أخبار مسرحية

المسرح الاحتفالي العربي: كتابة الجسد والذاكرة بين صرامة الكلاسيكية وانفلات الحداثة

أنديرا راضي تستقصي تحولات المسرح من الطقس إلى التجريب التفاعلي.

يشكّل المسرح الاحتفالي العربي أحد أبرز تجليات التفاعل بين التراث والحداثة، حيث تتداخل فيه الطقوس الشعبية مع الرؤى الجمالية المعاصرة. ويأتي كتاب أنديرا راضي ليقدّم مقاربة بحثية عميقة تستكشف هذا المسار، كاشفًا عن تحولات المسرح العربي وسعيه إلى بناء لغة فنية متجددة تنفتح على الإنسان والتجربة الجماعية.

يُعدّ كتاب “المسرح الاحتفالي العربي بين الكلاسيكية والحداثة” مؤلَّفًا جديدًا وعميقًا في طرحه البحثي للكاتبة والباحثة المصرية الدكتورة أنديرا راضي. ويُعتبر هذا العمل أول دراسة أكاديمية معمّقة في المسرح الاحتفالي. ويقول عنه الناشر إن “المسرح الاحتفالي، تاريخًا وإنجازًا وإبداعًا، يمثل تجليًا مشرقًا لتجارب عربية متميزة رسّخها نخبة من المبدعين”، وهو ما تناولته الدراسة بعمق.

يتتبع الكتاب، الصادر حديثًا عن دار لندن تاور للنشر والتوزيع، الجذور الطقسية لهذا المسرح، بدءًا من تفاعله مع الكلاسيكية بوصفها منظومة معرفية قائمة على الثبات والعقلانية، وصولًا إلى انفتاحه على الحداثة التي تفكك المسلّمات وتؤسّس لوعي جديد قائم على التعدد والتجريب وتجاوز النص. كما يُبرز كيف تجاوز المسرح الاحتفالي العربي النقل عن الغرب، عبر إعادة تفعيل التراث العربي كطقس حي، من خلال عروض تفاعلية دمجت الجسد بالصوت والفضاء، وشاركت الجمهور في تجربة وجدانية وفكرية.

حكايات تُرى.. مسرح يروي

 

توقّفت الباحثة عند منجزات أعلام فاعلة في الساحة المسرحية العربية، مثل سعدالله ونّوس وعزالدين المدني وعبدالكريم برشيد وروجيه عسّاف وتوفيق الحكيم.

يقع الكتاب في 220 صفحة، موزّعة على ثلاثة فصول: الاحتفالية بين الكلاسيكية والحداثة والتراث، الحركات المسرحية الطلائعية العربية بين الفكر والفن، وقراءات نقدية في نصوص احتفالية.

ويُعدّ التجوّل في طيّات فصوله وصفحاته رحلة بصرية وحسية ومتعة معرفية، تخوض في التاريخ الاحتفالي للمسرح العربي بأسلوب يخرج عن التوصيف الأكاديمي الجامد. فهو سفر فني لا يبالغ في أكاديميته، ولا يبتعد عن جديته، بل هو ركض جمالي بين الانتماء إلى الذاكرة والتراث والموروث، بين العادات والتقاليد والحكاية والمقدّس. وهذا ما يميّزه ليكون كتابًا وبحثًا ورحلة في آن، لا يستدعي التخصص الضيق، ولا يوجَّه فقط إلى الأكاديميين، فالمسرح هنا وجهة حسية مفتوحة على الإنسان.

ينطلق الكتاب في تفاصيله السردية عبر رحلة في تاريخ المسرح الاحتفالي، مركّزًا على كونه من أكثر الظواهر الفنية تركيبًا وإثارة للأسئلة، إذ يقف في منطقة تماس دقيقة بين الذاكرة الجماعية والتركيب الجمالي الحديث. فهو ليس مجرد شكل مسرحي، بل محاولة لإعادة تأسيس العلاقة بين الفن والجمهور، بين الطقس والفرجة، وبين التراث وإشكالات الحاضر.

تقول أنديرا راضي “قدّمنا هنا بحثًا منهجيًا معمّقًا من خلال تتبّع الجذور الطقسية للمسرح، واستقصاء حركات الجموع التي تنساب بانسجام مع إيقاع الكون، لتتطوّر لاحقًا إلى أشكال درامية تتفاعل مع الأسطورة والدين، ثم مع الفكر الجمالي الكلاسيكي الذي بلغ ذروته مع المسرح الإغريقي والروماني. وفي هذا السياق واكب المسرح العربي، بصفة عامة، والمسرح الاحتفالي، بصفة خاصة، الكلاسيكية لا كمذهب فني فحسب، بل كمنظومة معرفية تؤمن بالثبات والعقلانية، قبل أن يتفاعل مع الحداثة التي تفكك المسلّمات وتؤسس لوعي مغاير”.

ومن هذا المنطلق يمكن قراءة هذا المسرح بوصفه مشروعًا فكريًا وجماليًا يسعى إلى تجاوز الثنائية التقليدية بين الكلاسيكية والحداثة، عبر صياغة لغة مسرحية ثالثة تنبع من خصوصية السياق العربي.

تطرح الدراسة الجذور التي يستند إليها المسرح الاحتفالي العربي، باعتباره مستندًا إلى ممارسات شعبية ضاربة في التاريخ، مثل الحكواتي، والموالد، والاحتفالات الدينية، وأشكال الفرجة الجماعية التي لا تفصل بين المؤدي والمتلقي. ولم تكن هذه الأشكال “مسرحًا” بالمعنى الأرسطي، بل فضاءً تفاعليًا مفتوحًا، يتداخل فيه المقدّس بالدنيوي، واللعب بالطقس، والسرد بالفعل الجماعي.

ومن هنا، فإن استعادة هذه الأشكال لم تكن حنينًا إلى الماضي بقدر ما كانت بحثًا عن بديل جمالي يعيد الاعتبار للجمهور بوصفه شريكًا في إنتاج المعنى.

غير أن هذا المشروع لم يتشكّل بمعزل عن التأثيرات الحديثة، خاصة مع احتكاك المسرحيين العرب بالمدارس الأوروبية. وهنا تبرز الإشكالية التي طرحتها الباحثة حول كيفية استلهام التراث دون الوقوع في فخ الفلكلور، واستيعاب الحداثة دون الذوبان في نماذجها، من خلال عرضها لجملة من التجارب والمحاولات.

تجارب مختلفة

رحلة بصرية وحسية ومتعة معرفية، تخوض في التاريخ الاحتفالي للمسرح العربي بأسلوب يخرج عن التوصيف الأكاديمي الجامد

في هذا السياق تتوقف راضي عند تجربة عزالدين المدني بوصفها محاولة واعية لتأصيل المسرح ضمن سياقه الحضاري العربي الإسلامي، إذ اشتغل على النص التراثي بوصفه طاقة دلالية قابلة لإعادة القراءة، وسعى إلى مساءلة التاريخ واستحضاره كمرآة نقدية للحاضر، مع توظيف تقنيات احتفالية تُشرك الجمهور في عملية التأويل.

أما سعدالله ونّوس فقد اتجه نحو طرح أكثر راديكالية، حيث ربط المسرح بوظيفته السياسية والاجتماعية، وحوّل الاحتفال في أعماله إلى أداة لتفكيك السلطة، فجعل المسرح فضاءً للحوار والنقد، ودعا المتفرج إلى التفكير لا الاستهلاك، ساعيًا إلى خلق “مسرح تسييسي” يجعل الفرجة فعلًا معرفيًا.

وتبدو تجربة روجيه عسّاف منحازة إلى العمل الجماعي، إذ أعاد تعريف المسرح كفعل مشترك ينبع من المجتمع ويعود إليه، موظّفًا الذاكرة الشعبية ضمن سياق معاصر، ومنفتحًا في الآن ذاته على تقنيات المسرح العالمي، بما أكسب تجربته مرونة جمالية لافتة.

أما عبدالكريم برشيد، الذي يُعدّ من أبرز منظّري المسرح الاحتفالي، فقد سعى إلى بلورة هذا الاتجاه في شكل نظرية متكاملة، تقوم على إعادة الاعتبار للفضاء المفتوح، وللغة الجسدية، وللجمهور كعنصر فاعل. ورأى أن المسرح الاحتفالي ليس مجرد أسلوب، بل موقف من العالم يحتفي بالحياة ويقاوم الاغتراب.

الكتاب ليس خاتمة لفكرة، بل بداية لرؤية؛ دعوة إلى إعادة التفكير في المسرح بوصفه أفقًا حيًا يتجدّد كلما التقينا حوله، وكلما استعدنا قدرتنا على الاحتفال بالوجود

ومن خلال هذه التجارب يتضح أن المسرح الاحتفالي العربي ليس تيارًا متجانسًا، بل فضاء تعددي تتقاطع فيه رؤى مختلفة، يجمعها السعي إلى كسر الحدود بين الخشبة والصالة، بين النص والعرض، وبين الماضي والحاضر. إنه مسرح يرفض الانغلاق في قوالب جاهزة، ويبحث عن ذاته في لحظة التفاعل الحي.

ومن خلال هذا البحث المتشعّب القائم على التحليل والتجريب، تكشف الدكتورة أنديرا راضي عن تواصل حسي وفكري عميق مع موضوعها، حيث لا يتوقف المسرح الاحتفالي عند كونه موضوعًا للدراسة، بل يتحول إلى سؤال مفتوح حول معنى أن نكون معًا، وأن نحكي، وأن نحتفل رغم ما يتشظّى فينا.

فالكتاب لا يكتفي بتأريخ الظاهرة أو تحليل بنياتها، بل يغوص في عمقها بوصفها فعلًا إنسانيًا يعيد وصل الفن بأصله الأول: الطقس، الجماعة، والدهشة.

وهكذا، يصبح المسرح أكثر من خشبة ونص، ليغدو عودة إلى النبض الجماعي، إلى تلك اللحظة التي يتقاطع فيها الصوت بالجسد، والذاكرة بالحاضر، فيتولد معنى لا يُقال بل يُعاش. ومن خلال هذا المسار، تكشف الكاتبة عن وعي بحثي عميق يُنصت إلى ما وراء الظواهر، حيث تتوارى أسئلة الهوية والانتماء وإمكانات التجدد.

إن هذا الكتاب، في جوهره، ليس خاتمة لفكرة، بل بداية لرؤية؛ دعوة إلى إعادة التفكير في المسرح بوصفه أفقًا حيًا يتجدّد كلما التقينا حوله، وكلما استعدنا قدرتنا على الاحتفال بالوجود. وربما في هذا الامتداد المفتوح يكمن سرّ العمل وقيمته، إذ يتركنا في مواجهة السؤال، لا بحثًا عن إجابة نهائية، بل لمواصلة الحكاية، وكأننا نتعلم، للمرة الأولى، كيف نكون جمهورًا لذواتنا.

بشرى بن فاطمة – صحيفة العرب

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
error: المحتوى محمي !!