أخبار مسرحية

ستانلي ويلز يرصد الحضور الشكسبيري خلال 4 قرون

"شكسبير لكل العصور" يلقي ضوءا جديدا على أسرار صاحب "هاملت"

ملخص

 في كتابه “شكسبير لكل العصور” يرصد ستانلي ويلز علامات استمرار تأثير الكاتب الإنجليزي الأشهر على مستوى عالمي، باعتباره “نبعاً رقراقاً” ليس في اللغة الإنجليزية وحدها، بل أيضاً في كثير من اللغات الأخرى، طوال القرون الأربعة الأخيرة وإلى مدى غير منظور.

يرى ستانلي ويلز، وهو من أهم دارسي شكسبير والمدافعين عنه في وجه المشككين في أنه صاحب ذلك الإرث العظيم من الأعمال المسرحية، أن الأبحاث الأثرية جعلتنا بما لا يضع مجالاً لأي شك قريبين من عالم شكسبير الطبيعي. ويرى أن الأعمال الفنية التي اتخذته مصدر إلهام هي شاهد على القوة المتغيرة لعبقريته، فيما أسهم انشغال الدارسين والنقاد به في زيادة فهم أعماله في ضوء العصر الذي كتبت فيه، وأيضاً في ضوء تأثيرها في العصور التالية ومن بينها عصرنا.

ولاحظ ويلز في كتابه “شكسبير لكل العصور” (ترجمة عصام عبدالرؤوف بديع، وصدر عن “المركز القومي للترجمة”) أن مسرحيات شكسبير لا تزال مزدهرة في لغات مختلفة وبأساليب متنوعة تراوح ما بين محاكاة الأصل والتجريب المحض. ومن ذلك على سبيل المثال تقديم “مكبث” في مدينة بيرغن النرويجية عام 2001، “على مائدة، وتجسيد بطلها في شكل ثمرة طماطم” (صفحة 462).

دور الترجمة

 

تولى ويلز منصب مدير “معهد شكسبير” في “جامعة برمنغهام” من عام 1988 إلى 1997. ثم شغل منصب مدير “مؤسسة شكسبير بيرث بليس ترسن”، المعنية بحماية مسقط رأس شكسبير في سترانفورد أبون أفون. وخلال هذه الفترة قام بإلقاء كثير من المحاضرات وحضور المؤتمرات وتنظيمها داخل البلاد وخارجها، وبمراجعة عدد كبير من الكتب والعروض المسرحية والبرامج الإذاعية والتلفزيونية، وأيضاً تأليف كثير من الكتب.

ويعتقد ويلز بأن شكسبير والحس بالهوية السياسية للأمة مرتبطان ارتباطاً وثيقاً، وتجلى ذلك مثلا في تقديم “عطيل” في جوهانسبرغ عام 1988 في ظل نظام الفصل العنصري، وتقديم “هاملت” عام 1987 في موسكو بطابع ثوري.       

عموماً يتناول الكتاب تطور صورة شكسبير خلال القرون الأربعة الأخيرة، ويميز المترجم محمد عناني في كلمة تصدرت الترجمة التي تولى مراجعتها، بين تلك الصورة لدى قارئ شكسبير بلغته الأصلية ولدى قرائه بلغات أخرى، “اللغة نتاج ثقافي تراثي ومعاصر معاً، وتحويل الأدب إلى لغة يتضمن تحويلات ثقافية محتومة، ما دام الأديب يخاطب قارئه، وهو يخاطبه بما يفهمه” (صفحة 10). ويرى عناني الذي يُعد أحد أبرز من نقلوا أعمال ويليم شكسبير إلى اللغة العربية، أن من الممكن أن نضيف إلى اختلاف صورة الكاتب عبر العصور، قضية اختلاف صورته، لا بين اللغات التي يترجم إليها فقط، بل بين المترجمين أنفسهم. ويؤكد أن دراسة تاريخ صورة شكسبير في العالم العربي هي خير دليل على هذا.

لقد رآه الناس خلال عصر “البعث” أو “الإحياء” شاعراً كبيراً، ورسموا في خيالهم له صورة تربطه بكبار الشعراء العرب. وعلى هذا ترجم محمد عفت عام 1900 مسرحية “مكبث” في نظم عمودي مقفى، وتلاه من مسرحياته مناسبات تقديم الأوبرات (أو الأوبريتات) الغنائية بالصورة التقليدية للغناء العثماني في مطلع القرن. ولم يبتعد أحمد شوقي من هذه الصورة العربية التراثية حين حاكى شكسبير في مسرحه الشعري ملتزماً قواعد فنه العربي، ومحافظاً في الوقت نفسه على صورة شكسبير العربية”.

 

والدارس لأساليب ترجمة شكسبير إلى العربية، يقول عناني، يرصد تطور فنون الأدب العربي نفسه في هذه الترجمات. وهو، ما يقطع بصحة مذهب النسبية “ما أؤمن به في صورة الأديب المرتبطة بثقافة العصر وفكره وأدبه”. ومع أن عناني يميل إلى ترجمة نظم شكسبير إلى نظم عربي يقوم على التفعيلة، فإنه لم ينكر على مطران خليل ترجمته بعض مسرحيات شكسبير إلى نثر عربي جزل، “إذ كان ذلك يستجيب لحاجة عصره إلى تمثيليات كلاسيكية بالفصحى، ينافس بها مسرح ’رمسيس‘ ليوسف وهبي، ومترجمات عزيز عيد عن الفرنسية”. ولاحظ عناني أن كتاب ويلز “لا تنحصر قيمته في ما يقدمه من معلومات تاريخية، على أهميتها، بل يرجع جانب من أهميته إلى القضايا التي أثارها”.      

أسطورة شكسبير

نجح الكاتب في دراسة نمو أسطورة شكسبير خلال القرنين الـ18 والـ19 بفضل كثير من الممثلين والنقاد والمحررين مثل ديفيد غاريك وصمويل جونسون. ونجح في تتبع صور الازدياد الملحوظ لحضور شكسبير عالمياً، في ظل ازدهار الاهتمام بالبيئة التاريخية والطبيعية لشكسبير. ومن ذلك زيارات السياح لستراتفورد في أونتاريو، “إذا واجهوا صعوبة في زيارة ستراتفورد في بريطانيا”، أو زيارة القرية التي تضم متنزهاً في اليابان وتحوي نسخة طبق الأصل من مسقط رأس شكسبير. لكنه لاحظ في الوقت نفسه أن الموسيقى تُعد من المجالات التي اضمحل فيها تأثير شكسبير، “بما أن قلة من الملحنين ما زالت تتخذه مصدراً للإلهام”. 

ولاحظ ويلز أن بريطانيا كانت تجمع شتات نفسها عقب الحرب العالمية الثانية، عندما حاولت التأكيد على القيم الثقافية أكثر من القيم العسكرية، بخاصة الاعتماد على شكسبير الذي أتى من الإحساس بأن متعة مشاهدة أعماله ومناقشتها تشكلان أرضاً يتقابل فيها الجميع وتنصهر فيها الحدود الدولية. فكان شكسبير يُعد في بعض الأماكن شخصية تعلو فوق السياسة، “وبالتالي فإنه يمثل قوة سلام كبيرة في الحلبة الدولية” (صفحة 424).  ورأى أن التجديد في مسرح شكسبير خارج بريطانيا كان أكثر بروزاً، ففي ألمانيا عام 1975 قام بيتر زادك بإخراج مسرحية “الملك لير” بصورة غير تقليدية.

أما الياباني يوكيو نيناغاوا، فمزج الأساليب المسرحية اليابانية مع نظيرتها الغربية في عروض مسرحية داخل الوطن. كانت عروضاً جريئة جداً، لكنها لم تكُن ناجحة بصورة كبيرة. وفي عرض مسرحية “الملك لير” لفرقة شكسبير الملكية قام نايجل هوثورن بدور الملك وقام الياباني هيرويوكي سانادا بدور المهرج. أما أريان منوشكين، فقامت بتوظيف بعض الأساليب المسرحية الشرقية في عروضها لمسرحيات شكسبير باللغة الفرنسية.

الهند وباكستان

 وكان تأسيس دوريات ومؤسسات جديدة لشكسبير في بلاد مختلفة أحد الظواهر الدولية الواعية التي ميَّزت أنشطة تناول أعمال شكسبير بعد الحرب. وعام 1979 أصبحت الهند البلد الأول الذي يؤسس جريدة مخصصة لمسرحية واحدة بعنوان “دراسات هاملت”، وكانت تصدر مرتين كل عام. وفي 1997 احتفلت باكستان بالذكرى الـ15 لعيد استقلالها من خلال مؤتمر افتتاحي لمؤسسة “عالمية شكسبير”.

وأرادت الولايات المتحدة الأميركية لأسباب مالية بصورة جزئية، أن تأخذ الريادة في دراسة ونقد شكسبير، على رغم ظهور الدراسات النقدية في الغالب من مطابع الجامعات البريطانية. وأتاحت المصادر الهائلة لمكتبة فولغر لشكسبير بالدراسة البارزة التي قام بها تشالتون هينمان للمجلد الأول لأعمال شكسبير، مستخدماً آلة للترتيب قام باختراعها، وقام بعمل مقارنة دقيقة لأسلوب طباعة واحدة من الـ80 نسخة الموجودة في المكتبة، وقام بعد ذلك بنشر دراسة موثوق بها بعنوان “طباعة وتنقيح المجلد الأول لأعمال شكسبير”، إضافة إلى طبعة نورتون طبق الأصل من ذلك المجلد.

وعام 1986 صدرت طبعة أكسفورد لأعمال شكسبير، ووصفها جون كاري في “صنداي تايمز” بأنها من أمتع الطبعات التي صدرت منذ عصر المجلد الأول لشكسبير. وجرى في هذا السياق استبعاد الأعمال التي نسبت إلى شكسبير من دون التأكد من أنه كتبها بالفعل. أما إدعاء بعضهم بأن هناك أعمالاً نسبت إلى شكسبير لا يمكن أن يكون هو مؤلفها، “لأنه من أصل متواضع”،  فيرد عليه ويلز بالقول “هؤلاء يقللون من قيمة تعلم شكسبير في سترانفورد”. ويضيف أنه يمكن الرد على هؤلاء بالاكتشاف المادي عام 1989 لبقايا مسرح “روز” الإليزابيثي، حيث قدمت مسرحية “تيتوس أندرونيكوس” وأيضاً في الأقل جزء واحد من مسرحية “هنري السادس”. وأتبع ذلك التعرف إلى المكان وتحديده، إضافة إلى اكتشاف جزء صغير من بقايا مسرح “غلوب” حيث قام شكسبير بعرض معظم أعماله.

ولاحظ أنه كان يمكن لكثير من الأفلام أن تكتسب أهمية كبيرة في نشر الاهتمام بشكسبير، “فجمهور السينما أكبر من جمهور المسرح”. ومن هذه الأفلام “مكبث” (1979) و”عطيل” (1951). وعملت الترجمة إلى اللغات الأخرى وأيضاً إعادة الصياغة على زيادة عالمية شكسبير، فتُعد تجربة شيقة أن تستمع إلى الموسيقى التصويرية الروسية لـ”الملك لير” و”هاملت” لغريغوري كوزينتزف، واعتمدت أفلام أكيرو كروساوا على “مكبث” فكان “عرش الدماء” (1957) و”فوضى الملك لير” (1985) يُعدان إعادة صياغة مبتكرة ومتألقة للنص الأصلي أكثر منها ترجمة إلى وسيط مختلف.

وتُعد أفلام شكسبير لفرانكو زيفيرلي أكثر شهرة في تقبلها ومن بينها “روميو وجولييت” (1968) الذي يعد مثل كثير من العروض المسرحية خلال العصر الفيكتوري، فهو غاية في الجمال من ناحية تناول النص، على رغم أنه لم يحقق نجاحاً كبيراً. ويقوم فيلم “ترويض الشرسة” (1966) لزيفيريلي على استغلال السحر الذي تتميز به إليزابيث تايلور وريتشارد برتون، وبجرأة يقوم بالعودة للمسرحية عبر طبعات فيرباكس وبيكفورد. أما فيلم “يوليوس قيصر” لجوزيف مانكيفيتش، فكان أكثر نجاحاً في دعمه للصدق الفني.  

علي عطا – إندبندنت عربية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: المحتوى محمي !!