«رحلة» البحث عن الذات… إبداع لا يعرف التوقّف
«البروفة رقم واحد» تُواصل عرضها التجريبي في «مركز جابر الثقافي»

يُواصل مسرح الاستوديو بمركز الشيخ جابر الأحمد الثقافي احتضان العرض التجريبي لفنون الأداء المسرحي «رحلة»، الذي جاء تتويجاً لبرنامج «بروفة رقم واحد»، إحدى المبادرات التدريبية التي أطلقها المركز خلال الموسم الصيفي.
جاء عرض «رحلة» ليقدم تجربة مسرحية حملت رؤية فكرية وجمالية، اعتمدت على فلسفة الأداء بوصفها الركيزة الأساسية للعمل المسرحي، وانطلقت من إيمان عميق بأن الممثل يمثل نقطة الارتكاز في صناعة العرض، وأن حضوره الإبداعي قادر على إنتاج الفضاء المسرحي بكلّ مكوناته.
استعارة فلسفية
وانسجمت الصياغة الدرامية مع الرؤية الإخراجية في تقديم تجربة أدائية وشكل مسرحي قائم على الرمزية، حيث تحوّلت الرحلة إلى استعارة فلسفية لمسيرة الإنسان في الحياة، بما تحمله من أحلام وطموحات، في حالة انتقال بين محطات متعددة تُشكّل في مجموعها رحلة الوجود. وجاء ذلك من خلال بناء درامي متماسك ارتكز على مجموعة من الصور المسرحية المتتابعة، التي عبّرت عن التحولات النفسية والوجدانية للشخصيات، عبر تجربة شعورية وفكرية يعيشها الممثل والمتلقي في آن واحد.
وقدم «رحلة» تصوراً فلسفياً لعلاقة الممثل بذاته، وبالشخصية التي يُجسّدها، وبالجمهور الذي يمنح العرض اكتماله. فالممثل في هذا العمل لا يؤدي شخصية مُحدّدة بقدر ما يكشف عن الإنسان الكامن داخله، ويجعل من مشاعره وأفكاره مادة درامية حية تتشكّل أمام الجمهور بصورة تلقائية وصادقة، ليمنح العرض بُعداً إنسانياً عميقاً، ويجعل المُتلقّي شريكاً في إنتاج المعنى.
تنوّع الأساليب
ومن الناحية الإخراجية، اعتمد العرض على تنويع أساليب الأداء بين الأداء الفردي والثنائي والجماعي، مُوظّفاً تقنيات التمثيل الجماعي (الجوقة)، والحركة المسرحية، والتعبير الجسدي، والإلقاء، والغناء الفردي والجماعي، ضمن منظومة أدائية متجانسة حافظت على وحدة الإيقاع والبناء، وأسهمت في تكوين لوحات مسرحية متتابعة حملت بعداً بصرياً وشعورياً.
الصورة المسرحية
وجعل عرض «رحلة» من الممثل الوسيلة الوحيدة لإنتاج الصورة المسرحية، في تجربة تنتمي إلى المسرح التفاعلي، حيث تُعدّ العلاقة المباشرة بين الممثل والمتلقي أساس الفعل المسرحي الحقيقي، وأن الخيال الإبداعي للممثل قادر على خلق المكان والزمان والحدث من دون الحاجة إلى عناصر مادية مساندة.
وبرز الأداء الجماعي للمشاركين باعتباره أحد أهم عناصر العرض، حيث أظهر الممثلون وعياً متنامياً بفنون الأداء المسرحي برؤية معاصرة، ومستوى متقدماً من الانضباط والانسجام، وقدرة واضحة على توظيف الجسد والصوت والانفعال في خدمة الفكرة.
قاعة الانتظار
وتبدأ أحداث العرض داخل قاعة انتظار في أحد المطارات، حيث يستعد المسافرون لبدء رحلتهم، قبل أن يتلقى الجميع إعلاناً بإلغاء الرحلة بسبب عطل فني كبير في الطائرة. غير أن هذا الحدث لم يكن سوى مدخل رمزي لتحول درامي وفلسفي، إذ تعود الشخصيات إلى خشبة المسرح لتؤكد أن الرحلة الحقيقية ليست تلك التي تبدأ بالطائرة، وإنما الرحلة التي يبدأها الفنان فوق الخشبة، حيث يولد الحلم، وتتجدّد المحاولة، ويستمر الإنسان في البحث عن ذاته مهما تعثرت خطواته. وهنا تتحول النهاية إلى بداية جديدة، في رسالة تؤكد أن الإبداع لا يعرف التوقّف، وأن الفنان الحقيقي يبدأ من جديد كلما ظن أنه وصل إلى نهاية الطريق.
مُستقبل المسرح
تولّى الصياغة الدرامية والإخراج المخرج المسرحي القدير عبدالله عبدالرسول، الذي يُواصل، من خلال مسيرته الممتدة، مشروعه الفني القائم على اكتشاف المواهب الشابة، والإيمان بأن مستقبل المسرح يبدأ من التدريب الحقيقي، ومنح الفرصة للأجيال الجديدة لتقديم رؤاها الفنية ضمن بيئة احترافية قادرة على إنتاج تجارب مسرحية جادة ومُختلفة.
الراي



