لكن مع الارتجال والتفاعل في تجارب مسرح الواقع الافتراضي، ومشاركة الجمهور وتواجده داخل المشهد بشخصياتهم الافتراضية، تتشكل روابط عاطفية بينهم وبين الشخصيات المختلفة أثناء تحركهم، وطرحهم للأسئلة، ونظرهم أو ابتعادهم خلال أجزاء مختلفة من القصة، مما يخلق دراما تشمل المكان، وقدرتهم على التأثير، ومحور تركيزهم النهائي.
نُنشئ نصوصًا ذات بنية سردية متماسكة، حتى لو لم يُشارك الجمهور. علينا أن نكون عمليين كمبدعين، فنحن نُدرك أن الاتصال بالإنترنت قد ينقطع، أو أن الجمهور قد يُكتم صوته دون وعي، أو قد لا يشعر بالراحة في الحديث، ولكن ضمن هذه البنية السردية، نُدرج لحظات مُحددة لتفاعل الجمهور، وحوارات، ولحظات تُتيح للممثل مُتابعة فضول الجمهور، إلى أن يحين وقت توجيه القصة مُجددًا.
ولأن جمهورنا ينضم إلينا من جميع أنحاء العالم، بثقافاتهم ولغاتهم وتقاليدهم الخاصة، فإننا نسعى جاهدين لتقديم عروض ذات مواضيع عالمية، ونُتيح مساحة لأنواع مختلفة من المشاركة. بعض الجماهير خجولة، وبعضها الآخر مُفعم بالحيوية، ويختلف أفراد هذه المجموعات في أنماط شخصياتهم، لكننا نُلاحظ وجود معايير ثقافية تُؤثر في كيفية تفاعل الجماهير المختلفة.
إن قدرة ممثلينا على التكيف الفوري هي ما يمنح الجمهور شعورًا بالاهتمام، ويدعم من يرغب بالمشاركة ويجعله جزءًا من القصة. وإن فضلوا البقاء مجرد متفرجين، فلا بأس، فالممثلون سيدعمون هذا الخيار ويتكيفون حسب الحاجة. في تجاربنا المسرحية بتقنية الواقع الافتراضي، يحمل النص القصة، لكن الممثلين يخلقون مساحةً للجمهور للتفاعل معها.
لغة الجسد والواقع الممتد: بصفتك ممثلة ومخرجة، كيف أثر استخدام تقنية تتبع الجسم الكامل على أداء الممثل وقدرته على نقل المشاعر الإنسانية المعقدة؟
ديردري: تُعدّ تقنية تتبع حركة الجسم بالكامل تقنيةً بالغة الأهمية، بل ضروريةً للأعمال التي تعتمد على الرقص وحركات الجسم الدقيقة، إلا أننا لم نُطبّقها في إنتاجاتنا نظرًا لتكلفتها الباهظة وصعوبتها التقنية. فعلى سبيل المثال، درّبنا عشرة ممثلين لفيلم “Uncanny Alley: A New Day”، وهو ما كان سيتجاوز ميزانيتنا بكثير.
يستخدم معظم ممثلينا جهاز Quest 2 أو 3، مع خاصية التتبع ثلاثي النقاط، وهذا كافٍ لأعمالنا. نعتمد بشكل أكبر على الصوت وحركة الجزء العلوي من الجسم لإضفاء الحيوية على الشخصيات.
بصفتي ممثلاً أو مخرجاً، غالباً ما أتحقق من حركة وشعور الصورة الرمزية في المرآة، لأستشعر حركة اليدين والعينين، وشكلها، وكيف يبدو تصميمها، خاصةً عندما يتقمص الممثل الشخصية، وما هي نواياه أثناء الأداء. إضافةً إلى ذلك، عندما لا تتم معايرة تتبع الجسم بالكامل بشكل صحيح، قد ينحرف عن مساره، بحركات غريبة لليدين والساقين، مما يؤدي إلى تصرفات غير منطقية وتشويه أي إحساس بالواقع.
للأسف، نفقد الكثير من التعبيرات الدقيقة في الواقع الافتراضي، سواءً من جانب الممثل أو الجمهور. غالبًا لا ندرك مدى تأثر الشخص إلا بعد انتهاء العرض، أو عندما يتواصل معنا أحدهم لتقديم ملاحظاته. حتى مع استخدام مجسمات ثلاثية الأبعاد منخفضة الدقة، يمكن التأثير في الجمهور، فالتواصل لا يعتمد على الواقعية المادية، بل على حضور الممثل وتفاعله مع الجمهور، مما يخلق رابطًا إنسانيًا.
العلاقة الحميمة بين الممثل والجمهور: في عروضكم، غالباً ما يجد الجمهور نفسه “داخل” القصة. كيف تديرون هذه المساحة الحميمة بين الممثل والمتفرج دون الإخلال بالوهم المسرحي؟
ديردري: عندما ندعو أحد أفراد الجمهور لحضور أحد عروضنا، دون حماية من ظلام مقاعد المسرح التقليدية، فإننا نُقدّر وجوده، ونُنشئ قصة مُحكمة البناء. ومن خلال منحهم الموافقات اللازمة، نحرص على أن يفهموا دورهم بوضوح وأن نُقدّر مساهمتهم العاطفية.
ممثلونا هم القائمون على هذا التفاعل، ونحن نبحث عن فنانين يتمتعون بالبديهة ويعرفون متى يدعون الجمهور للاقتراب أو يمنحونه مساحة. هدفهم هو جعل جمهورنا يشعر بالأمان الكافي للتفاعل.
تدعم عوالم الواقع الافتراضي وهم القصة، ودور الجمهور داخلها، فنحن نضع الجمهور في دور يبدو متوافقًا مع القصة، حتى يعرفوا سبب وجودهم هناك وأن وجودهم ضروري للسرد.
الاعتراف العالمي: ما الرسالة التي يرسلها الاعتراف من مهرجانات مرموقة مثل مهرجان البندقية ومهرجان ساوث باي ساوث ويست فيما يتعلق بمستقبل الفنون الأدائية؟
ديردري: الظهور الإعلامي هو كل شيء، فالمهرجانات والمؤتمرات هي الوسيلة التي يتعرف بها الناس علينا وعلى غيرنا من المبدعين الذين يوسعون آفاق هذا الفن، ويكشفون عن إمكانيات المسرح. عندما تُعرض أعمالنا في المهرجانات الكبرى حول العالم، ونحصد الجوائز إلى جانب شركات عملاقة مثل آبل وسوني وميتا، فإن ذلك يتيح للمبدعين المستقلين الصغار فرصة إظهار قوة سرد قصصهم، وإتقانهم الفني، وقدرتهم على التواصل الإنساني.
يمنح هذا التقدير العمل مصداقية ويساعد الجماهير والمعلمين والممولين على إدراك أن هذا ليس مجرد تجربة تكنولوجية، وأن العروض المسرحية الحية هي شكل صالح من أشكال سرد القصص، وأن المسرح يتطور لخلق المزيد من نقاط وصول الجمهور.
نظراً لأن سماعة الواقع الافتراضي تتضمن شاشة، كانت مهرجانات الأفلام من بين أوائل من رحبوا بهذا العمل، ولكننا نرى الآن مهرجانات ومؤتمرات مسرحية تقليدية مهتمة بعملنا، بالإضافة إلى مجتمعات رسومات الكمبيوتر والعلوم والواقع الممتد والألعاب المهتمة بعملنا لأنه يقع عند تقاطع الأفلام والمسرح والألعاب.
الأمر الأكثر إثارة هو أنه يُظهر استعداد الجمهور لهذا العمل، وحماسهم للمشاركة في تجربة تجمع بين البُعد الإنساني العميق والبعد الرقمي الكامل. إنهم على أهبة الاستعداد لاستكشاف هذا المسرح المتطور وعلاقة الجمهور بالمؤدي ضمن هذه العوالم المهيبة والخيالية.
العقبات التقنية: ما هو أكبر تحدٍ تقني واجهته فرقة فيريمان كوليكتيف والذي هدد “حيوية” الأداء؟
ديردري: نحن نعيش ونموت بفضل شبكة الواي فاي، وبالطبع فإن المنصات الافتراضية لا يمكن التنبؤ بها أيضاً.
بينما ينطوي المسرح الحي التقليدي في العالم المادي على مخاطره الخاصة، على سبيل المثال، يمكن تفويت الإشارات، ويمكن للممثلين أن يخطئوا في أدوارهم، ويمكن أن يتعطل الديكور أو لا يتم وضع دعامة ما… في الواقع الافتراضي، تنتقل هذه المخاطر إلى مشكلات تتمحور حول التكنولوجيا، مثل مشكلات الإنترنت، أو قيام منصة الواقع الافتراضي بإصدار تحديث، أو عدم تحميل الصور الرمزية، أو اختفاء الممثلين أو أفراد الجمهور في منتصف العرض.
يتمثل حلنا في دمج الإعداد التقني في العملية من خلال إنشاء خطط احتياطية مع وجود بدائل، والتأكد من وجود أنظمة اتصال لدينا وأن يكون لدى الممثلين استراتيجيات لحل المشكلات في سياق الشخصية عندما يحدث خطأ ما.
الاقتصاد الإبداعي: بصفتكِ منتجًا، كيف تنظرين إلى الجدوى الاقتصادية للمسرح في الميتافيرس؟ هل نشهد نموذج أعمال مستدامًا جديدًا للمبدعين؟
ديردري: في رأيي، نحن نشهد بالفعل المراحل الأولى لنموذج عمل جديد، وما زلنا في بداياته، وجدواه الاقتصادية واعدة. ولأن مسرح الواقع الافتراضي قادر على الوصول إلى جماهير عالمية دون الحاجة إلى جولات فنية فعلية، فإنه يتمتع بالاستدامة، إذ يمكن إعادة تقديم العرض في أي وقت، لوجوده في السحابة. وهذا مفيد أيضاً لعرض هذا العمل في الجامعات والمؤسسات التعليمية الأخرى، وورش العمل، والفعاليات المجتمعية، بل ويمكننا حتى تقديم عروض متناوبة كما نفعل حالياً، حيث نعرض جميع عروضنا بالتناوب، ليتمكن الجمهور الذي سمع عنها فقط من مشاهدتها.
يواجه جميع الفنانين نفس التحدي، فلكي يستمر هذا العمل، يحتاجون إلى التمويل والدعم والتقدير من المؤسسات الثقافية. غالباً ما يُحتفى بالابتكار، لكن الفنانين يبدعونه دون أي دعم.
تهتم مجموعة فيريمان باستكشاف كيفية عمل فرقتنا المسرحية بتقنية الواقع الافتراضي على غرار المسارح التقليدية في الولايات المتحدة وحول العالم. وذلك من خلال نموذج غير ربحي، وعروض دورية، وبرامج تعليمية وإرشادية، وغيرها من البرامج المجتمعية. وبفضل استثمارات المؤسسات الفنية، والاهتمام الذي حظيت به أشكال فنية أخرى، سيصبح هذا الشكل الناشئ من المسرح الحي مستدامًا.
عندما نُقدّر هؤلاء الفنانين، وجهودهم التي تخلق هذه العوالم والتجارب الحية، ونحوّل التقدير من “ثقافة المشاهير” إلى أولئك الذين يخلقون تجارب تبني قصصًا مؤثرة عاطفيًا، فسنرى نموذج العمل هذا يتوسع.
إضفاء الطابع الديمقراطي على الفن: هل تعتقدين أن المسرح الافتراضي سيجعل هذا الفن أكثر سهولة في الوصول إليه من خلال تجاوز الحدود الجغرافية والتأشيرات وتكاليف السفر؟
ديردري: بلا شك، يُعدّ الوصول عن بُعد أهمّ ميزةٍ يُتيحها مسرح الواقع الافتراضي. حتى الآن، كان الوصول إلى الفنون حكرًا على سكان المدن الكبرى: نيويورك، لوس أنجلوس، لندن، البندقية، أو سيول. أما الآن، فتُتيح التكنولوجيا للفنانين والجمهور من مختلف البلدان، كاليمن، التجمع في فضاء رقمي مباشر واحد.
لا تزال هناك عوائق أمام الوصول، فتكاليف نظارات الواقع الافتراضي، والوصول إلى الإنترنت، واللغة، والمعرفة الرقمية، كلها عوائق حقيقية، إلى جانب عوائق أخرى. لكن هذا الشكل الجديد يمنحنا أدواتٍ لتذليل بعض هذه العوائق، بينما نعمل على معالجة عوائق جديدة.
من أبرز مزايا مسرح الواقع الافتراضي، إلى جانب إمكانية وصول الجمهور إليه، إتاحة الفرصة للفنانين للتعاون من مواقع مختلفة. فنحن نعمل من لوس أنجلوس، وقد مكّنتنا إمكانيات الواقع الافتراضي من العمل مع شركة متخصصة في بناء عوالم افتراضية في جنوب أفريقيا، والتعاون مع شركة كورية. وهذا أمرٌ استثنائيٌّ في كيفية توسيعه للعالم وجعله أقرب إلينا.
التكنولوجيا المستقبلية: مع التطور السريع للذكاء الاصطناعي التوليدي، كيف تتوقعون دمجه في مستقبل العروض الحية التي تقدمها فرقة فيريمان كوليكتيف؟
ديردري: أعتقد أنه مع أي تقنية جديدة، مثل الذكاء الاصطناعي التوليدي، يجب التعامل معها بفضول وحذر. نستخدم حاليًا الذكاء الاصطناعي للمساعدة في إنشاء بيئات افتراضية، وتسهيل وصول الممثلين، ودعم اللغات، وتمكين الجمهور من التفاعل مع عوالمنا الافتراضية. يحمل هذا الذكاء إمكانيات واعدة، مثل أن يصبح جزءًا من سير العمل المستقبلي، وأن يؤثر على الإضاءة والصوت وتصميم الإنتاج. لكن يجب علينا معالجة المخاوف الأخلاقية المتعلقة بحقوق العمل والموافقة والهوية، إذ يجب أن تدعم هذه الأدوات الفنان، لا أن تمحو عمله وتجعله غير مرئي.
بما أن عمل فيريمان مبني على الحضور الإنساني والتعاطف والضعف، فإننا نؤمن بأن الذكاء الاصطناعي لا يمكنه أن يحل محل المؤدي البشري المباشر. يكمن اهتمامنا في التكنولوجيا التي تُعمّق العلاقة المباشرة، لا أن تُشتّت الانتباه عنها.
أخلاقيات الميتافيرس: هل هناك حدود أخلاقية أو فنية محددة يجب مراعاتها عند تصميم تجارب غامرة تتفاعل مع الهويات الرقمية للجمهور؟
ديردري: مع “فيريمان كوليكتيف”، نبتكر تجارب مسرحية بتقنية الواقع الافتراضي، حيث يكون الجمهور جزءًا من القصة. نخبرهم أنهم موظفون أو متظاهرون، وأن لديهم سببًا للتواجد. لديهم مهمة، وشعور بالهدف، لذا عندما يتفاعل معهم الممثلون في العرض، ويتحدثون إليهم مباشرةً ويطلبون منهم القيام بهذه المهام أو تحقيق هذه الأهداف، فإن ذلك يبدو منطقيًا بالنسبة لهم. ولأن المسرح التفاعلي أسلوب مسرحي يشجع الجمهور على الشعور بأنهم جزء مهم من التجربة، فإننا، كمصممي مسرح، مطالبون بالتفكير في كيفية تفاعلنا مع جمهورنا في العرض. نبدأ هذا في مرحلة الإعداد، بمساعدتهم على فهم التفاعل الذي سيشاركون فيه. لدينا شعور بالمسؤولية تجاه مشاعرهم وتجربتهم، وحرص على عدم إلحاق أي ضرر بهم، لأننا نريدهم أن يشعروا بشيء ما، وأن يتأثروا. وإذا شعروا بالأمان، فسيكونون قادرين على الاسترخاء والاستمتاع بالتجربة، وسيكون العمل أقوى وأكثر تأثيرًا.
السياق العربي: باعتبار صفتي في الهيئة العربية للمسرح، ما هي النصيحة التي تقدمينها لصناع المسرح الشباب في العالم العربي الذين يرغبون في خوض غمار “المسرح الرقمي”؟
ديردري: ابدأ بما تعرفه، بتقاليدك المسرحية وقصصك وتاريخ لغاتك وقضاياك الثقافية. اسأل نفسك ما هي الإمكانيات والتحديات التي تواجهها القصة في هذا الوسط، وما إذا كان هذا هو المنصة المناسبة لسرد القصص.
أنصح دائمًا بالبدء بخطوات صغيرة والتوسع تدريجيًا. بهذه الطريقة، لن تحتاج إلى ميزانية ضخمة، بل يمكنك البدء بالتجربة، وتكوين فريق من الفنانين والممثلين والمصممين والكتاب والتقنيين ذوي التفكير المماثل، والذين يرغبون في تجربة الأدوات المتاحة لديك. نحن نستخدم نظارات Quest ومنصة الواقع الافتراضي الاجتماعي VRChat، ولكن هناك العديد من الخيارات الأخرى.
كل شكل مسرحي كان جديدًا في يوم من الأيام، وتعلم أدواته جزء من التجربة. سيتكيف المسرح مع التقدم والتغيرات، ففي وقت من الأوقات، كانت الكهرباء جديدة، ثم ظهرت السينما، والآن أصبحت تقنية الواقع الافتراضي جزءًا من هذا التطور. تعامل مع العمل بثقة وروح مرحة، فالأمر لا يتعلق بالكمال، بل بالمرونة والثقة بالنفس الكافية للقيام بذلك عندما لا تسير الأمور كما هو مخطط لها.
الرؤية طويلة الأمد: أين ترى مجموعة فيريمان بعد عشر سنوات من الآن؟ هل تعتقدين أن مصطلح “افتراضي” سيختفي في النهاية، ولن يتبقى لدينا سوى “مسرح”؟
ديردري: بعد عشر سنوات، نأمل أن تتطور فرقة “فيريمان كوليكتيف” لتصبح شركة مسرح واقع افتراضي مستدامة بالكامل، تقدم عروضًا حية منتظمة، وتتعاون دوليًا بشكل دوري، وتقدم برامج تعليمية ومجتمعية تجمع الفنانين والجمهور. لا نكتفي بإنتاج أعمالنا الخاصة فحسب، بل نساهم أيضًا في دعم الجيل القادم من صناع مسرح الواقع الافتراضي.
أتطلع بشغف إلى رؤية تطور هذا المجال، وأتمنى أن تحظى عروض المسرح بتقنية الواقع الافتراضي بتقييمات وتمويل وأرشفة منتظمة، على غرار المسرح التقليدي. كما أتمنى أن أرى الجامعات والمؤسسات التعليمية الأخرى تُدرّس فنون الأداء المسرحي بتقنية الواقع الافتراضي، لتُسهم في تنشئة جيل جديد من المبدعين. وأتمنى أيضاً أن يتقبّل الجمهور ويدرك أن التجارب المسرحية الهادفة يمكن أن تحدث في الواقع، وفي العالم الافتراضي، وفي أشكال أخرى لم نتخيلها بعد، بينما نواصل تجاربنا مع الأعمال الفنية المدعومة بالتكنولوجيا الحديثة.
ألاحظ أن الجمهور أصبح أكثر ارتياحًا للتنقل بين الوسائط المختلفة، من أفلام وتلفزيون ومسرح وألعاب فيديو ووسائط تفاعلية. وبالنسبة لي، فإن التجربة الافتراضية أقل أهمية من كونها مسجلة أو مباشرة. فالمعنى الحقيقي يكمن في قدرتها على جمع الناس، وإثارة مشاعرنا، وخلق تواصل إنساني. وإذا تحققت هذه الأمور، فذلك هو المكان المناسب للمسرح.
حوار وترجمة: هايل علي المذابي



