«مهرجان ظفار».. لقاء الدهشة والإبهار

تكتسب بعض المهرجانات قيمتها من حجم المشاركات التى تستضيفها، بينما تأتى قيمة بعضها الآخر من قدرتها على صياغة هوية خاصة بها. ومن يتابع مهرجان ظفار الدولى للمسرح فى دورته الثانية برئاسة عمار بن عوبد، فى مدينة ظفار بسلطنة عمان، يدرك أنه جمع بين الحُسنيين؛ إذ لم يكتفِ باستضافة عروض عربية وعالمية متميزة ولافتة، بل سعى إلى بناء تجربة ثقافية حية وذات خصوصية مرتبطة بالمكان نفسه؛ إذ تصبح ظفار شريكًا فى الحدث وليست مجرد خلفية له. فالمسرح هنا يعانق جغرافيا خاصة جدًا، لتتشكل معادلة نادرة تجمع بين متعة الفرجة واكتشاف سحر الطبيعة الخلابة فى صلالة المدهشة.
وقد تكون كلمة الدكتور أحمد الغساني، رئيس بلدية ظفار ورئيس اللجنة التنفيذية لمهرجان ظفار، قد لخصت جانبًا مهمًا من فلسفة ارتباط المهرجان بهذه المدينة الخلابة حين قال فى كلمته الافتتاحية للمهرجان: «اخرجوا إلى ظفار.. لا تجلسوا فى أماكنكم، تعرفوا عليها عن قرب»، وهى دعوة تصنع علاقة مختلفة بين المسرح والسياحة، فالمهرجان لا يرى السياحة برنامجًا موازيًا على هامش المهرجان، ولكنها جزء لا يتجزأ من تجربة ثقافية متكاملة منحها المهرجان لضيوفه. فعندما يذهب المسرحى أو الناقد أو الفنان إلى مواقع ظفار التاريخية والطبيعية، ويتعرف إلى أهلها وتراثها، فإنه يكتشف سياقًا ثقافيًا جديدًا، وربما تلهمه الطبيعة أفكارًا وصورًا يمكن أن تتحول مستقبلًا إلى أعمال فنية ومشروعات إبداعية.
وأتصور أن هذه واحدة من أكثر نقاط المهرجان قوة وذكاءً، وهى ألا يشاهد العالم من نافذة المهرجان مسرح ظفار فقط، بل أن تكتشف ظفار نفسها العالم من خلال المسرح.
على مستوى العروض، قدم المهرجان 15 عرضًا مسرحيًا عبر ثلاثة مسارات مختلفة، وهى مسارات العروض الكبرى والنخبة ومسرح ظفار. وفى ظنى أن ابتكار عروض النخبة فكرة طازجة سمحت بجمع أبرز العروض العالمية أمام الجمهور، بينما جاء اختيار عدد من عروض مسرح ظفار أيضًا فكرة متميزة جدا، لأنها سمحت لنا بالتعرف عن قرب على اجتهادات ورؤى مسرحية ذات وهج خاص مرتبط بطبيعة علاقة المواطن العمانى بمجتمعه.
وقد لفتتنى عدة عروض متفرقة بين المسارات الثلاثة قد يجمعها رابط فكرى وإنسانى متقارب، فتحت عنوان الحب والتقاليد المجتمعية والموروث الشعبى والانتقام، جاء العرض الإسبانى روميو وجولييت كأحد أكثر العروض جاذبية بفضل التناول المتميز للقصة الشكسبيرية الشهيرة عبر الجمع بين رقص الفلامنكو المعاصر والرقص الإسبانى الشعبى والغناء الحى على الأنغام الإسبانية الحيوية بآلة الجيتار. وتميز العرض بقدرته على تكثيف هذا النص الطويل ودون أى حوار تقليدي، بل تواصل الأبطال مع الجمهور فى تفاعل حى نابض بالحيوية وسخونة الإيقاع عبر الرقص والتنقل بسلاسة وعذوبة بين مشاهد العلاقة بين روميو وجولييت وعائلتيهما.
وفى العرض المصرى متولى وشفيقة للمخرج أمير اليماني، نال أبطال العرض إعجاب الجمهور، بفضل الأداء التمثيلى المتقن لواحدة من أشهر الحكايات المصرية فى صعيد مصر، واستطاع الممثلون بصدقهم تعويض جزء مهم من نقيصة الصورة البصرية ــ نتيجة غياب الديكور الأصلى للعرض ــ بحضورهم، فتحولت أجسادهم وأصواتهم وانفعالاتهم إلى سينوجرافيا بشرية، وأصبحت طاقاتهم الأدائية جزءا من الصورة التى بذل فيها د. محمد سعد مصمم الديكور وإبراهيم الفرن مصمم الإضاءة جهدا فائقا، لتقترب من المعنى العام للعرض لدى عرضه فى القاهرة.

وجاء العرض الهندى رقصة النسيج ليقدم فى سياق راقص آخر، يومًا فى حياة عمال النسيج والدباغة فى الهند، وتنقلوا برشاقة بين لوحات راقصة تجمع بين لغة الجسد وأدوات النسج كالنول وخلافه، ليرصد لنا كم المشقة والتعب الذى يعيشه هؤلاء العمال يوميًا، ولكن بقليل من الحوار وكثير من الدراما الحركية التى تعكس إنسانية ورهافة هذا العمل.
وفى العرض التركى «هاملت» اختار صناعه لحظة المواجهة بين الابن والأم والعم، استنادا إلى جملة «هناك شيء فاسد يحدث فى مملكة الدانمارك»، وقدموا تجربة تتعانق مع الجمهور عبر لسان خشبى يشق صالة المسرح من المنتصف لتدور فيه بعض الأحداث، ليزداد العرض حيوية وتفاعلًا. ورغم أن الأداء التمثيلى لم يكن على مستوى التوقعات، فإن اختزال النص وإعداده برؤية معاصرة جذبه إلى مساحة انتقام ليارتيس بقتل الجميع بالمسدس انتقامًا لغرق أخته أوفيليا.
وفى ثالث عروضه بعد الإمارات والقاهرة جاء «غياهب الروح» للمخرج عبدالرحمن الملا ليخترق مساحة الصراع بين الإنسان والخرافة برؤية تجريدية اختزل فيها الرحى إلى قبة معدنية تطحن كل من يقترب منها ويتمرد على الجهل والخرافة، حتى تطحن أصحاب المصلحة أنفسهم. وفى مسار عروض ظفار لفتنى عرض «عناية خاصة جدا» بقدرات ممثليه الكوميدية الصارخة وقدرتهم على تحويل المستشفى كفضاء يوحى بالألم والمرض والموت إلى فضاء ساخر جدًا من خلال عدة مفارقات حولت المستشفى إلى فوضى وعشوائية، وهو ما فتح مساحة لصنع حالة كوميدية تفاعل معها الجمهور ضحكًا وتصفيقًا.
باسم صادق – الأهرام



