أخبار مسرحية

“صمت العيون”.. الحب وحده لا يكفي

هناك، بين طرفي طاولة صغيرة، يقف قلبان جمعتهما ذات يوم لغة الحب، أمام امتحان التفاصيل التي تبدو عابرة، لكنها تحمل في جوهرها أسئلة كبرى تطرحها مسرحية ” صمت العيون” لمسرح البيادر؛ لتكشف المسافة بين حلم تنسجه المخيلة، وحقيقة تُجليها التجربة.

الحب فوق الخشبة ليس بطلاً ، بل عتبة أولى نحو الاختبار. فأحمد ونعيمة يدخلان الحياة الزوجية وهما يحملان ذاكرةً صاغتها لغة العيون لا الكلمات؛ ففي الجامعة كانت نظرة واحدة قادرة على البوح بما تعجز عنه العبارات، من سؤال واعتذار واعتراف بالحب. غير أن البيت لا يشبه فضاء الجامعة؛ فالحب وحده لا يكفي؛ إذ تحتاج العلاقة إلى لغة أكثر نضجًا وعمقًا: لغة التفاهم.

وهكذا تتحول المسرحية، لمؤلفها ومخرجها البحريني جمال الصقر، إلى رحلة داخل النفس، لا داخل البيت. فالبيت ليس سوى استعارة كبيرة للعلاقة الإنسانية، والطاولة ليست سوى أداة رمزية لاكتشاف المسافة الفاصلة بين صورتنا عن الآخر، وحقيقته التي تبدأ بالظهور بعد الزواج. نعيمة تكتشف أن أحمد ليس الرجل الذي نسجته في خيالها، وأحمد يكتشف بدوره أن الحب لا يمنح أحدًا حق امتلاك الحقيقة كاملة.

جاء البناء الإخراجي للعرض متفردًا في تنوعه؛ فكل فكرة كانت تبحث عن لغتها، وكل لحظة انفعال كانت تستدعي إيقاعها الخاص. أحيانًا يتقدم الجسد على الكلمة، وأحيانًا تنوب الموسيقى عن الحوار، فيما يصبح الصمت في لحظات أخرى أكثر بلاغة من أي خطاب. ولم يكن هذا التنوع وليد المصادفة؛ فالمخرج جمال الصقر لم يركن إلى مدرسة واحدة، ولم يسمح لعرضه أن يسير في مسار واحد. كان يعرف أن العلاقات الإنسانية لا تُقرأ بمنهج واحد، ولذلك جاءت أدواته متعددة، مثل تعدد حالات الإنسان نفسه.

وفي هذا السياق قال الصقر : “رؤيتي الإخراجية لم تعتمد على مدرسة مسرحية واحدة، بل انفتحت على أكثر من اتجاه؛ اشتغلت على اللغة التعبيرية، واللغة الغنائية، والتعبير بحركة الجسد، ولغة الإيقاعات. كنت أبحث عن مساحة حرة لا تحاصر العرض في قالب واقعي أو تجريبي محدد؛ لذلك مزجت بين الأساليب المختلفة وتمردت على كل خط مسرحي، لأنني أؤمن بأن كل لحظة وكل حالة إنسانية تحتاج إلى لغتها الخاصة. وفي النهاية، كانت إشادة الجمهور البحريني والمسرحي بالعمل هي المقياس الأهم لنجاح هذه التجربة”.

تأتي مسرحية “صمت العيون” عملًا توعويًا اجتماعيًا من إنتاج مسرح البيادر، وتأليف وإخراج الفنان البحريني جمال الصقر. وضمّ العمل نخبة من الفنانين، في مقدمتهم أحمد عبد القادر وعالية إبراهيم، وتولى عبدالله الدرزي تصميم السينوغرافيا ، وتنفيذ الديكور رمضان يوسف، وتصميم المكياج إيمان الجيب، بينما وضع الموسيقى التصويرية حسن شمس.

وحقق العرض نجاحًا جماهيريًا كبيرًا، إذ امتلأت مقاعد المسرح في الصالة الثقافية بالحضور. ولعل السر يكمن في أن “صمت العيون” لا تراهن على الضجيج، بل على العمق والجمال؛ فهي تستمد أسئلتها من التفاصيل اليومية الصغيرة، وتقترح على المتلقي أن ينظر إلى حياته بعين مختلفة، فربما كانت خلافاتنا الكبرى قد بدأت، يومًا ما، من طاولة صغيرة لم نجد لها مكانًا مناسبًا.

 ولهذا لا يغادر المتفرج القاعة وهو يتذكر الطاولة التي أشعلت الخلاف، بل يغادرها وهو يحمل سؤالًا يظل عالقًا في ذهنه بعد إسدال الستار: متى تتحول الـ”أنا” إلى “نحن”؟

زهراء غريب –  اليمامة الجديدة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: المحتوى محمي !!