
يعد ألمير باشوفيتش من أبرز المنظرين الأدبيين وكتاب الدراما في البوسنة والهرسك، وهو أستاذ الأدب المقارن بجامعة ساراييفو. يمتد حضوره الأكاديمي والثقافي إلى عموم أوروبا، إذ نشر العشرات من الدراسات والمقالات، وعرضت نصوصه المسرحية وترجمت في دول أوروبية عدة. نال تكريما عن مسرحية “رؤى من العصر الفضي” ضمن أفضل 120 عملا مسرحيا أوروبيا معاصرا. عن العلاقة بين الفن والذاكرة، ودور المثقف في الفضاء العام، هذا حوار معه.
تأتي أعمالك من بيئة ثقافية غنية بتعدديتها (البوسنية، الإسلامية، الأوروبية، العثمانية، اليوغوسلافية). كيف تتفاعل هذه الطبقات في نصوصك، وكيف تنظر إلى مفهوم “المسرح الوطني” في ظل هذا التنوع؟
في كل ما أنشغل به أحاول أن أصون تلك التعددية، وتلك الطبقات المتراكبة من الهوية. ولدت مسلما، غير أن قراءاتي وتكويني المعرفي وتعليمي ظلت، في المقام الأول، ذات مرجعية أوروبية. بل يمكن القول إن الإسلام، على الأقل منذ أيام الشاعر يوهان غوته (1749-1832)، وما تلاه، صار يفهم أيضا بوصفه عنصرا مسهما في “أوربة” الوعي، لا نقيضا لها.
وقد حملت الدولة العثمانية معها منجزات حضارية بالغة الأثر إلى الثقافة البوسنية وإلى ثقافات الجوار في يوغوسلافيا، البلاد التي نشأت فيها، والتي ما زلت شديد الارتباط بها بوصفها فضاء ثقافيا حيا. ومن المهم أن نعي أن هويتنا الفعلية ليست هي مجموع الانتماءات إلى الهويات الجمعية بقدر ما هي ما يتبقى منها بعد أن تختبر وتراجع: ذلك الأثر المتبقي الذي لا يذوب كليا في أي انتماء جماعي.
أما مفهوم “المسرح الوطني”، فهو في البوسنة وفي المنطقة ذو خصوصية تاريخية، إذ تشكل هذا المفهوم إبان الحقبة النمساوية-الهنغارية، وكان يعني في جوهره أن تقدم العروض على “لغة الشعب” لا على الألمانية.
الفن والذاكرة الصادمة
أحد اهتماماتك المركزية هو مساءلة العلاقة بين الفن والذاكرة والهوية. كيف يمكن المسرح، بشكل خاص، أن يتعامل مع ذاكرة صادمة جماعية دون الوقوع في فخاخ التبسيط أو إعادة إنتاج الصراع؟
يعد المسرح مؤسسة محورية في الذاكرة الثقافية، وربما كان الفن الذي يتحدث، بأكبر قدر من الدقة، عن تصورنا للهوية. وما يسم المسرح بعمق خاص أن العرض يولد بوصفه فعلا جماعيا، وأن الفرد يتلقاه ويستمتع به باعتباره جزءا من جماعة، لا كذات معزولة.
من الضروري السعي إلى بلورة الصدمة الجماعية على الخشبة، بلغة فنية قادرة على تحويل الألم إلى معنى، كي تواجه نزعة النظر إلى الماضي بوصفه “نصرا”
ولقد أتيحت لي، بوصفي كاتبا ومعدا دراميا، فرصة الاشتغال على موضوعات موجعة وصادمة مرتبطة بحرب البوسنة، فازددت يقينا أن من الضروري السعي إلى بلورة الصدمة الجماعية على الخشبة، بلغة فنية قادرة على تحويل الألم إلى معنى، كي تواجه نزعة النظر إلى الماضي بوصفه “نصرا” جمعيا مكتفيا بذاته. وفي هذا السياق، ينبغي ألا يغيب عن البال أن في طبيعة المسرح، وفي جوهر منطقه الأخلاقي، فكرة أساسية: أن الآخر ليس عدوا ينبغي اقتلاعه من العالم، بل هو محاور، وإحدى صورنا الممكنة، ونسخة أخرى من ذواتنا.
نصوصك المسرحية مثل “رؤى من العصر الفضي” و”RE بينوكيو” ترجمت وعرضت في عواصم أوروبية عدة. هل تعتبر أن مسرحك يحمل رسالة أوروبية عامة، أم أن جذوره المحلية البوسنية هي التي تجعله قابلا للترجمة والاهتمام العالمي؟
لاحظ نقاد وباحثون من طراز سفيتيسلاف يوفانوف، ممن كتبوا بجدية عن مسرحياتي، أن من سماتها البارزة انخراطها في حوار عميق مع التقليد الدرامي الأوروبي. وقد أقنعتني عروض بعض نصوصي في أوروبا بأن محاولتي وساطة التجربة البوسنية عبر الدخول في حوار مع كبار المسرحيين الأوروبيين، مثل غيورغ بوشنر، وشكسبير، وبيكيت، محاولة ذات معنى وجدوى، لا على مستوى الاقتباس الثقافي فحسب، بل على مستوى إنتاج أفق جمالي ومعرفي أوسع لقراءة هذه التجربة.

فعلى سبيل المثل، حظيت مسرحية “أطياف من العصر الفضي”، في عرضها في فيينا، بنقد احتفائي ومراجعات ممتازة، إذ جرى تمثل الإبادة الجماعية في سريبرينيتسا لا بوصفها حدثا محليا، بل بوصفها سؤالا دراميا حادا يطال الحاضر الأوروبي نفسه، ويضعه أمام امتحان الذاكرة والأخلاق والسياسة في آن واحد.
الترجمة والتلقي
ترجمت أعمالك إلى لغات عديدة. كيف ترى تجربة وصول نصوصك إلى ثقافات أخرى؟ وهل هناك اختلاف في تلقي القارئ أو المشاهد العربي لأعمالك مقارنة بالقارئ الأوروبي؟
المترجمون في الغالب هم أفضل القراء. وقد كنت محظوظا حقا بأن تترجم مسرحياتي على أيدي أناس رائعين، من أولئك الذين يتمنى الكاتب، وهو يكتب، لو كانوا قراءه المحتملين. فإن إحدى أعظم الإشادات التي تلقيتها ككاتب مسرحي كانت شهادة ممثل بارع من ألمانيا الشرقية أدى دور “القاتل” في مسرحيتي “وجوه”، لقد شكرني على النص، وقال لي إنه، وهو يجسد إنسانا شارك في إعدامات جماعية في البلقان، فهم كيف أمكن لشخص من عائلته أن يكون عضوا في جهاز الشرطة السرية السيئ الصيت “شتازي”. كانت تلك الجملة، بالنسبة إلي، أكثر من مديح فني: كانت اعترافا بأن المسرح قد يفتح عبر التقمص نافذة لفهم آليات الشر، لا لتبريره بل لتفكيكه وإدراك شروط إمكانه.
المسرح قد يفتح عبر التقمص نافذة لفهم آليات الشر، لا لتبريره بل لتفكيكه وإدراك شروط إمكانه
أما عن تلقي القراء والمشاهدين العرب لهذه الأعمال، فذلك ما نأمل أن تتاح لنا فرصة اختباره قريبا، فلدي عدد من المسرحيات المترجمة إلى العربية، ونأمل أن نعثر على ناشر في العالم العربي يتبنى نشرها وإيصالها إلى القراء والمشاهدين هناك.
هل يوجد حوار في أعمالك مع التراث العربي أو الإسلامي (فلسفة، أدب، تصوف)؟ وكيف تنظر إلى تجارب المسرح المعاصر في العالم العربي؟
لقد تعلمت من أستاذي، الكاتب الأوروبي الكبير جواد كارهسان، مدى أهمية أن نفهم الثقافة الأوروبية عبر علاقتها بالثقافة الإسلامية، وهذا يصدق، على نحو أخص، على الثقافة البوسنية. والحمد لله أن باحثين مجتهدين اليوم، مثل منير دركيچ أو منير موييتش، يعيدون إلى الضوء كتابا بوسنيين كانوا، في زمن الدولة العثمانية، يكتبون بالعربية ويتمتعون بحضور ذي صلة عالمية.
وفي معظم مسرحياتي تقريبا كنت أفتش عن الإلهام أيضا في التقليد الصوفي. فعلى سبيل المثل، في مسرحيتي “نقيق”، وهي محاكاة لكوميديا أريستوفانيس، “الضفادع”، وتتناول رحلة إلى العالم الآخر، أفادتني كثيرا “رسالة الغفران” لأبي العلاء المعري.

كما أن محمود درويش علمني من خلال شعره كم أن الإنسان كائن عنيد، وكم أن الثقافة، بالمعنى الأوسع للكلمة، كائن صلب شديد الحيوية. ذلك أن “فائض التاريخ” يمكن، أحيانا، أن يتحول إلى شهادة ضرورية، تواجه، بمفارقة رقيقة وسخرية شفيفة، كل الإعلانات المتكررة عن “نهاية العالم”.
المسرح ومقابر أوروبا الجماعية
كثير من أعمالك يتناول إشكاليات الذاكرة الجماعية، الصدمة، وما بعد الحرب. كيف تتعامل فنيا مع أعباء التاريخ في البوسنة والهرسك؟ وهل ترى أن للمسرح دورا خاصا في التعافي والمناظرة المجتمعية لا تجده في فنون أخرى؟
في دراسته “الانتصار والصدمة” يقول برنارد غيزن إن الأبطال والضحايا توأمان يقفان على طرفي الحياة الاجتماعية، وإن العلاقة بين الانتصار والصدمة تؤثر تأثيرا حاسما في تصور الفرد وفي بناء الهوية الجمعية. والمسرح الأوروبي يتولد، في جذوره الأولى، من طقس الأضحية، ولذلك هو لا يزال يحتفظ حتى اليوم بذاكرة منشئه. غير أن المشكلة هي أن الثقافة الأوروبية المعاصرة لم تعد تعرف ماذا تفعل بالضحايا.
العدد الهائل من المفقودين في حرب البلقان يطرح سؤالا ملحا عن المناخ الروحي الذي نعيش فيه نحن الأوروبيين اليوم
لقد ذهب سيغموند فرويد، بوصفه واحدا من فلاسفة الغرب، إلى أن الضحية ترغب، على نحو ما، في أن تكون ضحية. كما أن الثقة الغربية المطلقة في العقل قادت إلى مفارقة قاسية: أن تحمل الضحية شيئا من اللوم لأنها ضحية، إذ يقال ضمنا إنها لو كانت “عقلانية بما يكفي” لما انتهت إلى موقع الضحية، بل ربما كانت في موقع الجلاد.
والمسرح، أكثر من سائر الفنون، ظاهرة اجتماعية بامتياز، ولذلك تقع عليه أكبر المسؤوليات الاجتماعية. إن العدد الهائل من المفقودين في حرب البلقان يطرح سؤالا ملحا عن المناخ الروحي الذي نعيش فيه نحن الأوروبيين اليوم. فالإلياذة، بوصفها ملحمة مؤسسة للثقافة الأوروبية، تنتهي بتهدئة غضب أخيل الذي تدور حوله بنية الملحمة، وبسماح أخيل لخصمه بأن يدفن ابنه القتيل. أما الدراما الأوروبية، بوصفها شكلا فنيا، فلا تولد إلا بعد الملحمة: في اللحظة التي تكشف فيها الثقافة اليونانية عن نضجها وعن درجة عالية من الثقة بقيمها. فكيف نفسر أننا نعيش اليوم، في قلب أوروبا، مع هذا العدد الكبير من المقابر الجماعية المخفية ومع هذا الكم من الأجساد التي لم تدفن بعد؟ وهل يعني ذلك أن أوروبا قد ارتدت إلى زمن “ما قبل أوروبي” و “ما قبل درامي”؟

يوصف خطابك بأنه نقدي يتناول القضايا الأساس في العالم المعاصر. كيف تعرف المثقف العمومي في مجتمعات ما بعد الصراع، وما هي المسؤوليات التي يتحملها في رأيك؟
لا بد أن أعترف بأن إساءة استخدام ما يسمى “الالتزام” في الأدب، ولا سيما في المسرح، تمثل بالنسبة إلي إشكالا كبيرا. فكثيرا ما يخلط، على نحو مفرط، بين الكتابة “الملتزمة” والكتابة الجيدة، وبين المسرح “الملتزم” والمسرح الجيد. ربما لم تكن وظيفة المثقف والفنان يوما أهم مما هي عليه اليوم، لأنها باتت تفترض، في جوهرها، التمرد على السطحية وعلى النزعة التي تسقط الفن في خطابة المنشور وبلاغة البيان. ولعل المجتمعات ما بعد النزاعات تعد من أصدق المرايا التي تكشف طبيعة العالم الذي نعيش فيه، إذ تتكثف فيها الأشياء وتحد فيها التناقضات.
لعل ما سيكشف عن الإنسان بوصفه كائنا أخلاقيا، على نحو أشد فداحة، هو الصمت إزاء الإبادة في غزة
ولعل ما سيكشف عن الإنسان بوصفه كائنا أخلاقيا، على نحو أشد فداحة، هو الصمت إزاء الإبادة في غزة، تلك التي تجري اليوم حرفيا أمام أعيننا.
المثقف بين الشرق والغرب
كيف ترى موقع المثقف والباحث من البلقان داخل المؤسسات الثقافية الأوروبية الأوسع؟ هل هناك حوار حقيقي أم هناك هوامش لا تزال قائمة؟
إن الثقافات الواثقة من قيمها تستطيع أن تسمح لنفسها بنظرة نقدية إلى ذاتها—بل تستطيع أيضا أن تمول هذه النظرة وتستثمر فيها. أما عن تجربتي العامة المرتبطة بالإقامة في أوروبا الغربية، فهي تشبه تحذيرا يمكن اعتباره من أهم ما أورثنا إياه المفكر الفلسطيني/الأميركي الكبير إدوارد سعيد، بأنه ينبغي للمرء أن يحذر من أن يبدأ بالكلام والكتابة وفقا لما يتوقعه الغرب منه. فقد نبه سعيد إلى أن “المستعمَر” قد يشارك، مشاركة فعالة، في عملية الاستعمار ذاتها، لا بوصفه ضحية صامتة فقط، بل بوصفه طرفا يسهم، أحيانا من حيث لا يدري، في إعادة إنتاج منطق الهيمنة عبر الامتثال لصورها وتوقعاتها.

ما أهم التحديات التي يواجهها المسرح في البوسنة والهرسك اليوم، وكيف يمكن المسرح أن يظل فضاء حيويا في عصر السيولة الرقمية والمنصات الحديثة؟
في البوسنة والهرسك، يصطدم المسرح بما يصطدم به المجتمع نفسه. ففوضى الحياة العامة، والعجز عن الاتفاق على حد أدنى من القيم المشتركة، والتشظي الإيديولوجي، والغرور السياسي وغير السياسي، والبراغماتية الصغيرة الحسابات، والافتتان الإقليمي بالنفس، كل ذلك يتجلى بأقصى وضوح داخل المسرح، وكأن خشبة المسرح تكثف أمراض المجتمع وتعرضها بلا ستار.
ومع ذلك، حين سئل كاتب كبير عما إذا كان يعتقد أن المسرح يعيش أزمة، أجاب بأن السؤال مختل في صياغته، ثم أضاف: المسرح هو الأزمة.
عبدالرحمن مظهر الهلّوش – المجلة



