أخبار مسرحية
مسرحية “ُهوما ” للمخرجة “سيرين قنون”: العزلة وتشظّي الذات في فضاء مسرحي خانق.

العرض التونسي “هُوما ” المشارك في مهرجان المسرح الدولي الذي عرض على المسرح الرئيسي في المركز الثقافي الملكي ،يخرج المتلقي وهو مثقل بمتوالية من الأسئلة، التي حملها من العرض ، أسئلة التشظّي، والمراوحة في منطقة السلطة الذكورية والسلطة الاجتماعية، وانعكاسها على الذات في منظومة علاقاتها مع نفسها ومع الآخر، وأسئلة العنف والهوية والجسد والمشاعر، والذكريات المريرة، والوقت المهدور، وزمن ضاع في الفراغ،وهذه العلاقة المتشعّبة والمعقدة، التي تنتقل بين الأجيال في مجتمعات لم تحسم موقفها بعد مع الذات ومع المجتمع.

المخرجة “سيرين قنون” شاركت في صياغة النص، حتى يكون عندها المرونة اللازمة من أجل مقترحات فكرية وفنية للعرض، لتنجح في تقديم نفسها كمخرجة مُتمرِّدة على الحكاية التقليدية، وعلى سطوة النص، والتركيز على المشهدية البصرية، بالنفاذ إلى تلك الهشاشة الداخلية للشخصيات، وحالة التشظّي، وعدم اليقين، والمراوحة بين ضغوط القمع الخارجي والسلطة الذكورية، هذه المراوحة التي أثقلت روح الشخصيات، مما أعطى المخرجة مدخلاً للجسد ليكون قنطرة يعبر عليها المعنى والدلالة.
إن اشتغال المخرجة على النص وظّفَته لتحقيق رسالة العرض، فالنص فضاء مفتوح، ليس محكوماً بحكاية تقليدية، في حوارات غير مكتملة، تعكس حالة عدم اليقين عند الشخصيات، وغربتها عن ذاتها، وازدواجية إحساسها، وما بين الكلام والصمت، تتكشّف مساحات غامضة في دواخل الشخصيات، لتزيد من أزمتها وعدم قدرتها على الانعتاق من هذه الشرنقة القاسية التي تعيشها.
هذا الأسلوب بالاشتغال على النص، لتعطي مساحة أوسع للجسد وملحقات العرض المسرحي، للوصول إلى دواخل الشخصيات، وتوظيف الإحساس الداخلي مع الحركة الخارجية، فكانت هذه الحركة المُقنَّنة والمحسوبة، لتعميق ثنائيات الأسئلة عن الواقع الذي تعيشه والهذيان، والعزلة وذكرياتها، والإيهام بالتماسك والتشظّي، المُتَمَنَّى والمُشْتَهى، والخوف والتردّد، فالجسد عند “قنون”، بإيقاعه الداخلي والخارجي، كان مثقلاً ومحاصراً وعاجزاً، يرنو إلى الخلاص، لكنه يفتقد الأدوات أمام سطوة التردّد والتشظّي الداخلي، وحصار “السجن الكبير” المنظومة الاجتماعية الخارجية.

سينوغرافيا العرض، من إضاءة وموسيقى، مُوَظَّفة لخدمة فكرة العرض، فهي لم تكن تُهَيِّئ للحدث أو تُمَهِّد له، كما أنها لم تعمل على تفسير أو توضيح المشهد، إنما تعمل على تعميق تشظّي وعزلة الشخصيات، وبقائها معلَّقة في اللايقين، يعزّز ذلك الموسيقى والمؤثرات، التي جاءت وكأنها أصوات قادمة من الداخل بكل ما فيه من تيه وفراغ وتردّد.
ألأداء المدهش للممثلين، بهذا التناغم والحيوية والإيقاع، والتعبير المُتقَن من خلال الفهم العميق للشخصية ومقاصد العرض، وتوظيف قدرات وإمكانيات الجسد بذكاء، ليكون أداة تعبير، فكان هذا الإيقاع الداخلي والخارجي الموزون، الذي حمل الشخصية بكل انكساراتها وهشاشتها واختناقها، وصراعها مع ضعفها وسلطتها، وعدم قدرتها على التواصل، فكل شخصية رهينة لعالمها الداخلي بكل عجزه، رغم أنهما تعيشان في نفس المكان،لكنهما مثل المرايا لبعضهما البعض، ليس من باب التكامل،انما تاكيدا على تشاركية الانشطار والعجز ، فكانت مقترحات الأداء التي تناغمت وعزّزت عزلتها وعدم قدرتها على الفعل، ونقل هذه العدوى إلى المتلقي بشكل أسئلة مربكة ومقلقة.

“هُوما ” مغامرة جمالية وفنية وفكرية للمخرجة “سيرين قنون”، وامسكت بوعي في مفردات العمل،باقتحامها مساحة لها علاقة بالإنسان بكل ما يعيشه من مؤثرات لها صلة بالموروث الاجتماعي، وقيم العصر، وانزياح القيم الإنسانية الحقيقية، وتغوّل السلطة، وتكريس مفهوم الهيمنة على الفرد وعلى المجتمعات، كما أنها تذهب إلى الأصعب، بملامسة الإنسان من الداخل بما هو معروف وما هو مسكوت عنه، ولكن بأدوات تعبير واعية، بفهم لعناصر العرض المسرحي، وبشكل خاص توظيف الجسد، الذي أصبح مفهوماً “غائماً” عند كثير من الأعمال المسرحية العربية التي نشاهدها بين الحين والآخَر..
المسرحية من تأليف وإخراج سيرين قنون، وشاركها في النص “حمدي حدة”، ومن تمثيل “بحري الرحالي وعبد المنعم شويات”، سينوغرافيا “بلال بن رمضان”،ومساعد في الاخراج “ماهر مصدق”.وموسيقى “حمزة بوشناق”. ومصمم الاضاءة “محمد صالح مداني”.
رسمي محاسنة – صوت العرب



