أخبار مسرحية

في ارتياب المعنى: ملاحظات أولى حول مسرحية “أليغوريا” لمحمد بهجاجي

الأليغوريا، أو المجاز الكلي، ليست مجرد استعارة ممتدة أو رمز بسيط، بل هي بناء درامي يقوم على تحويل الشخصيات والأحداث والأشياء إلى شبكة من الدلالات التي تتجاوز وجودها المباشر. ففي المسرح لا تمثل الشخصية نفسها فقط، وإنما تصبح حاملة لفكرة أو وضع تاريخي أو سؤال وجودي، بينما يتحول الفضاء، والأفعال، وحتى الحوار، إلى علامات تنتج مستويات متعددة من المعنى. غير أن الأليغوريا لا تعني اختزال الشخصيات إلى رموز جامدة، بل إن المسرح الحديث أعاد توظيفها بوصفها بنية مفتوحة تسمح بتعدد التأويلات، بحيث لا تشير العلامة إلى معنى واحد ثابت، وإنما تظل قابلة لإعادة القراءة كلما تغير أفق التلقي. ومن هذا المنظور، يبدو اختيار محمد بهجاجي عنوان “أليغوريا” اختيارًا واعيًا بطبيعة المشروع المسرحي الذي يقترحه. فالنص لا يقدم حكاية عن الحرب أو العزلة أو الخوف بقدر ما يبني عالمًا تتحول فيه الشخصيات إلى علامات، ويتحول المكان إلى مجاز، وتغدو الحرب نفسها استعارة لحالات إنسانية ومعرفية متعددة. لكن النص لا يكتفي ببناء هذا المجاز، وإنما يعمل، في الوقت نفسه، على مساءلته وتقويضه،

ليس نص أليغوريا من النصوص التي يمكن الاقتراب منها بوصفها حكاية عن حرب، أو عن مجموعة أشخاص وجدوا أنفسهم معزولين داخل بيت قديم في زمن كارثة غامضة. فمثل هذا التلقي لا يلامس إلا سطح الكتابة، بينما يشتغل النص، في عمقه، على تقويض كل يقين يمكن أن يطمئن إليه القارئ أو المتفرج. فمنذ العنوان يعلن محمد بهجاجي أن ما سنواجهه ليس الواقع، بل مجازًا عنه، غير أن النص لا يكتفي بتشييد هذا المجاز، وإنما يشرع، في الوقت نفسه، في تفكيكه، بحيث يصبح المجاز ذاته موضع مساءلة.

لا يبحث النص عن معنى نهائي أو عن رسالة مكتملة، وإنما يؤسس فضاءً دلاليًا مفتوحًا، تتشابك فيه العلامات وتتوالد الإحالات بما يجعل المعنى مؤجلًا على الدوام. فهو يبني ثنائياته المفهومية ــ الحقيقة/الوهم، الذاكرة/النسيان، الحرب/السلم، البصر/العمى، المؤلف/الشخصية ــ لا لتثبيتها، بل لتفكيكها والكشف عن تداخلها واستحالة الفصل الحاسم بينها. لذلك تغدو «أليغوريا» مختبرًا مسرحيًا تتجاور فيه الإمكانات التأويلية، حيث يُنتج النص معناه عبر حركة مستمرة من البناء والهدم، لا عبر الوصول إلى يقين دلالي مغلق.

ولعل أول ما يلفت الانتباه أن النص يراهن على إنتاج يقين أولي لدى المتلقي. فصفارات الإنذار، وانقطاع الاتصال، والبيت المعزول، والخوف الجماعي، والحديث المتكرر عن الطوفان أو الحرب، كلها عناصر تدفعنا إلى الاعتقاد بأننا إزاء واقعة تاريخية محددة. لم تكن حرب، لم يكن طوفان، لم تكن سفينة. كنا نمثل فقط. (النص) غير أن هذا اليقين يتعرض، في اللحظة التي يظن فيها المتلقي أنه بلغ تفسيرًا للأحداث، إلى عملية تقويض جذرية، حين يعلن الشيخ أن ما جرى لم يكن سوى لعبة مسرحية رسم المؤلف حدودها، وأن الشخصيات لم تكن سوى مؤدين لأدوار مرسومة سلفًا. لكن النص لا يسمح حتى لهذا الكشف بأن يتحول إلى حقيقة نهائية؛ إذ لا يلبث أن يعيد الانفجارات وصفارات الإنذار وانهيار الفضاء المسرحي، وكأنه يسحب من المتلقي آخر أرضية يمكن أن يقف عليها. وهكذا لا يعود السؤال: هل كانت الحرب حقيقية أم متخيلة؟ بل يصبح السؤال نفسه موضع شك.

ومن داخل هذه البنية المتحركة تتهاوى ثنائية أخرى تبدو أكثر مركزية، هي ثنائية البصر والعمى. فالشيخ الذي تقدمه الشخصيات بوصفه أعمى ينكشف تدريجيًا بوصفه الشخصية الوحيدة القادرة على الرؤية الحقيقية، في حين يبدو الآخرون، على الرغم من سلامة أبصارهم، عاجزين عن رؤية ذواتهم أو إدراك ما يحيط بهم. وهكذا لا يعود العمى فقدانًا لحاسة النظر، بل يتحول إلى استعارة للقصور المعرفي، بينما يغدو البصر قدرة على النفاذ إلى ما وراء الظاهر واستبصار جوهر الأشياء. ومن هنا تكتسب عبارته: “أنتم المبصرون عميان” دلالتها المركزية، إذ تعيد تعريف العمى بوصفه حالة من الغفلة وفقدان الوعي، لا مجرد عجز بيولوجي، وتجعل البصر فعلًا من أفعال المعرفة أكثر منه وظيفة للحاسة. وفي السياق نفسه، تكتسب المرآة قيمة رمزية لافتة؛ فالشخصيات لا تنظف منها إلا الجزء الذي يكفي لرؤية وجوهها، وكأنها تكتفي بصورة جزئية ومبتورة عن ذواتها، دون أن تمتلك الشجاعة لمواجهة الصورة كاملة. وحين تتحطم المرآة في نهاية العرض، فإنها لا تعلن نهاية شيء مادي فحسب، بل تشير إلى انهيار وهم الهوية المكتملة واستحالة امتلاك حقيقة نهائية عن الذات أو العالم. ويرتبط بذلك حضور الذاكرة، التي لا تؤدي وظيفة الاسترجاع بقدر ما تؤسس أزمة الهوية. فالرجل الأول يتنقل باستمرار بين التذكر والنسيان، وبين الاعتراف والإنكار، حتى يغدو اسمه، وعلاقته بالمرأة، وماضيه، عناصر قابلة لإعادة الصياغة في كل لحظة. وبهذا لا يعود الاسم علامة ثابتة على الهوية، ولا تصبح الذاكرة ضمانًا لاستمرارها، بل يتحول الإنسان إلى كائن يعيش داخل سلسلة من الاحتمالات والتأويلات، لا داخل حقيقة مكتملة أو يقين نهائي.

ومن اللافت أيضًا أن النص يجعل الزمن نفسه عرضة للتفكيك. فالساعة المعطلة، التي لا تتحرك إلا حين تعيد الشخصيات ضبطها وفق زمن العرض، ليست مجرد عنصر سينوغرافي، بل إعلان عن انفصال الزمن المسرحي عن الزمن الواقعي، قبل أن تنفجر الساعة في المشهد الأخير، معلنة سقوط آخر مرجع يمكن القياس عليه. وكأن النص يريد أن يقول إن الزمن، مثل الحقيقة، ليس معطى ثابتًا، بل بناء هش قابل للانهيار.

وتبلغ هذه الاستراتيجية ذروتها في العلاقة بين المؤلف وشخصياته. ففي الوقت الذي يبدو فيه المؤلف حاضرًا بوصفه القوة التي رسمت مصائر الجميع، لا يلبث النص أن يسحب منه هذه السلطة أيضًا. فحين يخرج الممثلون من أدوارهم، ويتحولون إلى ذواتهم، ثم يجدون أنفسهم داخل انفجار جديد لا يستطيع النص نفسه تفسيره، يصبح المؤلف جزءًا من اللعبة لا سيدًا عليها. وهنا يكتمل تفكيك المركز الأخير الذي كان يمكن أن يمنح العرض معنى نهائيًا.

بهذا المعنى، لا تبدو أليغوريا نصًا عن الحرب بقدر ما هي نص عن استحالة الوصول إلى حقيقة مستقرة في عالم تتهاوى فيه المراكز تباعًا. إنها كتابة لا تقدم أجوبة بقدر ما تؤجلها، ولا تؤسس يقينًا بقدر ما تدفع المتلقي إلى مساءلة يقينه الخاص. وربما لهذا السبب لا تنتهي المسرحية فعليًا عند إسدال الستار، بل تبدأ من جديد داخل ذهن المتلقي، حيث تستمر الأسئلة التي زرعتها أكثر مما تستمر الأحداث التي رواها النص.

ملاحظة: أرسل إليّ هذا النص الصديق المسرحي عبد الجبار خمران، وهو يستعد للاشتغال عليه ركحيًا، وهو خبر أسعدني كثيرًا. فمنذ تعاون محمد بهجاجي مع ثريا جبران وعبد الواحد عزري، لم تحظَ نصوصه بحضور يليق بها على الخشبة، على الرغم من أنه كتب العديد منها، وهو ما يثير الدهشة والتساؤل.

فبحسب معرفتنا بتجربته، لا يُعد محمد بهجاجي كاتبًا مسرحيًا مهمًا فحسب، بل هو كاتب مقتدر يمتلك وعيًا عميقًا بقوانين الخشبة وآلياتها، ولا يكتب نصًا إلا وهو يستحضر العرض المسرحي، ويفكر في المتفرج، وفي الأسئلة الملحة التي يطرحها العصر.

محمد سيف

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: المحتوى محمي !!