فى زيارة إلى أهم مسرحياته الشعرية.. عزيز أباظة
ثورة يوليو تجد سبيلا لمسرحيته «غروب الأندلس».. وإشادة بأسلوبه من «سمو المعانى وصفاء المخيلة»

نؤمن أن من أهم أدوار هذه الزاوية، هو استحضار أحداث وشخصيات قد تكون عظيمة الأثر فى زمنها وعظيمة الذكرى لدى البعض، ولكن ليس لدى الجميع. ومن هؤلاء السياسى والمسرحى والشاعر عزيز أباظة، الذى ولد فى 13 أغسطس عام 1898، وتوفى فى مثل يوم غد، 11 يوليو 1973.
بتاريخ الثالث من ديسمبر 1952، ما يعنى بعد مرور شهور قليلة على وقوع ثورة 23 يوليو، كتب الشاعر الكبير والمحقق الأدبى أحمد عبد المجيد الغزالى، على صفحات «الأهرام»، وتحت عنوان «غروب الأندلس». وأدنى العنوان، جاءت كلماته مستهلا بالربط بين تجربتى أحمد شوقى وعزيز أباظة، وذلك كالتالي: «أشفق رواد المسرح العربى على الشعر المسرحى بعد أن استراح شوقى من صراع الحياة وعنت الحياة، غير أن إشفاقهم لم يعمر طويلا، فإذا هم بين عشية وضحاها يستشرفون آفاقا جديدة وافدة عليهم تزخر بأكرم المعانى وأدق الأخلية وأنبل العواطف فى (النفحة الأولي) للشاعر الذى أصبح، (فوجد نفسه مشهورا) كما يقول بيرون (فى إشارة إلى مقولة الشاعر الإنجليزى الشهير جورج جوردون بايرون صاحب القصيدة الملحمية تشايلد هارولد)».
البداية من «قيس ولبنى»
يكمل الغزالى كاتبا ونستعرض ببعض التصرف: «كانت هذه النفحة الأولى هى (قيس ولبنى) وكان هذا الشاعر هو عزيز أباظة الذى أغنى المسرح العربى فوالاه بروائعه الخوالد: قيس ولبنى، العباسية، الناصر، شجرة الدر، ثم غروب الأندلس… عن الذين أسرفوا على أنفسهم من أدبائنا الأعلام.. حفلوا بعزيز أباظة وأشادوا بعبقريته، فكانت هذه شهادة حق انتزعها عزيز من أقلام النقدة الأشداء. ومن حق عزيز على تاريخ الأدب المعاصر أن يباهى به شاعرا أمس حجة بالغة على أن الشعر العربى استدرك ما فاته من الفن المسرحي».
وينتقل من العام إلى التجربة الخاصة بـ «غروب الأندلس»، فيقول: «و(غروب الأندلس) فيها الشاهد على ما أقول، وفيها شىء آخر، لم يوفر لمسرحية من مسرحيات الشاعر، ذلكم الشيء هو التجاوب العميق الدقيق بين الأحداث التى عصف بآخر ملوك الطوائف بالأندلس، والأحداث التى أطاحت بطاغية مصر المخلوع مع فارق من صنع الله جلت قدرته، ذلك أنه قيض سبحانه لمصر جيشها الباسل فجنبها عاديات الزمن التى طوت الأندلس العربية. والحقيقة التى لا تختلج الشك هى أن شاعرنا انتهى من مسرحيته، قبل وثبة الجيش التى خلقت مصر خلقا جديدا. وأذكر أننى لقيت الشاعر الكبير بمنزله منذ نصف عام تقريبا، وتطرق الحديث إلى (غروب الأندلس)، فقلت له: تأمل يا سيدى أن تجد هذه المسرحية طريقها إلى الناس؟ ونحن فى مصر… فقال ومن يدرى فربما وجدت (غروب الأندلس) طريقها إلى الناس، يوم تغرب من سماء مصر هذه السحب الكريهة القاتمة.. فقلت: هيهات.. غير أن الله حقق ما كان يدور بخلد الشاعر، فتوالت أحداث سراعا ، ووجدت (غروب الأندلس) فعلا طريقها إلى الناس، حاملة إليهم العظة الحسنة.. وقد تصرف الشاعر فى حقائق التاريخ القديم تصرفا أملته حقائق التاريخ الحديث، تلك الحقائق البشعة التى كانت تعانيها مصر وترزح تحت أعبائها الثقال، قبل حركة البواسل».
إشراق الديباجة وسمو المعاني
ثم ينتقل الغزالى إلى سمات التجربة الشعرية لدى أباظة، فيكتب: «أما عن صاحب (غروب الأندلس) فمن سماته المميزة، فحولة العبارة، وإشراق الديباجة، فى حفاوة بينة بسمو المعانى، وصفاء الأخيلة، ورقة الألفاظ. ومن خصائصه أيضا حرصه على الدقة فى رسم الشخوص، وتصميمه على سبر أغوارهم، ليصور لك فى أمانة وصدق حياتهم التى كانوا يحيونها، والأساليب التى كانوا يؤثرونها فى كل ما يصدر عنهم من شئون الحكم والسياسة.. وأهاب المؤلف بالعرب أن يقفوا كالبنيان المرصوص، بعيدين عن الأثرة، حتى لا يفشلوا وتذهب ريحهم، كما استبيحت الأندلس، وضيع الإسلام بين نوازع الفرقة وإيثار ملوك الشرق السلامة فى بعدهم عن التجمع، وتوحيد جهود لمواجهة المحن والأحداث.
كل يقول ( أنا) ولو قد قلتم (نحن) اتقيتم محنة الأيام تتناحرون ممالكا وطوائفا والشرق بينكم الجريح الدامي»
وقد جاء هذا النقد والتحليل من جانب الغزالى، بعد عرض مسرحية «غروب الأندلس» التى كان من مشاهديها الرئيس المصرى حينذاك محمد نجيب، والذى أوردت «الأهرام» فى عدد 20 نوفمبر 1952، أنه التقى عزيز أباظة، وهنأه على عمله، قائلا: «إن مسرحيته تعتبر مثلا لما يجب أن يقدم على المسرح المصرى من ألوان فنية بعيدة عن الابتذال، وقد وعد الأستاذ أباظة بأن يقدم قريبا مسرحيات أخرى مماثلة».
كان هذا بعض ما ورد حول أحد أهم أعمال حامل لواء المسرح الشعرى .. عزيز أباظة، وذلك وفقا إلى «الأهرام».
يسرا الشرقاوي – الأهرام



