رائحة السجان… مفتاح ثريا لكشف جلادها البعثي
مسرحية "بروفة يوم الحساب" تقتبس فيلم "الموت والعذراء" وتفضح آلية التعذيب

ملخص
بنى فارس الذهبي فرضية نصه الجديد “بروفة يوم الحساب” على قيام ثريا (روبين عيسى) بالعثور على جلاّدها القديم فؤاد (جابر جوخدار) من طريق المصادفة. حدث ذلك عندما كانت المرأة تجلب بعض حاجياتها من سوق الخضار.
تتعرف السجينة ثريا، المعتقلة السابقة، إلى سجانها من رائحته النتنة وشكل أسنانه وضحكته المرعبة، فتقرر على الفور أن تشتري محلول الكلوروفورم وبعض القطن والشاش الطبيين من صيدلية مجاورة، ثم تقوم بتبليلهما بالمادة المخدرة ووضعها على فم الرجل الخمسيني، مما يؤدي إلى إصابته بالإغماء مباشرةً. عندها تصرخ المرأة الأربعينية مدعيةً بأنها بحاجة الى سيارة أجرة كي تنقل زوجها المريض إلى أقرب مستشفى. يتوافد الناس إليها من أرجاء السوق ويساعدونها على حمل الرجل ووضعه داخل التاكسي. ثم تتوجه به إلى المشغل الذي تستأجره رفقة سما (يارا صبري) صديقتها في المعتقل والناشطة السابقة، التي تعرضت هي الأُخرى للتعذيب والاغتصاب على يد الجلاد نفسه.
يبدو أن مؤلف مسرحية “بروفة يوم الحساب” فاته أن الصيدليات السورية تمنع بيع مادة الكلوروفورم إن كان بوصفة طبية أو من دونها، إذ توصف هذه المادة محلياً وعالمياً بأنها مادة كيميائية خطرة وسامة جداً. وتم إيقاف استخدامها كمخدِّر طبي منذ عقود، نظراً للآثار الجانبية التي تتركها على الكبد والقلب. إذاً هذه المادة لا تُطلب من الصيدليات، بل تباع عبر شركات كيميائية ومحال مستلزمات مخبرية مختصة، ويقتصر بيعها على الجامعات ومراكز الأبحاث وطلاب الكليات العلمية، لكن بعد تقديم وثيقة إثبات جامعية. إذاً من أين جاءت فكرة التخدير بالكلوروفورم لمؤلف العرض السوري؟
الجواب أن الكاتب استلهمها من فيلم “الموت والعذراء” (1994) لمخرجه رومان بولانسكي. الفيلم الروائي الطويل الذي لعبت بطولته سينغورني ويفر إلى جانب كلٍ من بن كينغسلي وستيوارت ويلسون، وتم اقتباسه عن مسرحية بالاسم نفسه للكاتب أرييل دورفمان (1942-) الذي شارك هو أيضاً في كتابة سيناريو الفيلم. ا
بين الكلوروفورم والمسدس
لواقع أن استخدام الكلوروفورم اقتصر على الشريط السينمائي من أجل إضفاء مصداقية على أحداثه وزيادة الإقناع درامياً، أما في النص المسرحي التشيلّي، فتعتمد البطلة على عنصر المباغتة وضرب غريمها بمسدس حربي على رأسه وهو نائم، ومن ثم تقييده بالحبال. في الفيلم تعثر باولينا على المخدِّر في حقيبة الطبيب ميراندا أثناء تفتيشها لسيارته. لا ننسى أن باولينا هذه في المسرحية ومثلها في الفيلم كانت طالبة مميزة في كلية الطب قبل أن تُعتقل وتتعرض للتعذيب والاغتصاب على يد سلطات الديكتاتور بينوشيه.
وكان من الطبيعي أن تعرف جيداً استخدامات الكلوروفورم، ثم أن وجود هذه المادة في حقيبة طبيب ليس مستغرباً، وذلك بغية تركيب بعض الكريمات والعقاقير. الأمر الذي لا نجد له سنداً درامياً مقنعاً في “بروفة يوم الحساب”، فثريا مع أنها كانت طالبة في كلية الصيدلة كما تخبرنا، إلا أنها لا تعرف أن استخدام الكلوروفورم ممنوع بيعه في الصيدليات السورية!
لم يكن مخدّر الكلوروفورم هو التفصيل الوحيد في محاكاة حبكة مسرحية (وفيلم) “الموت والعذراء”، إذ نكتشف بعد قليل أن فؤاد الملقب “الكلب” كان يستمع الى أغنية “ثورة الشك” لأم كلثوم كلما أراد أن يختار واحدة من المعتقلات كي يقوم بتعذيبها واغتصابها. تماماً مثلما كان يفعل الطبيب السادي ميراندا عندما كان يقوم هو الآخر بتعذيب ضحاياه من النساء واغتصابهن على أنغام رباعية شوبرت الشهيرة. وإن كان أمر الطبيب في المسرحية التشيلّية يُفتضح بعد أن يضطر لكتابة اعتراف خطي لضحيته، يذكر فيه تفاصيل عن الزنزانة وجسد باولينا لم يخبره بها زوجها، فإن كاتب “بروفة يوم الحساب” يلمّح إلى الخطأ ذاته الذي يقترفه الجلاد السوري بذكره لموضوع التظاهرات وإسقاط النظام.
الأمر الذي لا تتوقف عنده المرأتان الضحيتان طويلاً، ومع أن كلتا السيدتين تقومان بعقد محاكمة لجلادهما، إلا أن هذه المحاكمة لا تفضي إلى شيء سوى استذكار ماضيهما في المعتقل، وردّ فعل المجتمع المحافظ إزاء قضيتهما، بل ووسمهما بأنهما موضوع للفضيحة والعار.
محكمة باولينا لجلادها برفقة زوجها المحقق في لجنة العدالة الانتقالية وجرائم نظام بينوشيه في “الموت والعذراء”، تتكرر في “بروفة يوم الحساب” عن جرائم نظام البعث. العرض الذي أخرجه الفنان ماهر صليبي كأول تجربة من إنتاج وزارة الثقافة بعد عام ونيف من انقطاع موسم عروض الريبرتوار الرسمي السوري. يحضر هنا سؤال في صلب الفرضية التي استند إليها مؤلف المسرحية السورية، وهو لماذا لم تقم بطلتا العرض بطلب الهوية (البطاقة الشخصية) من غريمهما؟. الأمر الذي كان من الممكن أن يتحققا عبره من أنه هو ذاته الجلاد والمغتصب الذي كان يلتذ في تعذيبهما وتعذيب رفيقاتهن أو لا.
لكن هذا أيضاً لم يحدث. نسوق هنا هذا النقاش لكون العرض (مسرح الحمراء) اعتمد صيغة المسرح الواقعي في معالجة أحداثه وشخصياته. امرأتان تهربان من ماضي اعتقالهما في سجون النظام البائد، فبعد أن تمت مقاطعتهما من محيطهما الاجتماعي، تخلّى زوج سما عنها واقترن بامرأة أُخرى، وزوج ثريا فعل الأمر ذاته، فيما تنكرت والدتها لها وادّعت عدم معرفتها. ما كان من السيدتين إلا استئجار قبو مظلم حوّلتاه إلى مشغل للخياطة كي تعتمدا على نفسيهما وتتجنبا ذُلَّ السؤال.
وبالنظر إلى طبيعة الحوار بين كل من السيدتين نكتشف أن ثريا أخذت دور باولينا في إصرارها وتأكدها من أن الرجل الذي خطفته وجلبته عنوةً إلى مشغلها، ما هو سوى جلادها القديم، وليس كما يدّعي بأن اسمه عادل بائع خضار و”متعيش مياوم على باب الله”، يبحث عن إبرة أنسولين لزوجته المريضة بداء السكري. أما سما التي لا تريد أن تظلم شخصاً بريئاً، فكانت طيلة الوقت غير متأكدة أنه هو ذاته سجانها السادي.
وهذا ما يعادل في نص “الموت والعذراء” الدور الذي جسدته شخصية جيراردو زوج باولينا، الذي يقع في مأزق أخلاقي بين تصديقه لرواية زوجته وبين قيامه بواجبه القانوني إزاء محاكمة مجرمي العهد البائد. وإذا كانت بطلة مسرحية دورفمان قد ميزت جلادها من نبرة صوته ورائحة عطره وضحكته، لكونها كانت طوال جلسات التعذيب معصوبة العينين، فإن ثريا هي الأُخرى ميزت سجانها من رائحته النتنة وضحكته الأقرب إلى ضحكات الضباع، أما شكل أسنانه فهذا التفصيل يعني أنها كانت ترى جلادها بأم عينها، وكانت قد واجهته حين اعتقلها في بيتها.
الأمر الذي جعل من شك باولينا في “الموت والعذراء” مجالاً للريب والتعاطف مع امرأة جعل منها الاعتقال والتعذيب شخصية مهتزة نفسياً. أما في النسخة السورية فلا عُصابات على أعين المعتقلات، مما يجعل مسألة التثبت من هوية المجرم أكثر يسراً وسهولة!
بدا في “بروفة يوم الحساب” التركيز على السرد على حساب تدفق الأحداث، مما اضطر الممثلتين إلى استنزاف طاقتهما في تلوين مونولوغات طويلة نسبياً. فتأخر نمو الصراع إلى الثلث الأخير من العرض (90 دقيقة)، لا سيما عندما توقظ ثريا فؤاد برشقه بدلو ماء على وجهه. يمكن هنا ملاحظة تطور بطيء في دفع الأحداث قدماً، لكن ذلك ظل مرهوناً بحيرة الشخصيتين النسائيتين أمام رجل لم تتثبتا من هويته الشخصية. أدى ذلك إلى تراخ في الإيقاع ورتابة لم يكن من الصعب ملاحظتها، في حين كان من الممكن أن تقدم معالجة أكثر سخونة بين امرأتين خاضتا غمار النشاط الثوري ضد القمع والانتهاكات، ودفعتا الثمن مرتين.
مرة عندما دخلتا إلى غياهب المعتقل، ومرة حين عزلهما المجتمع وتركهما تجتران أحزان الماضي وويلاته. ربما كان من الأفضل تفعيل الشخصية المضادة (فؤاد) بإيقاظه بعد الدقائق الأولى من العرض، أما ما حدث فهو تعطيل لطرف أساسي من الصراع لمصلحة استدعاء الماضي على الخشبة.
وبالنظر إلى الإخراج يمكن الإطلالة أكثر فأكثر على معادلة بصرية لافتة. فالقبو تقابله زنزانة السجن المظلمة. والمانيكانات النسائية التي وظّفها الديكور (محمد كامل) لتكون بمثابة هيئة محلّفات افتراضية. أصوات ضحكاتهن (فارس الزراد) في أثناء جلسة المحاكمة والستائر الحمراء في العمق. الخيوط وبكَرَاتها المتدلية من أعلى الخشبة مع ماكينة الخياطة تشي بخيوط دماء ضحايا لم تجف بعد. جميع هذه العناصر لعبت دوراً في تقديم فضاء كثيف نفسياً ودلالياً، خفّف من ضعف البناء الدرامي. لعبت الإضاءة أيضاً (جوري الأكتع) دوراً حاسماً هنا عبر انتقالات لونية هادئة، أحالت بصرياً إلى ماضي القصة، وأسهمت الأزياء (ريم الماغوط) والمكياج (منور عقاد) في إضفاء مصداقية على أداء الممثلين الثلاثة بألوانها الخمرية والسوداء والبيضاء.
تضافر هذا كله مع أداء كان لافتاً في حرارته. تحديداً انغماس الممثلين العاطفي في محاكاة الأدوار المُسندة إليهم. تمثلهم لحظات من الرعب والقسوة لا يمكن لكل أنواع الصابون والاستحمام بالمياه الساخنة والملح محوها عن مسامات الجسد. لحظات تستردها روبين عيسى بمهارة مثلما تفسرها تأتأة يارا صبري ولعثمتها كأثر عميق تركه السجان في اللسان والنفس على حدٍ سواء.
ويمكن الوقوف طويلاً عند الموسيقى (كرم صليبي) التي جاءت بنبرة تصويرية واضحة. مقطوعات للكمان والبيانو والإيقاع، متداخلة في صيغة كابوسية تارة وحالمة تارة أخرى. جاءت عناصر العرض منسجمة مع قصة سيدتين مهيضتي الجناح، توارتا عن الأنظار. في الوقت الذي كان لا بد للقانون أن يرفع الحيف الواقع عليهما، إذ تطلق المرأتان سراح الجلاد بعد عدم تأكدهما من شخصيته، لكن فؤاد سرعان ما يعود إليهما بشخصيته الحقيقية. يعترف أنه هو ذاته فؤاد الكلب، وأنه اشتاق لهما ولسماع صراخهما، بعد كل نوبة تعذيب كان يقوم بها في المعتقل. يشتاق إليهما كفريستين قديمتين، ثم يعود للجلوس بين أطفاله وإلى مائدة العشاء مع زوجته وكأن شيئاً لم يكن. عندها يقرر الجلاد إعادة الكرّة من جديد، لكن سما تنهال بالمكواة على رأسه وهو يحاول الاعتداء على صديقتها، لتكون الخاتمة بالانتصار لعدالة يتم انتزاعها باليد، في مواجهة صلف السجان وعدم إدراكه للأهوال التي تركها في نفوس ضحاياه.
سامر محمد إسماعيل – إندبندنت عربية



