أخبار مسرحية

«الحب الحافي».. كوميديا سوداء تفكك متاهة العاطفة على خشبة المسرح الجامعي بالدار البيضاء

عرض مغربي يستنطق الحب والهوية والصراع الداخلي بلغة مسرحية تمزج الأداء الجسدي والموسيقى وتعدد اللغات ضمن فعاليات الدورة الـ38 للمهرجان الدولي للمسرح الجامعي

في أجواء تحتفي بالمسرح بوصفه فضاءً للتجريب والحوار، احتضن مسرح لارميطاج بمدينة الدار البيضاء، مساء الأربعاء، عرض مسرحية «الحب الحافي» لفرقة «Les Caméléons» المغربية، ضمن فعاليات الدورة الثامنة والثلاثين للمهرجان الدولي للمسرح الجامعي. وقدم العرض قراءة معاصرة لتجربة الحب، متكئاً على الكوميديا السوداء لتفكيك التناقضات النفسية والوجدانية التي يعيشها الإنسان في علاقاته العاطفية.

المسرحية، التي ألفها وأخرجها أمين بولحناش وتمتد على مدار ستين دقيقة، تروي حكاية شاب يعيش تجربة حب من طرف واحد، فيجد نفسه أسيراً لصراع داخلي بين أربع شخصيات تتنازع وعيه وتمثل رؤى متباينة للحياة: المثقف، ورجل الدين، والمهرج، والرجل الخشن. وتتبادل هذه الشخصيات قيادة البطل في محاولاته للوصول إلى محبوبته، غير أنها جميعها تنتهي إلى الإخفاق، ليتحول الحب إلى رحلة في أعماق الذات أكثر منه سعياً إلى الآخر.

ويقدم العمل مقاربة نقدية للعلاقات الإنسانية، متجاوزاً الحكاية العاطفية التقليدية إلى مساءلة الصور النمطية المرتبطة بالحب والرجولة والتعبير عن المشاعر. ومن خلال حس ساخر يقترب من الكوميديا السوداء، يطرح العرض أسئلة وجودية حول هشاشة الإنسان أمام عواطفه، وقدرته على الحفاظ على توازنه النفسي في مواجهة الخيبة.

واعتمدت الرؤية الإخراجية على ثنائية المكان المسرحي، إذ يتجاور فضاء متخيل تدور فيه الصراعات النفسية للبطل مع فضاء واقعي تتحرك فيه الشخصيات الأخرى، بما يعمق البعد الرمزي للعرض. كما استلهم العمل جماليات “مسرح الفضاء الفارغ”، فجعل من أداء الممثلين العنصر الرئيس في بناء الدلالة، مع توظيف مدروس للموسيقى والتعبير الجسدي والرقص المعاصر والغناء والإلقاء، إلى جانب تصميم صوتي وإضاءة يواكبان التحولات النفسية للشخصية الرئيسة ويمنحان العرض كثافة بصرية وشعورية.

ويتميز النص أيضاً بتعدد مستوياته اللغوية، إذ يمزج بين الدارجة المغربية والعربية الفصحى والفرنسية وفق طبيعة الشخصيات والمواقف الدرامية، في انعكاس للتنوع الثقافي واللغوي الذي يميز التجربة المسرحية المغربية المعاصرة.

وأوضح مخرج العمل، أمين بولحناش، أن المسرحية انطلقت من الرغبة في استكشاف الصراعات الداخلية التي ترافق تجربة الحب، مبيناً أن الشخصيات الأربع ليست سوى تجسيد لوجهات نظر متعارضة تتحكم في اختيارات الإنسان وتكشف تعقيد العلاقات الإنسانية.

وأضاف أن اللجوء إلى الكوميديا السوداء يتيح مقاربة أسئلة وجودية عميقة بلغة بسيطة وقريبة من الجمهور، مع التأكيد على أن الحب ينبغي أن يثري الإنسان لا أن يقوده إلى فقدان ذاته.

من جانبها، أكدت عضو اللجنة المنظمة للمهرجان، نسيمة بن رحمون، أن برمجة الدورة الحالية تعكس تنوع التجارب المسرحية الجامعية وانفتاحها على القضايا التي تشغل الشباب، مشيرة إلى أن «الحب الحافي» يجسد روح المهرجان من خلال الجمع بين الابتكار الفني والتفكير في الأسئلة المجتمعية، فضلاً عن إتاحة مساحة لإبراز الطاقات المسرحية الصاعدة.

وتضم فرقة «Les Caméléons»، التي تأسست سنة 2025 تحت إشراف جمعية «روح الخشبة»، طلبة المعهد العالي للفن المسرحي والتنشيط الثقافي، وتتبنى مشروعاً فنياً يقوم على التجريب وتطوير أداء الممثل، مع الاحتفاء بالتعدد اللغوي والثقافي المغربي عبر توظيف العربية والأمازيغية والحسانية في أعمالها.

وتتواصل فعاليات الدورة الثامنة والثلاثين للمهرجان الدولي للمسرح الجامعي بالدار البيضاء، بمشاركة أحد عشر عرضاً من المغرب وإيطاليا وإسبانيا وأرمينيا ومصر وتونس، إلى جانب ندوات فكرية وورشات تكوينية تستهدف الطلبة والممارسين الشباب، بما يعزز مكانة هذا الموعد الثقافي، الذي تنظمه كلية الآداب والعلوم الإنسانية بنمسيك، بوصفه أحد أبرز المنابر العربية والدولية لاكتشاف التجارب المسرحية الجديدة وترسيخ الحوار بين الثقافات.

صحيفة العرب

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: المحتوى محمي !!