ثقافة

بطل واسيني الأعرج يتعثر في الوصول إلى مأدبة نوبل

السخرية السوداء في رواية "مستر ولا شي" تفضح عالم الزيف

ملخص

قد تكون رواية “مستر ولا شي: مأدبة جائزة نوبل الأخيرة” (دار دون، 2026) للروائي واسيني الأعرج، جزائرية تماماً، بجوها ووقائعها وأمكنتها، كما بشخصياتها وطبائعهم، وبعض الأسماء والرموز. لكنها تبدو في منحى آخر كأنها تخاطب القارئ العربي، حتى ليغدو معنياً بها، لا سيما في قضية العلاقة بين جائزة نوبل والأدب العربي، وبين الجوائز الروائية والروائيين العرب.

ما برحت جائزة نوبل تشغل المعترك العربي، بما تطرح من أسئلة حول “تجاهل” الأكاديمية السويدية الإبداع العربي، الشعري والروائي.

ولا تنحصر قضية التجاهل هذه في نواحٍ إبداعية صرفة، بل تشمل معنى الحضور العالمي للثقافة العربية، التي تندرج في هذا القبيل، في “الهامش” و”جغرافيا الأطراف”. ومعروف أن نجيب محفوظ الفائز بـ”نوبل”، بات يعد، بعد 40 عاماً على فوزه، أشبه بـ”فلتة شوط”، بينما غدا ورود اسم أدونيس في قائمة المراهنات السنوية، مثل “الضرب في الرمل”. غير أن واسيني لم يتطرق إلى هذه القضية الإشكالية في روايته مباشرة، بل قاربها من خلال شخصية الكاتب المغبون، نوفل، الذي بدا كأنه طيف لـ”رجل المانشا” في دونكيشوتيته “البارودية”.

أما القضية الثانية التي تضعها رواية واسيني على المحك، وإن تلميحاً، فهي الجوائز الروائية، التي تشغل الوسط الروائي العربي والروائيين أنفسهم، فالبطل نوفل آل فريد يعترف بأنه لا يكتب للجوائز بل لنفسه، على رغم حصاده الجوائز المحلية، لقاء غزارته الإنتاجية. وبلغت أعماله المئة رواية ورواية (101)، وكانت الرواية الأخيرة التي عنونها بـ”مارلين مونرو في ضيعتنا” هي التي حفزته للترشح إلى جائزة نوبل. فهي تدور حول زيارة مارلين مونرو للجزائر، وملاحقة جون كينيدي إياها.

يبدو واضحاً أن واسيني لا يهدف في روايته إلى مقارعة جائزة نوبل ولا الأكاديمية السويدية، فهو من قراء معظم الكتاب النوبليين الكبار، بل يسعى إلى فضح ما يُسمى “حمى” نوبل في ظاهرها العربي، وتعرية لعبة السمسرة والسماسرة وسوق الأوهام، ووكلاء المجد الكاذب.

في هذه الرواية، يتجه واسيني إلى أفق غير مطروق سابقاً في مشروعه الروائي، فبعد خوضه الرواية التاريخية عبر حرب التحرير والعشرية السوداء والقضية الفلسطينية، والرواية التراثية والسيرية والتراسلية والبوليسية، معتمداً تقنيات سردية متعددة، ومدارس وأساليب، يعمد إلى الدمج بين الواقعية والساتيرية والتراجي – كوميديا، والكوميديا السوداء والديستوبيا والتخييل وسواها، ليخلص إلى صيغة مفتوحة على أزمة الإنسان المعاصر، الفردية والجماعية، وأحوال اغترابه الوجودي، وخيباته السياسية والاجتماعية، في عالم متصدع وواقع معطوب.

أبطال ومقهى

لعل اللافت أولاً (والطريف) أن واسيني يهدي روايته إلى أبطالها أو أبطاله فيها، واصفاً إياهم بـ”أبهى الأصدقاء” وهم على التوالي: نوفل آل فريد والزبير بالبحري ومولاي أحمد جعبوق بن فرماش وداوود بالجني، وزها وشميسة والسيدة سراب (مدام ميراج)، والفنان الضائع أنجيلوتي والشرطية الطيبة سامية وسواهم. ويهدي الرواية أيضاً إلى مقهى “المكتوب” (لا ديستينيه) في ما يشبه التحية إليه بصفته مقهى الأصدقاء، الذي ما لبث أن هُدم في سبيل توسعة واجهة البحر.

اختار واسيني صفة “ولاشي” ليطلقها على هذا “المستر”. لم يصفه بـ”لا أحد” على طريقة فرناندو بيسوا وسواه. الكاتب نوفل هو “مستر” أي سيد، ولكن بصفة هي الأدنى وربما الأحقر. ليس المقصود هنا “طباقاً” لفظياً في العنوان، بل في ما تضمره الرواية وتعلنه من هجاء. فالمستر نوفل ينتقل من حال الوهم أو الأمل الموهوم، إلى الحقيقة المرة، ومن كونه كاتباً مكرساً إلى كاتب معدم، ومن تتويج متخيل إلى خيبة قاسية. بدءاً من العنوان تحاكم الرواية الكاتب نوفل، وترقى به إلى مرتبة “المستر” ثم تحط به إلى حضيض “اللاشيء”.

لم يكن بريئاً، اختيار واسيني، أو اشتقاقه اسم بطله نوفل آل فريد، فهو قصد أن يوقع “مستر ولا شي” ضحية لعبة لغوية حاكها بخبث، صديقه داوود بلجني الشاعر الذي أصبح صاحب مزرعة حيوانات. وقد تمكن في لعبته هذه، من إيهام نوفل بأن القدر جعله رديفاً، في الأقل بالاسم، لمؤسس جائزة نوبل، الفريد نوبل، مما يفتح باب الحظ أمامه، ويدفعه إلى الترشح لجائزة، وبخاصة أن الكاتب بلغ المئة والرواية في مسار إنتاجه. وقع نوفل في فخ التأويل هذا، وصدق أن اسمه يحمل تنبؤاً بالأمر، وأن المصادفة هذه هي شغل القدر، وأن التشابه اللغوي علامة استحقاق. ظل داوود يتحايل عليه حتى أقنعه بأنه صاحب موهبة تقارب العبقرية. فعدد كتبه لم يصل إليه سوى بضعة من الأدباء العباقرة في العالم، مما يعني أن داوود تمكن من الضرب على وتر صديقه “الحساس”. وقد شاركه في هذه المؤامرة سائر الأصدقاء، بغية ممارسة مؤامرة هزلية جماعية. وبحسب معايير اللعبة، راح نوفل يجمع ما توافر لديه من نسخ لأعماله، من أجل إرسالها إلى أكاديمية نوبل في ستوكهولم، كي يلبي شروط الترشح للجائزة.

حلم الفوز بنوبل

منذ تلك اللحظات “الحاسمة”، وقع نوفل في حال من الوهم النفساني، فأبصر حلماً “نوبليا” وجد نفسه فيه يمشي نحو منصة التتويج في قصر الأكاديمية – ستوكهولم، ترافقه مترجمته المتوهمة، كي يتسلم درع الجائزة. وهنا يزيد واسيني من عمق “الحفرة” فيجعل بطله الحالم يطرح في رسالة الترشح قضية إغفال الجائزة الأدب العربي، وضرورة تصحيح مسارها، وتحديداً عبره، هو الفائز، فتعيد إلى العرب حقهم المهدور.

 وفي ميكانيزم اللعبة، تبرز مدام “سراب” أو “ميراج” الذي يندرج اسمها في معجم “الإيهام”، فهي موظفة في شركة البريد، تصحح مسلك نوفل في الترشح وإرسال الكتب، وتقوده إلى مؤسسة “بيتنا” التي تتولى مساعدة الذين يودون التواصل مع الهيئات والمنظمات الدولية، وفي مقدمها الترشح إلى جائزة نوبل. وتوضح له أن الترشح يحتاج إلى توضيب ملف يضم السيرة الذاتية، وأسماء كل المؤلفات مع ملخصات لها، وشهادات من مرجعيات أدبية وثقافية مهمة. وأن الملف يجب أن يترجم ويختم، قبل إرساله إلى الأكاديمية السويدية.

فخ جديد

مرة أخرى يقع نوفل من غير أن يدري، في فخ جديد، أشد إحكاماً، بوصفه فخاً “مؤسساتياً”. هنا يبدأ دور “المؤسسة” الفاسدة التي تسمى “بيتنا”، والتي يمعن واسيني في تفكيكها وهتكها.

ينقاد نوفل في سلوك المخطط المرسوم، مثل “ديك” ذاهب إلى الذبح، مالياً طبعاً ومادياً، ويعمل بالنصيحة، ملبياً كل ما طلب منه. ويطمئن بعدما سدد كلفة الترشح والبريد والوعود، إلى أن ملفه اكتمل وصار في إدراج مؤسسة نوبل.

وهنا لا يتوانى واسيني عن جعل الإعلام العربي أيضاً شريكاً في المؤامرة، بل يذهب إلى فضح انجرافه في الأكاذيب، فتأتي شركة “بيتنا” بفريق تلفزيوني مزور، لإجراء حوار مصور مع نوفل. لكن من يطرح عليه الأسئلة شخصان مزوران أيضاً، هما المترجمة ماريا ما كنزي والإعلامي أوسكار ميرابي. وينقل إليه هذان أن كتبه وصلت إلى الأكاديمية السويدية وأنه بات من ضمن المؤهلين الخمسة الأخيرين للفوز. ومن خلال اللعبة طُلب منه أن يكتم الخبر حتى يوم الإعلان الرسمي خلال الـ19 من أكتوبر (تشرين الأول) 2025. وأُخضع لدورة تدريبية حول بروتوكول اللباس والتحدث والأكل وسواها.

لا شك في أن واسيني أسبغ على بطله نوفل بعضاً من “مظلومية” جوزيف ك، بطل كافكا، ولكن في منحى أقل سوداوية، فنوفل هو أيضاً ضحية لعبة حيكت حوله، ساعياً إلى فضح ألاعيب المؤسسات المسيطرة، رسمية كانت أم خاصة. هذه المؤسسات الفاسدة التي تجعل من الإنسان “برغياً” في آلتها الضخمة التي لا ترحم.

في صفحات “الخيبة” التي ستصيب نوفل، بعد انكشاف الزيف وحدوث الفضيحة، ينجح واسيني في صوغ مشهدية الحدث، أو “طقوسيته” الهزلية. فعندما يحين يوم إعلان الفائز بنوبل، الـ19 من أكتوبر، يُعدّ المتواطئون جلسة تتوسطها شاشة قناة فضائية تتولى بث اسم الفائز، مباشرة. كان نوفل في حال من التوتر، بعد أيام الانتظار المضني، وما إن أُعلن أن اسم الفائزة هي الكاتبة الكورية الجنوبية هان كانغ، حتى حل ما يشبه الكارثة. وبينما كان المذيع يُفصّل حيثيات الفوز، وقع نوفل في حال من التشوش والتبدد. وشرع الأصدقاء الماكرون يعزونه ويخففون من كربه، مقنعين إياه أن في الأمر إشكالا معيناً، واعدين بدعمه أمام القانون.

في تلك اللحظات المأسوية خرج نوفل عن طوره واكتشف المؤامرة والكذبة الكبيرة التي انطلت عليه، وكذلك زيف مؤسسة “بيتنا”، ومكر أصدقائه، وفقدان ماله. ثم يدخل السجن عقب اعتدائه على سكر عبدالنبي وصديقته، اللذين أديا دوري الإعلاميين المزيفين.

العائلة المعطوبة

لكنّ ثمة نهاية أخرى عرفها نوفل، سبقت هذه النهاية، تتمثل في هجر زوجته وبناته العشر له ومغادرتهن البيت والمدينة إلى القرية، وهناك تزوجت زوجته مرة ثانية وظلت على اسمه.

 لعل قدر نوفل العائلي هو من أشد مآسيه وأحلكها، فهو رُزق عشر بنات، “معطوبات” بمعظمهن، جسدياً ونفسانياً وسلوكياً، وقد اطلق عليهن اسماء كانت على النقيض من احوالهن ومظاهرنّ: “جميلة” مصابة بالتوحد، “زكية” ولدت بلا رجلين،”لالة مولاتي” ضريرة، “سلسبيل” عوجاء اليد، “أم كلثوم” بلا أوتار صوتية… أما الفتى الوحيد الذي أنجبه وسماه أيوب، فسقط من البناء وتمزق، وكان موته السبب في تمزق العائلة.

منذ عنوان الرواية بدا واسيني كأنه لا يسمي بطله نوفل “مستر ولا شي”، إلا ليحاكمه؛ مرتقياً به ومسقطاً إياه في لحظة واحدة. بل هو يعمد الى تعريته حتى لا يبقى منه شيء بعد سقوط الاعتراف به. لكنّ واسيني لم يعلن نوفل الكاتب أو الروائي،  بصفته نموذجاً،  بل ظلاً مشوهاً. نوفل بريء حتى السذاجة، ضحية ومتآمر، مخدوع وخادع، ومصاب بحمّى الجوائز.

 ليس مستغربا أن يستهل واسيني الرواية ب “فخ” لغوي، لا يلبث أن يتسع ليستحيل “فخاً” شاملاً، يقع فيه الضحايا والمتآمرون او “الجلادون”، الأبرياء والفاسدون، الفرد والمؤسسة. ولعله “فخ” بناه واسيني انطلاقا من هندسة الإيهام، ليجر إليه أيضا، الصداقة (أصدقاء نوفل)، والحنين (المقهى)، الحلم والأمل، السلطة (المؤسسة المزيفة)، الإعلام … وربما القراء الذين يشاركون في اللعبة من خارج، فيشهدون، مصدقين وغير مصدقين.

عبده وازان – إندبندنت عربية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: المحتوى محمي !!