دراما وفنون

عن التجربة السينمائية في الإمارات.. لمن الشعبية؟

ليس من الصعب سبر التاريخ السينمائي في دولة الإمارات ولا من العَصيّ البحث في أدراج العقود القليلة الماضية عن الأفلام وأسمائها وصنّاعها ليمكن التحقق من التجارب التي تركت بصماتها في هذا الحقل الفني الجديد، بالقياس إلى العمر الزمني القصير لدولة الإمارات.

وحين نتحدث عن التاريخ السينمائي فلا بُدّ من التفريق بين تجربة «المُشاهَدة» وتجربة «الصناعة»، والتي لا تزال حتى اليوم محل التباس.

هناك من يخلطون بين الاثنين، وربما بحسن نية، للتأكيد على أن السينما كانت حاضرة منذ وقت مبكر في حياة الإنسان الإماراتي. وقد حدث ذلك بشكل أو بآخر، غير أن حضورها المبكّر لم يكن بجهود محلية ولا بغرض استهداف الجمهور المحلي.

إن غالبية الشهادات التي سجّلت تاريخ بدايات ظهور السينما في المنطقة أجمعت على أن تنظيم العروض السينمائية في ذلك الوقت بدأ في مطلع الأربعينيات من القرن الماضي تقريباً، وذلك في إحدى القواعد البريطانية بالشارقة.

أما الهدف من ذلك فقد كان بغاية محددة وهي التسرية عن جنود سلاح الجو الملكي البريطاني والعاملين داخل القاعدة العسكرية؛ نظراً لأنهم كانوا يشعرون بالسأم خلال عطلات نهاية الأسبوع، إذ لم يكن لديهم ما يفعلونه. وكحلّ لهذه المعضلة فقد فكّر قادتهم بإيجاد وسيلة للترفيه عنهم في مساءات أيام الآحاد وكانت السينما هي الخيار الأنسب.

لا شك أن السكان في تلك الحقبة حصلوا على امتياز المُشاهدة ربما صدفة، أو ربما بطبيعة الحال نظراً للجغرافيا المفتوحة التي سمحت بالتواجد في المنطقة نفسها، لا سيما أن العروض كانت تُقام في الهواء الطلق، أو قريبة من الأحياء السكنية التي تميزت بالبساطة المعمارية.

غير أن المُشاهدة المجانية لم تدم طويلاً، وسرعان ما تم فرض رسوم على من يرغب بمشاهدة الأفلام التي كانت تُعرض ضمن ما تم تسميته بـ«سينما المحطة» التي أنشئت في القاعدة العسكرية نفسها، وكانت تُعرف أيضاً بسينما «شارقة باراماونت»، حيث متحف المحطة حالياً.

ومع أن دبي شهدت في منتصف الخمسينيات افتتاح أول سينما تجارية أُطلق عليها اسم «سينما الوطن»، إلا أن الهدف من إنشائها لم يكن بالتأكيد لعرض أفلام مصنوعة داخل الوطن، وإنما لتقديم خدمات عروض تعتمد على ما يُنتج في الأسواق الخارجية وخاصة أمريكا والهند، إذ كانت الأفلام تُشحن منهما وأحياناً تعبر القارات لتصل من أجل عدة عروض موسمية.

وحين افتُتحت سينما «هارون» في نهاية الخمسينيات في الشارقة فقد سارت على النهج التجاري نفسه. وبعد أن تتالى افتتاح المزيد من دور العرض في الستينيات والسبعينيات في دبي والشارقة، ولاحقاً أبوظبي، تغيّر الحال قليلاً بإضافة القليل من الأفلام العربية القادمة من مصر بعد أن ازداد رواجها في المنطقة.

ولكن بقيت الأفلام الهندية والأمريكية هي محل ترقب الجماهير العريضة والمفضلة عند الشريحة الأكبر منهم. وبقيت فكرة البدء بصناعة أفلام محلية غير مطروحة بعد.

وعلى الرغم من أن العديد من العائلات كانت آنذاك تمتلك كاميرات سينمائية إلا أن استخدامها ظل في إطار توثيق أنشطة العائلة والأصدقاء والاحتفاظ بها كذكريات أسرية. بمعنى أن وجود هذا النوع من الكاميرات بين أيدي الناس لم يتطور إلى نشاط مُنظّم مثل الفنون البصرية الأخرى كالرسم والمسرح.

إذاً تأسست أول ذاكرة وربما أول تجربة مُشاهدة سينمائية لأفراد المجتمع قبل قيام الاتحاد على سينما الآخر وخاصة التجارية. وبموازاة ذلك لم تدفع الشعبية المتزايدة للأفلام أي فئة مجتمعية ولا حتى الشباب آنذاك لتبنّي مشروعٍ لتأسيس صناعة تحاكي واقعهم وتعكس ثقافتهم وتؤسس لشكل فني قد يتطور إلى ما يمكن أن يكون حركة سينمائية تتخلق منها تجربة تبقى في الذاكرة الشعبية، كما حدث في الكويت مع فيلم «بس يا بحر» للمخرج الراحل خالد الصديق.

وظل هناك فراغ في النشاط والصناعة، بينما بقيت مشاهدة الأفلام القادمة من ثقافات أخرى مستمرة كعادات فردية وليست مجتمعية.

وكان على أول فيلم إماراتي «عابر سبيل» من إخراج علي العبدول، الانتظار حتى عام 1988 ليرى القليل من النور، حيث أثار فيلمه حفيظة من توقعوا أن يروا فيلماً مصوراً بكاميرات سينمائية متخصصة، ولم يقنعهم أن الفيلم صُوّر بكاميرات الفيديو التلفزيونية.

ولهذا اعتبروه فيلماً تلفزيونياً لا سينمائياً. وأدى هذا الامتعاض إلى عدم أخذ حتى مضمون العمل بعين الاعتبار، رغم أنه قدم ولأول مرة حكاية مجتمعية مستوحاة من قصة قصيرة بنفس العنوان للكاتب الإماراتي محمد علي المري.

في إثر هذه التجربة ظهرت تجارب إخراجية متباعدة لأفلام طويلة وقصيرة، واقعية وتجريبية لمخرجين مثل جاسم جابر «الطين الأخير» ـ 1990ـ، ومسعود أمر الله «الرمرام» ـ 1993ـ، ومحمد نجيب «مكان القلب» ـ 1996 ـ، تبعتها المزيد من الأفلام القصيرة لمخرجين آخرين في المجالين الروائي والوثائقي.

ومع بداية الألفية الثالثة وتحديداً في عام 2001 انطلقت التظاهرة السينمائية الأولى من المجمع الثقافي في أبوظبي، والتي عُرضت فيها معظم الأفلام التي أنتجت قبل ذلك العام، وكانت كلها بجهود فردية. وبعدها بعام واحد تأسست مسابقة أفلام من الإمارات لتكون منصة للأفلام القصيرة المقتصرة على المخرجين الإماراتيين فقط.

ولا بد من الوقوف عند هذه النقلة الجوهرية الأولى في تاريخ الحركة السينمائية في الإمارات؛ لأنها منحت الصنّاع المحليين تذكرة عبور للجمهور والتواجد في الفعاليات المُتخصّصة.

وشجّعت الطلبة والهواة على الدخول في غمار التجربة العملية، ولكنها في الوقت ذاته وضعت السينما في سياق التسابق وعجلة الإنتاج المتسّرع تحت ضغط التقديم للدورة التالية بغض النظر عن المقاييس المهنية والفنية الاحترافية.

وجاءت النقلة الثانية مع انطلاقة المهرجانات السينمائية في دبي (2004) ثم أبوظبي (2007) وتخصيص صناديق للدعم المالي؛ كانفراجه حقيقية، إذ أصبح الحراك والإنتاج أكثر انتظاماً، وظهرت في سنوات قليلة تجارب متنوعة للعديد من المخرجين الإماراتيين والمخرجات الإماراتيات. ولعل أهم ما وفرته تلك المبادرات فرصة المشاركة في المهرجانات الإقليمية والدولية.

وبالرغم من الحراك الذي رافق المهرجانات المحلية إلا أنه لم يستطع التأسيس لـ «صناعة» سينمائية بالمعنى الإنتاجي والمهني والفني والجماهيري الواسع على غرار الدول النشطة في هذا المجال، واستمر النشاط بوتيرة بطيئة أو مُتقطّعة فيما اعتمد الإنتاج في غالبيته على الجهود الفردية والدعم الحكومي مع مساهمة محدودة من القطاع الخاص.

ومع توقف مهرجان دبي السينمائي الدولي في 2017 تراجع الأمل، حيث بات على أصحاب المشاريع السينمائية البحث عن تمويل، وإما التخلي عن مشاريعهم، والبعض قبل بالخيار الثاني.

بالمقابل كانت الأفلام الأجنبية القادمة من هوليوود، وبوليوود، وكوليوود في موقع الصدارة على الدوام نظراً لقدرتها على الصمود في دور العرض لأكثر من أسبوعين، الأمر الذي يُعد في غاية الصعوبة بالنسبة للفيلم الإماراتي الذي يواجه شتى أنواع التحديات.

وأمام هذه الحقائق يضطر من يُريد الاستمرار في سوق الإنتاج أن يقبل بتقديم التنازلات ليضمن بقاء فيلمه لمدة أطول في دور العرض.

فإلى أي مدى يمكن للفيلم الإماراتي أن ينافس الآخر؟ هل يكون مثله ليُصطفَى جماهيرياً؟ وإن حدث وتمكن من ذلك، فهل يُعتبر ذلك نجاحاً للصناعة أم للثقافة؟

 

نجوم الغانم – البيان

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: المحتوى محمي !!