أخبار مسرحية

برنارد شو في المسرح “مسل ومزعج”

المرجع الإيرلندي الذي استقى توفيق الحكيم منه نصوصه المتميزة بطابعها الفكري ونظام الفصل الواحد

ملخص

صحيح أن برنارد شو لم يكن في طبعه العميق ثورياً من الناحية السياسية، لكنه تبدى ثورياً بل راديكالياً حتى، في طريقة بنائه مسرحياته نفسها.

لم يخف كاتبنا العربي المصري توفيق الحكيم يوماً أن فكرة “مسرح الأفكار” التي جمع فيها عدداً كبيراً من النصوص المسرحية المتميزة بطابعها الفكري ولكن كذلك بكون معظمها من مسرحيات الفصل الواحد، لم يكن من ابتكاره، بل هو استعارها من جورج برناد شو، الكاتب الإيرلندي من أصول اسكوتلندية، الذي كان الحكيم يعده، بشكل أو بآخر، معلماً له في المسرح وفي غير المسرح، وقد يضيف كاتب ساخر: في البخل أيضاً، الذي جمع بين الكاتبين الكبيرين، أو أثر عنهما في الأقل.

المهم أن فكرة أن يكون المسرح ميداناً لمناقشة أفكار اجتماعية وغير اجتماعية، فكرة تقاسمها الكاتبان في زمنين متقاربين على أية حال، وانتهت على شكل مسرح لن يفوتنا أن نعثر على ما يشبهه لاحقاً لدى الألماني برتولت بريخت وحتى لدى الإيطالي لويجي بيرانديلو، وإن في بهرج أشد زهواً وسياسة أكثر أدلجة، بعد أن استقاه شو بدوره من هنريك أبسن الذي يمكن بأية حال اعتباره رائداً مؤسساً للمسرح الاجتماعي مع معاصره الروسي تشيخوف، وانتقل أواسط القرن الـ20 إلى المدن الأميركية الكبرى وكتابها الرائعين.

ومع هذا ورغم وفرة الأسماء والأعمال في هذا السياق، نرى من المفيد أن نتوقف هنا عند مجموعة “مسرحيات مسلية ومزعجة” لجورج برنارد شو (1856 – 1950)، وربما بشكل خاص عند تلك التي تعد الأشهر والأكثر قوة ودلالة اجتماعية، بين نتاجات هذه المجموعة وهي بالتحديد مسرحيته “الأسلحة والإنسان” (1849).

انتقال ماكر

خلال عام 1892 كان شو قد بدا يشعر بانجذاب نحو نمط تعبير آخر غير النصوص السردية التي بدأ بها مساره الأدبي، أي الكتابة للمسرح، لينطلق في إبداع أعمال للمسرح لن يقل عددها بين عام تلك البداية وعام 1950 عن 50 مسرحية منها نحو 30 مسرحية طويلة من ذوات الفصول الثلاثة.

غير أن السبع مسرحيات الأولى التي كتبها ضمن ذلك الإطار، كانت غالباً مسرحيات قصيرة واصل إنتاجها حتى عام 1898، ليجمعها في نهاية الأمر تحت ذلك العنوان الذي نعرفه الآن “مسرحيات مسرة ومزعجة”، وكانت على التوالي “بيوت الأرامل” (1892)، “فاعل الخير” (1893)، “مهنة السيدة وارين”. وتعد هذه المسرحيات الأولى الثلاث عادة مسرحيات “نضالية” أثار فيها شو وبصورة مباشرة قضايا اجتماعية تقف على حافة الخطر، حتى أخلاقياً، وتتعلق بملكية البيوت الآيلة للسقوط، ومهنة الدعارة، والنفاق الاجتماعي الذي يقف في خلفية العلاقات الاجتماعية.

والحقيقة أن الضجة التي أثارتها هذه المسرحيات سرعان ما جعلت الكاتب يتجه نحو مواضيع أخف وطأة وأسهل على الإفلات من براثن الرقابة، وهكذا كتب “الأسلحة والإنسان” التي جابه فيها رومانسية فكرة الحرب والبطولات العسكرية والحرب بصورة عامة، كما سوف نرى بعد سطور، ثم كتب “كانديدا” التي صور فيها المجابهة بين وحدة وعزلة البطل العبقري وحياته وواجباتها المنزلية؛ وكان ذلك قبل أن يتصدى لما اعتبر “شرشحة” لنابليون من خلال مسرحية “رجل الأقدار” الساخرة من البطل القومي الفرنسي، ليكتب أخيراً “لن تعرف أبداً” كخاتمة لما سيسميه مسرحيات “مسرة” هذه المرة، بعدما جرى توصيف المسرحيات الثلاث الأولى بكونها “مزعجة”.

مسرح لمناوأة الحرب

لعل في إمكاننا أن نقول على أية حال، إن أهم ما يميز مسرحيات شو هذه هو أنه لا يحاول فيها أن يعظ الجمهور بل يستخدم الضحك كسلاح فكري.

وينطبق هذا بشكل خاص على مسرحية “الأسلحة والإنسان” التي يخرج المتفرج من حضوره عرضاً لها متسائلاً عما إذا كانت الحرب، كما صورت له دائماً، بطولة بالفعل؟ وهل حقاً أن الحب قائم على الوهم؟ وهل يعيش المجتمع حقاً على صورة مزيفة رسمها لنفسه عن مسألة الشرف؟ ويقيناً أن هذه الأسئلة التي يمكن أن تطرح بصدد “الأسلحة والإنسان”، هي من تلك التي لا يتردد المرء عن طرحها بصدد أي من مسرحيات شو الأخرى التي نتحدث عنها.

ومن هنا يمكننا إذ نتساءل عن السبب الذي جعل هذه المسرحية بالذات ومجمل مسرحيات شو الأخرى حية وتبدو لنا دائماً حديثة، نجيب: لأنها تصدت لثلاثة مقدسات كانت تسود المجتمع الأوروبي حينه: البطولة العسكرية والأخلاق البورجوازية والرومانسية التقليدية.

صحيح أن شو لم يكن في طبعه العميق ثورياً من الناحية السياسية، لكنه تبدى ثورياً بل راديكالياً حتى، في طريقة بنائه مسرحياته نفسها. فهو بدلاً من النهايات الأخلاقية المريحة وربما السعيدة أيضاً يترك الجمهور أمام مفارقات تثيرها أسئلة صعبة لا يمكن للجمهور إلا أن يطرحها على نفسه ففي زمن كانت المسرحية تعتمد على الحبكة العاطفية أو البطولة التقليدية، جعل شو الحوار نفسه ميداناً للصراع الفكري.

ومن هنا فإن الشخصيات عنده لا تمثل أفراداً فقط بل أفكاراً اجتماعية وفلسفية. فالجندي والرأسمالي والسيدة الأرستقراطية، والخادم، أي تلك الشخصيات الرئيسة في “الأسلحة والإنسان”، ليسوا هنا إلا أدوات لكشف تناقضات المجتمع الفيكتوري.

هنا لب الحكاية

ونحن نعرف على أية حال كم أن شو كان معادياً لذلك المجتمع ساخراً من قيم البطولة والرومانسية، لا سيما فكرة البطولة الزائفة المتضافرة مع الرومانسية الحالمة. من ثم لا يمكننا إلا أن نرى في هذه المسرحية بالذات نوعاً من “بيان فني ضد تمجيد الحرب”، بحسب رأي النقاد.

ففي الأدب الأوروبي آنذاك، كان الجندي يقدم بطلاً رومانسياً شجاعاً، أما شو فقدم في مسرحيته ضابطاً ذا طبع عملي ساخر يهتم بنجاته شخصياً أكثر من اهتمامه بالمجد العسكري. وهذه الشخصية المركزية هنا هي شخصية الضابط السويسري بلنتشلي الذي نكتشف بسرعة أنه يحمل في جيبه ألواح الشوكولاتة بدلاً من ألواح الرصاص، ولهذا يحدث أحياناً أن يسمى في المسرحية بضابط الشوكولاتة.

وفي المقابل، لدينا بطلة المسرحية رينا التي تعيش أوهاماً رومانسية عن الحرب والحب، لكنها تكتشف وبصورة تدريجية أن واقع الحياة أكثر تعقيداً من يقيناتها بكثير وأقل نبلاً مما يمكنها أن تتصور. وعبرها بالتالي، يفكك كاتبنا رومانسية الحرب ورومانسية الحب وحتى رومانسية الطبقة الارستقراطية، مؤكداً لنا أن الحقيقة مهما كانت قسوتها، أهم 1000 مرة من الأوهام الجميلة. وفي هذا التأكيد يكمن جوهر الفكر الذي يحرك هذه المسرحية وأخواتها، ويجعل من مسرح الأفكار هذا على طريقة جورج برنارد شو عملاً ثورياً حتى وإن أقسم كاتبه أنه ليس ولن يكون ثورياً هو نفسه أبداً!

إبراهيم العريس – إندبندنت عربية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: المحتوى محمي !!