أخبار مسرحية

10 مدن تعيد المسرح السوري إلى الخشبة

ذاكرة العروض الدرامية تبدأ دائماً من الصفر مع كل تغيير سياسي

ملخص

تقدم الدورة الأولى من مهرجان” سورية تنافس” 14 عرضاً مسرحياً، بمعدل عرضين يومياً، وسبق هذه التظاهرة تنظيم مديرية المسارح والموسيقى مهرجانات فرعية في 10 مدن سورية، رُشحت بعدها العروض المشاركة في المهرجان المركزي المقام في عاصمة الشمال السوري.

تتوزع عروض مهرجان “سوريا تنافس” على مسرحي نقابة الفنانين ودار التربية في حلب، وتشكلت لجنة تحكيم المهرجان برئاسة المخرج عجاج سليم (سوريا)، وعضوية كل من حبيب غلوم العطار (الإمارات) والأكاديمي حسين عبدالله المسلم (الكويت) وكل من الفنانين ريم علي وعبدالقادر المنلا (سوريا).

وتأتي هذه التظاهرة لتذكر بمهرجان مسرح الهواة، الذي عُقدت منه ثماني دورات (1971-1979) بين مدينتي دمشق وحلب، وكان سبتمبر ( أيلول) من كل عام موعداً لإطلاقه تحت إشراف وزارة الثقافة، ولعل أكثر ما يلفت الانتباه أن المسرح في سوريا كان دائماً يبدأ من الصفر مع كل تغيير سياسي، سواء في كتابة نصوصه وأساليبه الإخراجية، أو حتى في طبيعة جمهوره وذائقته، فقد اختفى المسرح أكثر من مرة من المشهد الثقافي للبلاد، مرة بعد تجربة رائده أبي خليل القباني (1833-1903) وانهيار الدولة العثمانية في الحرب العالمية الأولى، ليعاود نشاطه بعد تشكيل حكومة الملك فيصل (1918-1920) .

مع مطلع القرن الـ 20، اختفى المسرح من البلاد، ثم عاد عبر فرق مصرية وأجنبية زائرة، وبفضل جهود بعض النخب الفتية آنذاك في دمشق وحلب وحمص، واحتجبت عروض أبي الفنون من جديد بعد الانتداب الفرنسي على البلاد عام1920، قبل أن تنطلق مجدداً عقب الثورة السورية الكبرى عام 1925، بعروض تبنت خطاباً فنياً مباشراً ينبذ الاستعمار ويبث الروح الوطنية، إلى أن أظلمت صالات العرض نهائياً بعد الاستقلال عام 1946.

“المسرح المحترف”

19c6d502-5c73-4ff5-8039-d1b7ae5b5f9f.jpg

برزت بعدها عروض خجولة لفِرق النوادي والجمعيات الفنية المستقلة في المدن السورية، أو ما أُطلق عليه وقتها “المسرح المحترف”، الذي واكب، بصورة متقطعة، فترة الانقلابات العسكرية واستيلاء “حزب البعث” على السلطة عام 1963.

وفي ستينيات وسبعينيات القرن الفائت، تجلى المسرح السوري عبر صيغتين: مسرح رسمي تسيطر عليه السلطة البعثية (وزارة الثقافة) بما عُرف وقتها بالمسرح القومي (المسرح الجاد)، ومسرح تجاري اتكأ على وصلات الرقص والغناء لترويج عروضه وتحقيق الأرباح في شباك التذاكر، واليوم يحاول هذا المسرح النهوض مجدداً بعد سقوط نظام الرئيس السابق بشار الأسد، عبر تجارب الهواة، ويشهد مهرجانه في حلب غياباً للمحترفين والأكاديميين إلا ما ندر.

ومع ثنائية الغياب والحضور هذه، احتجب أيضاً مهرجان دمشق المسرحي بعد انعقاد آخر دورة له عام 2010، فيما يغط المسرح الوطني (الاسم الجديد للمسرح الرسمي) في غيبوبة عميقة، فلم ينتج سوى عدة عروض لم يتجاوز عددها أصابع اليد الواحدة، جاء ذلك بعد قرابة عامين على انتصار الثورة السورية في الثامن من ديسمبر (كانون الأول) عام 2024، إذ تشكو مديرية المسارح والموسيقى حتى الآن عدم تخصيص وزارة الثقافة موازنة لها، شأنها في ذلك شأن المؤسسة العامة للسينما، التي لم تنتج حتى فيلماً قصيراً واحداً منذ سقوط نظام البعث إلى اليوم.

تجارب الهواة

يعقد مدير مهرجان سوريا المسرحي، الفنان محمود زكور، الآمال على مخرجين وكتاب وممثلين عمل معظمهم في مسرح الهواة، لإنجاح التظاهرة التي يشرف عليها بحماسة منذ أشهر طويلة، إذ يقول: “نحن هنا، ليس لأن المسرح ترف، بل لأن الإنسان لا يستطيع أن يعيش بالخبز وحده، بل يحتاج إلى كلمة صادقة وضحكة حقيقية ودمعة تعيد له شيئاً من نفسه. كل مدينة من مدن سوريا تحمل حكاية مختلفة، لكنها حين تفتح ستارة المسرح تتحدث اللغة نفسها. لغة الإنسان، ولهذا فإن مهرجاناتنا الفرعية لم تكن سباقاً بين المحافظات، وليست منافسة على كأس أو جائزة، إنما هي دعوة إلى أن نستمع بعضنا إلى بعض كسوريين، وأن نرى أنفسنا في وجوه الآخرين،

وأن نتذكر أن الفن لا يسأل الشخص: من أين أنت؟ بل يسأله: ماذا تحمل في قلبك؟”.

وتتوزع عروض المهرجان على خشبتي نقابة الفنانين ودار التربية في حلب بمعدل عرضين يومياً، يعقبهما نقاش وندوة نقدية حول كل عرض. حضرت معظم المدن السورية، وغابت دير الزور والسويداء والقنيطرة، ولعل أبرز العروض هو “أوتاد هرئة” لكاتبه موفق قرة حسن ومخرجه عمر العواني.

حادثة دمشق

تدور أحداث المسرحية، التي تقدمها فرقة نادي دوحة الميماس، حول حادثة وقعت في دمشق، وتم فيها نزع أغطية الرأس بالقوة عن نساء مسلمات من قِبل وحدة المظليات النسائية في سرايا الدفاع التابعة لرفعت الأسد شقيق الرئيس الراحل حافظ الأسد(1930-2000) .

تلك الحادثة التي وقعت عام 1981أثارت آنذاك غضباً شعبياً عارماً. ويناقش العواني وثيقته التاريخية عبر قصة حب تجمع مها، الفتاة المنحدرة من عائلة محافظة، بحبيبها وائل، المنتمي إلى حزب يساري، في حديقة عامة، ثم لا نلبث أن نرى وائلاً في زنزانة تجمعه مع شقيق حبيبته ذي الميول اليمينية. لقد وحدهما المعتقل البعثي على رغم اختلاف توجههما السياسي. ويتعرف الشابان بعضهما إلى بعض عن قرب، وتبدأ جملة من الاعترافات والبوح بينهما. وتدور أحداث العرض الحمصي برمتها على خلفية مجازر حماة عام 1982، ويحاول تقديم إدانة للعنف البعثي عبر حوارية بين الممثلين والجوقة، وسرعان ما تتخاطف الإضاءة ومضات من أداء الممثلين وفق تصاعد درامي مدروس.

وحضر المسرح الحلبي في المهرجان عبر أربعة عروض، “يوتوبيا” عن نص الكاتب السعودي عباس الحايك وإخراج محمد ملقي. يروي العرض حكاية خمس شخصيات التقت في مكان أقرب إلى مزبلة، لتتعامل مع كل ما جُمع من قمامة ومخلفات الأحياء المجاورة بوصفه حيزاً سكنياً لها. فالأثاث والمدرجات الصغيرة والبراميل والكتب والملابس والصناديق. جميعها عمل المخرج على توزيعها في المسرح على هيئة بيت في العراء، أشبه بمأوى للمشردين. وباختصار، هي جبانة لفظت بشرها، وعملية إعادة تدوير لما تركته الحرب في مدينة يسودها القمع والجهل والظلم والعتمة. وقد حاول محمد ملقي مقاربة مفهوم المدينة الفاسدة وفق الظرف السوري دون الدخول في تفاصيل مباشرة.

بدوره قدم الفنان حكمت نادر العقاد عرضه “صانع الأقفال” عن نص عمرو بيرجكلي. تدور أحداث العرض حول مهندس شاب يدعى تاج تخلى عن ماضيه المهني مقابل صناعة أقفال وظف فيها التكنولوجيا لحبس شخصيات يستدعيها من الماضي. وتحضر هنا زوجته حبيبة، المرأة التي قاست ظروفاً صعبة معه بسبب يأسه وفشله وتفرغه لإسقاط عذاباته النفسية عليها. يستحيل الحنين في العرض إلى شبح قرين يزور الرجل المريض بالنوستالجيا. نكتشف بعدها أن تاج قد أخفى زوجته في ثلاجة البيت الذي يقيم فيه، وأن الأقفال التي صنعها ما هي سوى أقفال نفسية أغلق من خلالها على حجرات نفسه داخل جدران منزله العابق برائحة عطر شريكته الميتة.

وظف مخرج “صانع الأقفال” هذه القصة لمصلحة مناخات كثيفة من التوق إلى حياة أكثر هدوءاً ودعة، وذلك وفق إدارة منضبطة لممثليه الثلاثة، وبهذا المعنى يكمل العقاد ما كان قد بدأه في عروضه السابقة: “لوكيشن” و”منحنى خطر” و”عائلة محترمة جداً”، إذ يشتغل الفنان الحلبي مع الممثل لإنتاج ما يشبه حياة موازية على الخشبة، لكن مع الحفاظ على سلامة الشرط الفني للتجربة، والعناية بجماليات العرض المسرحي من خلال محاكاة الديكور والأزياء والإضاءة عبر صيغة أكثر ميلاً لمدرسة المسرح الواقعي.

مسرح حلب

من جهة أخرى، قدم مسرحيو حلب عرضاً بعنوان “اللص الفاضل”، وهي تجربة أعدها وأخرجها الفنان طارق خليلي عن نص “لا يأتي اللصوص للمضرة” للكاتب الإيطالي داريو فو (1926-2016). وضع المخرج جمهوره مباشرة في قلب الحدث، القائم على خيانات زوجية مزدوجة وصلت حد تبادل الزوجات، إذ تتكشف قصته من خلال لص يسطو على بيت في غياب أهله، لكن يحدث أن تتصل زوجة اللص الغيور على هاتف البيت الذي يسرقه لتطمئن إليه. وعلى رغم سفر عائلة البيت الذي ينوي اللص سرقته خارج المدينة، يُفاجأ الرجل، قبل أن ينهي عمله، بعودة الزوج بصحبة عشيقته إلى البيت، فلا يكون منه إلا الاختباء خلف ساعة الحائط الكبيرة، ليستمع إلى حديث الرجل والمرأة، وبمفارقات تتعدى حدود الواقع أحياناً، تندلع كوميديا الأخطاء، فيجتمع الرجل وعشيقته رفقة زوجته وعشيقها، إضافة إلى زوجة اللص، كلهم في البيت نفسه. يبحث الجميع عن مبررات وأعذار لإخراج أنفسهم من هذه الورطة. إلا أنهم لا يجدون مفراً من تسمية ما حدث معهم بـ “مجرد التباس”. ثم يتبادلون مع بعضهم أنخاب الخيانة في مفارقة درامية صارخة، ومن خلال حوارات تستدعي مفارقات حادة في لحظات ذروة ومواقف محرجة، يكشف العرض عن أقنعة الشخصيات، وترمي بهم إلى مسارات من المراوغة والكذب تفضح الزيف الاجتماعي.

“فيلوفوبيا” هو العرض الرابع من حلب لكاتبه محمد شيخ الكار ومخرجه سعد آغا. المسرحية تناقش رهاب الحب أو خشية المرء من الدخول في علاقة عاطفية. ويذكر عنوان العرض بالتجربة التي قدمها المخرج والمؤلف الجزائري يحيى زين الدين بن حمو عام 2024 لمصلحة جمعية الستينية للفنون في وهران. اعتماد المخرج الجزائري الشاب وقتها على توظيف الحركة مع مسرح الصورة اختلف عنه في النسخة السورية التي ناقشت حال الاغتراب وضياع الهوية التي يعيشها جيل الحرب وغياب أي أفق لمستقبل واضح.

وحفل برنامج مهرجان سوريا المسرحي بعرضين من العاصمة دمشق، هما “الجانب الأبيض” لكاتبته فاتن ديركي ومخرجه سهيل العقلة، و”ليلة الوداع” لكاتبه جوان جان ومخرجه سعيد حناوي. ناقش “الجانب الأبيض” (فرقة ريف دمشق) حكاية رسام شاب يدعى إياد يعيش أزمة نفسية بعد فقدانه لوالدته، فيما تقوم خطيبته أمل بالمواظبة على زيارته وتشجيعه على العودة للرسم لتجاوز مصابه. وتحاول الفتاة في كل مرة إبعاده عن تاجر عقارات ومشعوذ يوهمانه بوجود كنز مدفون تحت أحد أقبية بيته الأثري. حاول سهيل العقلة السيطرة على نص فاتن ديركي عبر توظيف لوحات الرسام في فضاء المسرح، والعمل على تقسيم الفضاء إلى حجرة الأم الغائبة والمرسم، لكن كل هذا لم يجد نفعاً للتغطية على ضعف البناء الدرامي للنص، فيما كافح الممثلون وحدهم لتقديم لحظات من الصدق الفني بمساندة موسيقى الفنان سامر الفقير. لحظات عبرت عن مأزق جيل الرسامين الشباب وما يكابدونه في تسويق أعمالهم وعرضها.

ولعل ما قدمه المخرج سعيد حناوي في “ليلة الوداع” كان أكثر جرأة فنياً من حيث توزيع صوت امرأة واحدة على أربع نساء، فالنص في الأصل كان عبارة عن مونودراما (مسرحية الممثل الواحد)، لكن حناوي عمد إلى توزيع مراحل حياة أمل بين الطفولة والشباب والأمومة والشيخوخة، لتؤدي كل ممثلة مرحلة من حياة الشخصية. تصدى العرض الدمشقي للاضطهاد الذكوري الذي تواجهه النساء في المجتمعات الشرقية، فالأب يرفض أمل منذ ولادتها لأنها أنثى، والحبيب يقضي وطره منها ثم يسافر من دون أن يخبرها، فيما الزوج يسومها كل أنواع العذاب والتنكيل، إلى أن تصل أمل في النهاية إلى مرحلة الشيخوخة وتعاني ما تعانيه من هجران وترك وتخلي الجميع عنها.

“ليلة الوداع”

وركز حناوي في “ليلة الوداع” على التوجه الدائم إلى الجمهور من خلال ممثلاته الأربع، موحداً الزي الأسود لكل منهن. وقدمن نماذج لنساء

نساء مهيضات الجناح لا قدرة لهن على مقارعة محيطهن. صورة نمطية قدمها العرض الشامي عن المرأة، رافعاً وتيرة الصراخ والنحيب، بما قارب أجواء المناحة وطقوس العزاء في مواضع منه، في حين ركز الإخراج على تقشف في السينوغرافيا لمصلحة ترك مساحة حرة للأداء خلف بانوهات وستائر شيفون بيضاء تحركها الممثلات وفقاً لضرورات الموقف الدرامي، واستدعاء الأحداث من ذاكرة الشخصية.

“فوق هذا المستطيل وقع حادث” هو عنوان العرض القادم من درعا (جنوب سوريا). حملت هذه التجربة توقيع المخرج فراس المقبل الذي لعب دور البطولة في العرض (فرقة حاتم علي). ويعود النص للكاتب محمد أبو معتوق، الذي كتبه عام 1979، ويناقش كيف تختلق السلطات جريمة وهمية تورط من خلالها حارساً ليلياً بسيطاً بقوة الترهيب. يجتمع الحارس في معتقله مع كاتب حالم تنشأ بينهما علاقة يسقط من خلالها المؤلف لعبة تبادل أدوار بين الضحية والجلاد، وعمد الفنان فراس المقبل في عرضه إلى خشبة عارية إلا من شاخصة مرورية وخطوط شكلت حيز اللعب مع مخيلة الجمهور، عن أماكن لا يتم تجسيدها بقطع ديكور، بل من خلال ظلال قضبان السجن وقارعة الطريق، كما لعبت الإضاءة في “فوق هذا المستطيل وقع حادث” دوراً بارزاً في الانتقال في الزمن وتأطير

الأماكن التي تجري فيها الأحداث، لكن هذا لم يغط على تباين مستوى الأداء بين الممثلين، فيما حافظ الإخراج على صياغة لمسرح أكثر تجريداً لخلق الترميز المطلوب عن عماء السلطة وبطشها ومكرها في التعامل مع الإنسان البسيط المأخوذ بقوة الشعارات، وحماسة الخطابات الرنانة.

ويستعيد المخرج رائد الجندالي نص “أنت لستَ غاراً” لعزيز نيسين (1915-1995). تدور أحداث العرض (فرقة حماة) عن غارا الرجل الذي يكرمه كل من عمدة البلدة ورئيس الأمن باعتباره بطلاً قومياً تشاد له النصب التذكارية في ساحة البلدة، ويضرب المثل بشجاعته ودفاعه عن شرف الوطن، لكن غارا هذا لم يكن إلا لصاً أفاقاً يعود من الحرب لقريته بعد أن اشتاق لأمه وزوجته وأولاده. ورطة يقع فيها كل من العمدة ومدير الأمن اللذين أقنعا أهل البلدة بموت غارا على الجبهات، فلا يكون منهما إلا أن يقوما بقتله حفاظاً على المكاسب والأرباح التي جنياها من هذه الكذبة.

نص الكاتب التركي الساخر حاول رائد الجندالي مقاربته مع اللحظة السورية الراهنة، وتحميل رمزية صناعة البطل القومي في محاكاة لما فعلته عصابات الحرب ومافياتها المنظمة. حافظ العرض على صيغة واقعية تقريباً، وتمكن من تمرير رسالته عن تزييف السلطات لمفهوم البطولة وتصنيعها ضمن أجهزة استخباراتها، فقط من أجل تحقيق المكاسب الشخصية الضيقة، وتكريس ثقافة الوهم وتمجيد الموت لإعلاء شأن الفاسدين وتجار الحروب.

“البروفة الاخيرة”

إلى ذلك، تمكن عرض “البروفة الأخيرة”، لمؤلفه ومخرجه لطفي كيخيا من تقديم معالجة فنية مختلفة لحكاية ثلاثة نزلاء في مصحة نفسية يقومون بأداء مسرحية. يشرف على هذا العرض (فرقة إدلب) مخرج يقيم في المصحة ذاتها، ويدير صراعاً لا واعياً بين مطرب وفنان تشكيلي وشاعر. فرضية العرض تذكرنا مباشرة بنص الكاتب السعودي فهد ردة الحارثي الذي يحمل العنوان نفسه، إذ قدم لطفي كيخيا ما يقارب هذا الطرح الفني لثلاثة مجاذيب، يجاهد مخرجهم لإيصالهم إلى البروفة الجنرال (التدريب الأخير الذي يسبق تقديم العرض أمام الجمهور).

بهذا المعنى عمد مخرج النسخة السورية إلى مواءمة بين نصه ونص الحارثي وفق تناص يعرف المجنون بأنه شخص يعيش حلماً طويلاً وفق فرويد، ليعمل اللاوعي على إدارة الذاكرة الانفعالية للمؤدي، ويذهب به نحو مناطق جديدة من الوعي بالذات والعالم على حد سواء.

الطرح ذاته سيتكرر في مسرحية “شوكولا” لكاتبتها رغداء الشعراني ومخرجها هاشم غزال. تدور أحداث “شوكولا” حول لقاء يجمع ستة أصدقاء في صالة عرض أزياء، إذ يبوح كل منهم للآخر بهواجسه عن الحلم والنجاح والطموح وسط واقع مركب. دمج مخرج العرض (فرقة فنون الأداء- اللاذقية) بين مواد فيلمية وفوتوغرافية تعرض على الشاشة عن ماضي الشخصيات، وبين الأداء الحي على الخشبة، مستعيداً الأسلوب ذاته الذي قدمته كاتبة العرض ومخرجته عام 2006، ونال وقتها جائزة أفضل عرض في مهرجان القاهرة الدولي للمسرح التجريبي. نكتشف في النهاية أن ما شاهدناه لم يكن إلا بروفة لفرقة مسرحية عبر صوت المخرج الذي يعلن نهاية التدريبات لهذا اليوم من غرفة الكنترول في المسرح.

كذلك قدمت فرقة طرطوس للمسرح الوطني عرضها “الأنا والآخر”، لكاتبه ومخرجه محمد بسام علي، وتناول ثنائية الأنا والآخر المغاير طبقياً وثقافياً وسياسياً. اقترب العرض من الأداء الحر بمرافقة سينوغرافيا متقشفة وظفت الصورة والمواد الفيلمية في خلفية الخشبة، كما عمل المخرج على تنويع المواجهة بين الممثلين، مرة عبر مونولوجات منفردة، ومرات عبر حوار اقترب من شكل المبارزة الكلامية، ووفق تلوين في الحركة والحضور الجسدي للممثلين. مستوى تجريبي يمكن ملاحظته في الخيار الفني للقائمين على “الأنا والآخر” وسط جدلية البحث عن الهوية والاغتراب الذي تحياه شخصيات منعزلة وانطوائية.

وحقق عرض “تذاكر مؤجلة” لكاتبه ومخرجه دحام السطام مقاربة مختلفة مع نص “المقهى الزجاجي” لسعد الله ونوس (1941-1997) إذ يرفض زبائن أحد المقاهي الشعبية مغادرة المقهى الذي يأتون إليه، ويعتبرون أنه الملاذ الآمن في مواجهة المجهول، فيرفضون مغادرة المقهى ويصرون على البقاء جالسين على طاولاته. شخصيات تحيل أماكن اللهو وتزجية الوقت إلى سجن نفسي تخشى المجازفة بالخروج منه، وتعتبر أن هذا المقهى يوفر حماية من نوع ما لوجودها وأمانها الشخصيين. مفارقة يلتقطها الفنان دحام السطام في عرضه (المسرح الوطني في الحسكة)، وفق رؤية تنتمي لمسرح العبث في معالجتها لسلوك ومنطق الشخصيات ومآلاتها المؤجلة.

ولعل مسرحية “راقصو القبور” لكاتبها المصري محمد الشربيني ومخرجها فراس رمضان تذهب بعيداً في فرضية عدمية، إذ تدور أحداث العرض (فرقة المسرح الوطني في الرقة) داخل مقبرة، ويتواجه أموات مع أشخاص تسببوا في موتهم، ويبدأ نوع من المحاكمة العلنية بين القاتل والقتيل، لنكتشف في نهاية المطاف أن الشخصيات ما هي سوى هواجس تدور في مخيلة حفار القبور، فهذا الحانوتي الذي يستدعي نسخة عربية من شخصية حفار القبور في مسرحية “هاملت” لوليام شكسبير يهدينا إلى مصائر شخصيات لم ينه الموت سؤالها عن وحشية القاتل ودمويته.

أدار المخرج فراس رمضان لعبته وفق مجابهة درامية متصاعدة، مفيداً من علاقات نفسية كثيفة بين شخصياته، وذلك وسط فضاء شبه فارغ جرت السيطرة عليه من خلال منابع ضوء جانبية لكسر الإيهام غلبت عليها الإضاءة القمرية الشاحبة للإيحاء، بأجواء المقابر وما يتصل بكوابيس حفار القبور ومناماته العجائبية.

سامر محمد إسماعيل – إندبندنت عربية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: المحتوى محمي !!