أخبار مسرحية

المسرح العراقي في مواجهة العزوف الجماهيري

هل فقد المسرح جمهوره.. أم فقد الجمهور مسرحه؟

شهد المسرح في سبعينيات القرن الماضي حضورًا جماهيريًا لافتًا، وكان منبرًا حيًا يناقش قضايا المجتمع ويخاطب الناس مباشرة. واليوم، يرى كثيرون أن المسرح أصبح أكثر ميلًا إلى النخبوية، فيما تراجعت الأعمال التي تجمع بين الجودة الفنية والقدرة على التعبير عن هموم الإنسان العادي، على غرار ما نشهده في تجارب مسرحية عالمية رصينة.

توجهنا بالسؤال التالي لعدد من المسرحيين العراقيين: برأيكم، ما السبل الكفيلة بإعادة المسرح إلى موقعه الفاعل في المجتمع واستعادة جمهوره الواسع؟ وكيف يمكن تحقيق التوازن بين القيمة الفنية للمسرح وبين تقديم عروض تتناول قضايا الإنسان العادي بلغة قريبة منه، من دون التفريط بعمق الطرح وجديته؟

عزيز خيون مخرج وممثل

تزدهرُ الفنون بشكلٍ عام والمسرح بخاصة في أوقات الاستقرار، وعندما يتمكن الإنسان من إشباع حاجاته الأساسية الضرورية لتسديد طلبات الحياة، حين ذاك يبدأ يفكر بالأشياء التي تُجمّل أوقاته، تبني حياته بإشراقات السرور والبهجة. وتُجيب مرحلة السبعينيات خير إجابة عن هذه الحقيقة. فذاك الاستقرار النسبي الذي ربحتهُ الأوضاع السياسية للوطن قد رتّبَ وضعاً أمنياً واقتصادياً، وأنجز انتعاشاً ملحوظا في معدلات القُدرة الشرائية للمواطن، حتى صار يُزخرف حياته اليومية وآفاقه المستقبلية بالعديد من الخيارات التي تمنحه الهدوء والطمأنينة وتنوير وعيه الثقافي.

هنا وفي هذه الفاصلة التاريخية حفّزَ الظرف المُستقر الطاقة العراقية الخلاقة، أزهرت وأثمرت في جميع مناحي الحياة ومنها المسرح، أقبل الشباب من الجنسين للانخراط في معهد الفنون الجميلة، وأكاديمية الفنون الجميلة، وارتفعت مستويات التدريس في هاتين الحاضنتين، وأنتجت فواعل فنية تنوعت توجهاتها واشتغالاتها في: الكتابة والتمثيل، والإخراج، والعناصر الفنية والتقنية الأخرى، تحركت وتعددت تكوينات الفرق المسرحية الخاصة حين توفرت عناصر الإنتاج المادية والبشرية. كذلك يرصد المُتابع تطوراً واضحاً في عمل الفرقة القومية للتمثيل في المؤسسة العامة للسينما والمسرح تطوراً بنيوياً وإنتاجياً انعكس في الخطط والبرامج، زيادة في النسبة العددية للكوادر الفنية، وعدد العروض المسرحية وتنوعها في الموسم الواحد، إضافة إلى تشييد صرحين مهمين للمسرح هما المسرح الوطني ومسرح الرشيد يوفران بشكلٍ متحضر كل ما يحتاجه العرض المسرحي من طلبات، وحركة ومشاركة متميزة لهذه الفرقة على المستوى المحلي، وخارج القطر في الأسابيع الثقافية وبعض المهرجانات العربية.

لذلك في هذه السبعينيات المتوهجة شهد الواقع المسرحي في العراق تجارب مسرحية هامة في معهد الفنون الجميلة وأكاديمية الفنون الجميلة والفرقة القومية للتمثيل، والفرق المسرحية الخاصة، مثل فرقة المسرح الفني الحديث، وفرقة المسرح الشعبي، وفرقة مسرح اليوم، وفرقة مسرح 14 تموز، وفرقة مسرح الطليعة، وقدمت طروحات هامة خلال عروض تنوعت أعمالها ومستوياتها، فيها الشعبي، والعالمي والعربي والتراثي، وعروض مسرح الطفل ، جمعت بين الإمتاع والفائدة .

لكن الانهيار بدأ واضحاً على معطى نشاط الظاهرة المسرحية في العراق وبجميع عناوينه العاملة حين اشتعلت نيران الحروب: حرب الثمان سنوات مع إيران، حرب الخليج، الحصار، الغزو الأمريكي والاحتلال، ومن هنا بدأ جحيم الكارثة، وصارت مؤشرات جنون الهبوط تتدحرج بسرعةٍ مخيفة بصورة أربكت جميع الرافعات والمنصات الفنية والثقافية وبخاصة فن المسرح الذي انهار هو الآخر مبنىً ومعنى.

والذي بقي وظلَّ يُصارع البقاء هي تجارب فردية هنا وهناك، قُدمت على المستوى المحلي والعربي، وما تجود به طاقة الفرقة القومية للتمثيل (بعد 2003 تغيّر اسمها الى الفرقة الوطنية للتمثيل، ولاحقاً تغيّر ثانية إلى: فرقة المسرح الوطني العراقي). وبعض العروض وهو قليل نجئ من قبضة الحصار ووصل مسارح العالم وبجهود فردية خالصة …

ففي ظلّ هذا الواقع الكارثي، تخريب الصروح المسرحية، اندثار مُتعمّد للفرق الخاصة التي وردَ اسمها وتشتيت وتهجير كوادرها وضياع مقراتها، وتحويل المؤسسة العامة للسينما والمسرح والفنون الشعبية من العمل بالنظام المركزي، إلى العمل بالتمويل الذاتي وفي هذه الحالة كأنكَ أطلقتَ عليها رصاصة الرحمة، لذلك هي تعيش الآن أسوء مرحلة في تاريخها بسبب غياب التمويل الذي كان يسمح لها بالحراك المعافى والحضور الواثق، أقول في ظلِّ هذا الواقع الذي يعيشهُ المواطن والوطن عن أيِّ مسرحٍ نتحدث ؟!!

وللخروج من هذا المأزق الخطر والواقع الخانق مسرحيّاً لا بدمن توفر إرادة حقيقية تنطلق من دولة وحكومة تُؤمن أن ( المسرح ضرورة والثقافة حِصِنْ ) ، وأن تُمارس جميع مؤسساتها العاملة دورها المسؤول في هذا المجال الحيوي ، ولا يمنع أبدا أن تلجأ الحكومة إلى تأسيس مجلس أعلى للثقافة يوفر صندوق خاص يدعم إنتاج نشاط الظاهرة المسرحية في عموم العراق ، وأن تلتفت الحكومة إلى تأهيل ما تبقى من صروح المسرح العراقي ، وتشييد ما تتطلبه الضرورة في بغداد وجميع المحافظات ، وبعث الفرق الخاصة المعروفة بتاريخها المضيء ونشاطها الفاعل ودعمها بالمال ، وإنعاش الدرس الأكاديمي في أكاديمية الفنون الجميلة ومعهد الفنون الجميلة وتغذيتهُ ببرامج وخطط وتدريسيون أكفاء للحاق بما فاتنا من واجبات ابتلعتها سنوات الحروب والفتن ، وإعادة العمل بأهمية المسرح المدرسي ، وأن تقوم الإذاعات وشبكة الإعلام العراقي ، والفضائيات العراقية بتخصيص حصص وبرامج للمسرح وتقديم العروض المسرحية العراقية الجديدة والتذكير بالقديم منها ، لنعمل مُجتمعين ، لنخرج بنتائج مُلزمة لتحريك النشاط المسرحي بطاقات فنية مُتميزة قد اطّلعت على أحدث ما توصلت إليه حركية المسرح العالمي ، وتؤسّس تجربتها الخاصة ، وتستطيع أن تدفع بالمنصة المسرحية إلى مستويات وآفاق أرحب وأكثر تعبيراً عن فوران الواقع اليومي ، باشتغالات مسرحية تُحقق التنوع في الألوان المسرحية ، توفر الاستمتاع ، شرط أن لا تتنازل عن القيمة الفنية والجمالية للتجربة المسرحية ، تتصدى للمشكلات التي يُعاني منها المواطن في صراعاته وما يُكابده بفعل تحديات الواقع المعيشي في ظل ظروف تتغيّر وتضغط بين فترةٍ وأخرى ، أن يكون المسرح ليس فقط وجبات نخبوية ، إنما مسرح لعموم جماهير الناس ، كما وُلدَ وتتدرّجَ في نشأتهِ الأولى.

د. سعد عزيز ممثل ومخرج

السبل الكفيلة لإعادة المسرح كحاجة عضوية إلى المجتمع تتم بالخطوات الآتية: ١-إعادة دعم الفرق الأهلية السابقة واعادة تأهيل مسارحها وقاعاتها من قبل وزارة الثقافة. 2 -الذهاب بالعروض المسرحية إلى الناس في تجمعاتهم اي َمثلا في المولات والمتنز هات والمقاهي والمعامل والمستشفيات والسجون. ٣-اعتماد موسم مسرحي واضح المعالم في عمل دائرة السينما والمسرح بعد تحويلها إلى التمويل المركزي قانونها القديم. وعدم الاتكاء على صيغة المهرجانات السنوية التي لا تديم عروضنا المسرحية المحلية وبرامجنا الورشو ية التطويرية للممثل والمخرج والتقني بعيدة المدى. ٤-إعادة فتح فروع الفرقة الوطنية للتمثيل في المحافظات وتمويلها من المحافظة ذاتها. كما كان معمول به سابقا. ٥ -اقتراح وكتابة قانون ملزم يصوت عليه في البرلمان يسمح برفع نسبة من الضرائب والرسوم عن التجار والمستثمرين اذا ما دعموا عملا مسرحيا او فيلما سينمائيا. وفتح صندوق لذلك يسمى صندوق دعم المسرح كما هو معمول به في تونس والمغرب.

اما على صعيد الخطاب ورسائل العرض المسرحي فبتفعيل الخطوات السابقة سيذهب المسرحيون ن باتجاه انتاج خطاب خال من الاسفاف والابتذال الذي ساد في المسرح الشعبي فترة التسعينيات إذ ان تجربة المسرح الاستهلاكي فشلت في جذب الجمهور بعد عام ٢٠٠٣ حقيقة بعد التحولات الاجتماعية والاقتصادية والثقافية العميقة التي طرأت على المجتمع العراقي بعد التغيير السياسي والمراجعات المجتمعية لمسرح الحقبة السابقة التي نبذها جمهور اليوم.. ونحتاج أيضا إلى وسائل دعاية واعلام جديدة من خلال شبكة التواصل الاجتماعي او طرق أخرى َعاصرة كفيلة بجذب الجمهور إلى قاعات المسرح.

د. علي الربيعي مسرحي

في سبعينيات القرن العشرين كانت خارطة المسرح العراقي تحتكم على العديد من الفرق الحكومية والأهلية، وكان التنافس بين هذه الفرق على أشده، فالكل يحاول أن يقدم مسرحًا يحتكم على الخصائص الفنية المحكمة مضافًا إليها الفكر الوقاد سواء الذي يعبر عن رؤية السلطة الحاكمة او الأيديولوجيات المعاكسة لها التي تتبناها بعض الفرق المسرحية. الكل يحاول أن يسحب الجمهور الى منطقته ولذلك كانت المسؤولية جسيمة. فضلًا عن ذلك، كان هناك دور للرقيب الفني المؤسساتي الذي يكون رقيبًا بصرف النظر عن اختلافنا او اتفاقنا معه الا انه كان فيصلًا بين الغث والسمين.

ومع ثمانينيات القرن العشرين صعودا دخل المسرح في شرنقة التعبئة التي اتخذت منها المؤسسة الحاكمة ماكنة اعلامية لتمرير مشروعها القائم على تجيير الخطابات لصالح المعركة وانتاج مسرح تعبوي داعم للسلطة. وهذا مهد او فتح الباب لتمرير ما عرف في وقته بعنوان (مسرح الترويح) الذي بدأ يغزو المسرح العراقي تحت يافطة (المسرح التجاري) والذي تكرس في تسعينيات القرن العشرين واصبح متسيدا لخشبات المسرح. وبعد سنة ٢٠٠٣، اصبحت هناك حرية تامة للمسرحيين في التعبير عن احلامهم المؤجلة، الاحلام التي غاب عنها مقص الرقيب وسلطته، وغياب شبه تام لسلطة وزارة الثقافة، وغياب شبه تام لسطلة المؤسسات الرقابية، مما جعل المسرح والمسرحيين يسعون الى تمرير مشاريعهم سواء الناهضة منها والتي ترتقي بالمسرح ، او المشاريع الغائية التي ينتفع من ورائها. فضلا عن ذلك، انفتاح المسرح العراقي على المهرجانات العربية والعالمية جعل من المسرحيين لا هم لهم الا المشاركة في هذا المهرجان او ذاك، الامر، الذي شجع العديدين من المسرحيين على انتاج عروض مسرحية تتساير مع طبيعة وخصائص واهداف تلك المهرجانات ولا تنطلق من القاعدة الجماهيرية في العراق والتي هي المآل الأول والأخير في المسرح، ولذلك بدأت الانتاجات المسرحية تبدو في قطيعة مع الجمهور.

د. بشار عليوي ناقد ومخرج مسرحي

لقد اتسمت علاقة الجمهور بالمسرح العراقي داخل العراق بالتذبذب، ومُرَدْ ذلكَ أساساً وإجمالاً الى المُتغيرات الاجتماعية والمُتداخلة مع العوامل السياسية والأمنية التي هي نفسها لم تعرف الاستقرار أصلاً، ولعلَّ من بداهة القول إن المسرح كَمُمارسة حياتيّة لا يمُكن استنباتها واستمرار نتاجها إلّا في بيئة مُجتمعيّة مُستقرة على كافة الصُعد وهُنا تكمن مُقاربة الواقع العراقي مع مسرحهِ وتأثير ذلك على تواصل الجمهور مع هذا المسرح، كما يُمكن الإشارة هُنا الى أن عروض المسرح العراقي لم تستطع أن تستقطب جمهوراً من خارج الوسط المسرحي بشكل خاص والثقافي بشكل عام، وبقيت هذه العروض مجانيّة وغير ربحيّة خلاف ما معمول به عالمياً.

لقد استمرت مُعاناة المسرح العراقي في وجود قطيعة واضحة بينهِ وبين الجمهور وعدم تواصل هذا الجمهور مع نتاجاتهِ المُعبرةِ بشكل دقيق عن ماهيتهِ، وهذهِ حقيقة ربما تكون صادمة للكثيرين، ويقف خلف هذهِ القطيعة العديد من الأسباب، منها ما يتعلق بالبُنية الاجتماعية والتغيير القيّمي في طبيعة المجتمع العراقي بفعل ضواغط المُتغيرات التي أصابته وعلى عدة صور وهذا كُلّهُ قادَ الى انصراف هذا المجتمع عن عروض المسرح العراقي وأصبحتْ تلكَ العروض تُقدم ليوم واحد أو يومين فقط، ومن ثمّ أصبحتْ الحاجة مُلحة الآن أن نذهب بالمسرحِ الى الناس حيثما يتواجدون كي نُزيلَ هذهِ القطيعة الراهنة وهوَ ما يُمكن أن توفرهُ عروض مسرح الشارع الذي يُقدم في الشارع والساحات والأماكن العامة، متخذاً من الناس المتواجدين عشوائيّاً جمهوراً لهُ، ومُستلهماً موضوعاته من الواقع اليومي بهدف إيصال أفكاره عن طريق المُشاركة التفاعليّة مع العرض. وفي ظل الواقع العراقي المُلتبس، ومن أجل معالجة واقعية وحقيقية لمشكلة عزوف الجمهور المُمثل للمجتمع بجميع طبقاتهِ عن مواكبة المسرح العراقي، فان الحل يكمن بتقديم العروض المسرحية في أماكن التواجد العشوائي لهذا الجمهور، مما يجعلها تحظى بوجود جمهور متفاعل معها ويقرب الممارسة المسرحية من الجمهور ويردم الهوة بينهما.

د.عقيل مهدي مخرج وعميد كلية الفنون الجميلة الأسبق

المسرح في سبعينيات القرن الماضي. كان متسيدا في جانبه الفني من سواه. بفضل تنوع عروضه المسرحية وما يحفل به من نخب بارعة في الاخراج والنص. ا لدرامي مع نجوم من الفنانين المسرحيين.

ويتصدرها في الغالب بشكل واضح ممثلون وممثلات يجيدون لعب ادوارا. كوميدية جاذبة للكثير من المتفرجين وكانت تقدم للجمهور الكثير من الأحداث والمشكلات المعاشة التي يعانونها في واقعهم المعاش. فضلا عن غياب ما يضاهي المسرح من حضور بين عما يوازيه من أعمال في التلفزيون والسينما. الا قليلا وهذا ما حفز حتى العوائل في الرغبة للذهاب سوية للمسرح.

للاستمتاع المباشر وجها لوجه بشكل شاخص مع الممثلين ويثير انجذابهم للممثلين الذين اعجبوا بهم وبتوثيق صور فوتوغرافية معهم أيضا ولا يستبعد أيضا ما يجيد اساتذة المسرح من وعي ابداعي وجمالي مدهش لتقديم روائع من المسرحيات العالمية الجاذبة للنخب المثقفة من فئات الجمهور لذين رافقوا المهرجانات المسرحية .. والعروض التي كانت تقدمها الفرق الرسمية والمسرح الشعبية مثل فرقة المسرح الفني الحديث .. والمسرح الشعبي.

وفرقة ١٤ تموز والمسرح الحر وسواها من مسارح عدة تتبارك فيما بينها لاجتذاب الجمهور بفاعلية ومثابرة على لرضاء ميوله ورغباته الخاصة. اليوم بإمكان المسرحيون ان يذهبوا على طرق وسبل فنية راقية تتنافس مع فضاءات مستقبلية جديدة نوعية ..أمام ما تدخره قنوات البث ..العراقية والقنوات العربية و العالمية وكذلك ما يضاهي الأفلام التي اخرجها كبار المخرجين المشهورين عالميا ..بشكل متوفر اكثر بأساليب تقنية متطورة ..ومتوفرة للجميع. ولكي يتم الوضع المسرحي بنحو موضوعي ينبغي الاحترام للنخبة. . المبدعة للمسرحيين المتميزين بقدراتهم الإبداعية في تخطيط. منهاج ..يعيد دعم المسرح الوطني بأسماء الأساتذة المخرجين والنقاد الكبار وكذلك الحرص على إعادة الروح للفرق الشعبية في العاصمة والمحافظات بشكل عام .

في اجتذاب الجمهور والذي يشكل بوضوح ..قدراته المطلوبة بمعاييرها الإبداعية الراقية وان لا ينسى الاهتمام بعروض المسرح الشعبي ومنه الكوميدي ..وان تقدم للجمهور الخاص والعام مسرحيات تخص عالم الطفولة واجتذاب طلبة المدارس والجامعات والنقابات بشكل واضح وجاد ..لإعادة الحيوية لتبني عروض ملتزمة بشروطها التربوية والارتفاع بقيمها الاجتماعية والجمالية .

حاتم عودة مسرحي ومدير مهرجان بغداد المسرحي

من خلال تجربتي في العمل المسرحي والإدارة الثقافية، أرى أن الحديث عن عزوف الجمهور لا ينبغي أن يقودنا إلى اتهام المتلقي فقط، بل إلى مراجعة خطابنا المسرحي وآليات اشتغالنا. فالمسرح، منذ نشأته، لم يكن فنا للنخبة، بل فضاء للحوار مع المجتمع، يلتقط أسئلته وتحولاته ويعيد صياغتها بلغة فنية راقية.

المعادلة ليست بين مسرح جماهيري واخر جاد، لان التجارب المسرحية الكبرى في العالم أثبتت ان العمل العميق يمكن أن يكون قريبا من الناس في الوقت نفسه. ما نحتاجه هو نصوص تنبع من واقع الإنسان العراقي، وتناقش قضاياه المعيشية والفكرية، ورؤى إخراجية تجعل المتلقي شريكا في التجربة لا مجرد متفرج. كما أننا بحاجة إلى استراتيجية ثقافية تعيد المسرح إلى المدارس والجامعات والفضاءات العامة، وتمنح الشباب فرصا حقيقية للإبداع، مع تطوير أدوات التسويق والإعلام حتى يصل العرض المسرحي إلى جمهوره قبل افتتاحه. أن المسرح ضرورة لبناء، فالعلاقة بين المسرح والجمهور هي علاقة ثقة تُبنى باستمرار.

كاظم نصار مخرج مسرحي

ارى ان المناخ السياسي السائد في السبعينيات كان كلمة السر لاشاعة مناخ مسرحي فعال، فالفرق المسرحية الاهلية كانت تنشط وتقدم عروضا مختلفة والمطبخ السياسي لم يكن بالقوة والقمع والرقابة التي صار عليها بعد ذلك ومن هنا صار لدينا جمهور مسرحي حقيقي ياتي بالباصات من المحافظات ويتابع بشغف وحتى التقاليد المسرحية كانت راسخة وقوية وهناك احترام للمسرح وعروضه وحراكه وقد تراجع كل ذلك الحراك ابان الحرب والحصار ابان الثمانينيات والتسعينيات

وتراحعت التقاليد المسرحية وساد في التسعينيات مسرحا من نوع اخر هو المسرح الاستهلاكي باستثناء تجارب قليلة حاولت ان تقترب من المسرح الشعبي لقد قدم المسرح العراقي عام 69 مسرحية النخلة والجيران وقد احدثت تحولا في عروض السبعينيات واصبحت انموذجا للعروض المتقدمة والقريبة من الناس لكن بعدها انهارت الفرق الاهلية وانهار معها التلقي وتغيرت ذائقة الناس وهكذا.

اليوم ومنذ 2003 حاول بعضنا احداث توازن وكسب الجمهور لكن العالم تغير والتكنولوجيا غزت حياتنا الاجتماعية وتغير المشهد السياسي والعودة للجمهور الواسع اصبحت شبه صعبة فالزمن لا يعود للوراء ولكن تبقى هناك محاولات فردية لبعضنا مازالت تحبو

وشخصيا حاولت ان أقدم عروضا في الكوميديا السوداء تقترب من الجمهور العام لكن اليد الواحدة لانصفق ولم تحدث هذه العروض تيارا واضحا بل ظلت محاولات فردية تلقفها الجمهور ومازال المسرح ابن البيئة المستقرة وأين الدعم والمساندة والخطط الاستراتيجية

بشار طعمة السينوغراف والباحث بالمسرح العراقي

في فترة السبعينات كان الحزب الشيوعي مسيطر على الساحة العراقية وخصوصا بغداد .. كانت الفرق المسرحية اليسارية هي من تسيطر على المشهد المسرحي العراقي مثل فرقة المسرح الفني الحديث وفرقة المسرح الشعبي وفرقة مسرح اليوم. هذه الفرق تقدم اعمال تهم المواطن وهي شبه معارضة للنظام.

تقابل هذه الفرق فرقة الدولة الفرقة القومية للتمثيل التي تقدم اعمال من الادب العالمي والموروث الشعبي العراقي. اغلب منسبي الفرقة هم شيوعيون أيضا يميلون الى الاعمال التي تهم المواطن. بعد انهيار الجبهة بدأ الرقيب على الفرق الاهلية وتم تحجيمها ومنع اعمالها كما حدث لفرقة المسرح الفني الحديث ومنع مسرحية الجومة. ومغادرة اغلب مشاهير هذه الفرق الى خارج العراق. وانتهى جمهور هذه الفرق. في فترة الثمانيات بدأت الفرقة القومية تنتج اعمال تخص الحرب وبعض الفرق انتجت اعمال من اجل الضحك فقط. باستثناء مسرح حيدر منعثر كان ناقد للوضع.

ثم جاءت التسعينات وبدأ جيل مسرح التهريج. يقابله مسرح الحداثة الذي يتكون من ثلاثة او أربعة اشخاص يقدمون عمل غير مفهوم مما جعل الجمهور يترك مشاهدة المسرح وبقي هؤلاء يعرضون لطلبة معهد الفنون وكلية الفنون ويعملون من اجل السفر والمشاركة بالمهرجانات. بعد 2003 قدمت اعمال حسينية لم يكتب لها النجاح وكذلك قدمت اعمال شعبية فيها كل نجوم الكوميديا ولم يحضر عروضهم سوى 50 شخصاً.

الميديا الان قضت على المسرح .. عودة العائلة العراقية للمسرح غير ممكن اذا لم تتولى دائرة السينما والمسرح إقامة عروض مسرحية شعبية هادفة ليس المطلوب منها الربح. ممكن ان تعود العائلة. عزوف العوائل عن المسرح ليس في العراق وحدة وانما في مصر وتونس والمغرب وبقية الدول.

علاء المفرجي – المدى

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: المحتوى محمي !!