روح المسرح..

إن العنصر الأساسي في المسرح هو الممثل، الذي ظل مصدر النزاعات حتى صار كاهن المسرح بمختلف أفضيته الداخلية والخارجية، ارتدى هذا الممثل وخلع، ولكنه العنصر الأساسي في المسرح منذ بداياته وحتى القرون الألفية الراهنة والقادمة.
وُجد هذا الممثل في ظروف صعبة لم تساعده على التجلي والإبداع، فصارت كل الأشياء المصطنعة تحول الطاقة الفاعلة لديه إلى مادة ميتة.
إن الممثل مثل السوبر ماريونيت، مادة بيضاء لا تطفئ ما يوجد فيها، وقد ساهم مخرجون مبدعون مثل فاختنجوف وتادوش كانتور، بإزالة الزيف عن الممثل، وقام ليستراسبورج وغروتوفسكي باكتشافات مهمة طورت من أداء الممثل، ومن المعروف أن جوهر الممثل الطبيعي والواقعي هو المعايشة والذوبان في الدور حتى النهاية، ولقد وقف مايرخولد وتايروف ضد هذا النهج باعتبار أن هذا الذوبان عملية ليس فيها إبداع، لأن العلاقة الحية والفعَّالة هي المهمة بين الممثل وجمهوره، وهذا أدى بنا ـ بطبيعة الحال ـ إلى أن التمثيل عبارة عن خلاصة الانفعالات الإنسانية وهي التي تؤدي إلى الإبداع وإلى الوصول بنا إلى شكل أشبه بالمعزوفة الموسيقية الرفيعة منه إلى فوتوغرافية الواقع والحياة.
إن تجسيد الممثل لدوره يعتبر رؤية إبداعية تصل بنا إلى الفن المبدع في المسرح، فكل المسرحيين الذين أضاءوا لنا المسرح إضاءة غير تقليدية لم يتخلف عنهم الممثل ولم يستطيعوا أن يتخلوا عنه، ولأن التجريب تطور، كان على الممثل أن يطور من أدوات لغته.
إن قضية الإيهام والتصوير الفوتوغرافي لم تعد مهمة لدى الممثل، إن المهم لدى الممثل هو في أن يؤدي دوره ضمن مسافة دقيقة حتى لا يتعايش مع دوره إلى النهاية، لم يعد هذا الممثل ممثلاً للطبيعة، وإنما للعمل الفني، ولم يعد المسرح مسرحًا للنجوم، المسرح فن جماعي متجدد وإن اختزلت الجماعة في فرد واحد، أصبح المسرح يتعامل مع فنانين غير محترفين، هواة وعاشقين للمسرح، ويؤكد هذا التعامل المغاير غروتوفسكي وتادوش كانتور ووجوزيف تشاينا، إنهم يتعاملون مع ممثلين هواة ولكنهم قدموا أعمال مهمة للمسرح.
إن الممثل ونفسه، الممثل ودوره، لم يسخر منهما غروتوفسكي، إنه أعاد تشكيلهما واستلهم منهما وطورهما، فالممثلون عند غروتوفسكي لا يعايشون الدور والشخصية، ولكنهم أيضًا لا يعايشون ذواتهم، إنهم يبحثون عن شيء غير مباشر، إنهم يبحثون عن الألم الإنساني الذي تعيشه هذه الشخصية الممثل، ولأن الثراء اللامحدود في أداء ومهنة الممثل لدى مسرح غروتوفسكي وصل إلى أقصى الحدود، وصل معه غروتوفسكي إلى حيرة، لقد تجاوز وتخطى بهذا الثراء حدود المسرح، فكانت الورشة المسرحية لديه تخطيًا لما كان يسمى أو يعرف بالمسرح، لقد وصل غروتوفسكي إلى الحد الأقصى في التجريب، وصل إلى المسرح الذي يؤدى خارج أطر المبنى، واستطاع أن ينظم لقاءات حية بين ممثليه والمتلقين من الجمهور، إن هذه اللقاءات جعلت معمل غروتوفسكي المسرحي موجودًا حيث يوجد هو.
يقول غريغوري: «إن تجربة غروتوفسكي جددت تفكيرنا في المسرح، ربما لم نصل إلى نتائج محددة أو إلى مسرح تقليدي مفهوم، ولكن الإبداع التطبيقي هو الذي سوف يستمر ولو بعد وقت طويل» ويضيف: «إن لقائي مع بولندا جعلني أعثر على الحياة، لقد استطعت أن أجد تواصلاً مع الناس، شيء من قبيل الثورة، الثورة الإبداعية وليست السياسية، شيء يجعلنا نقول بأن الحياة تحيا والموت يموت».
كما لعبت الحركة التشكيلية دورًا أساسيًا في تشكيل الممثل، ولذلك نجد أن تشاينا وكانتور أكثر أولئك غيروا في المسرح على مستوى الفن التشكيلي، وإذا ابتعدنا قليلاً عن هذه المرجعية أجد أنه لنا أسوة في معمل النحت البصري والتشكيلي لدى المخرج التونسي المبدع توفيق الجبالي الذي اتكأت تجربته الإخراجية منذ التأسيس الأول لعروضه المسرحية على هذا الأفق الخلاق الذي منح تجربته بعدًا فلسفيًا جديرًا بالاهتمام والتأمل.
ولذلك نجد أن تشاينا وكانتور أكثر أولئك الذين غيَّروا في المسرح على مستوى الفن التشكيلي، إن الصورة البصرية لدى تشاينا تلعب دورًا أساسيًا في المسرح، إنه يرى إلى الكتاب باعتباره صورة، فالكلمة إذن لديه عنصر يستثير مخيلة السامع حتى تترجم إلى صورة تصل به إلى المسرح، والمسرح عند تشاينا مسرح بلا إيهام، والممثل أصبح لديه كما لو كان تمثالاً في عملية تشكيلية، إنه حدث، إنه حركة، إنه حالة، إنه يمثل عن طريق تشكيل جسده ويقدم لنا أدوارًا عدة مختلفة، وبدون هذه المهارة التشكيلية للجسد يعتبر الممثل مؤديًا تقليديًا، أما تادوش كانتور فقد وصل إلى قاعدة أساسية، وهي أن الممثل مهما قام بأدوار، في النهاية هو إنسان له مشاعره وطاقته الإبداعية وحريته في التعبير.
ويرى كانتور أن الممثل لا يستطيع أن يعبر عن كل شيء، لذلك كان يستخدم المانيكان أو التمثال الشمعي باعتباره ممثلاً، ولكنه لا يستغني عن الممثل.
يقول كانتور: «إنه نوع من السذاجة أن أستغني عن الممثل، إنه مادة حية قائمة بذاتها، وتستطيع أن تؤكد كل المعاني التي أن أعبر عنها».
إن ممثلي كانتور كانوا ممثلين له فقط، وكانوا يتشكلون وفق ما يريده هو، وليس كما هو حال واقع مسرحنا العربي تحديدًا، إذ الممثل رهن الحاجة لدى كثير من المخرجين وليس بوصفه ضرورة لا تنفصم عن رؤية مختبرية اعتمل في روحها هذا الممثل حتى صار جزءًا لا يتجزأ من تكوينها.
إن القرن العشرين ـ كما تقول الباحثة والمحاضرة البولندية باربار ألاسونسكا ـ كان يعتقد أنه يستطيع أن يستغني عن الممثل، ولكن التجربة أثبتت العكس، إذ حتى أكثر التجارب تطورًا وتطرفًا لم تستطع أن تخرق حقائق المسرح. ومعنى هذا، هل نستطيع أن نقول بأن الممثل سوف يتواجد دوره الحي إلى الأبد؟
هو سؤال ولكن كيف؟ والأهم من كل ذلك: من هو هذا الممثل الذي يستطيع في حالتنا المسرحية العربية أن يمنح روحه هذه المسؤولية الصعبة والإشكالية كي يظل متواجدًا حيًا إلى الأبد؟
يوسف الحمدان – الأيام البحرينية



