أخبار مسرحية

كيف حضرت “ألف ليلة وليلة” في المسرح العربي؟

سامي الجمعان يتناول إقبال الكتاب على "الليالي" ويركز على خصائصها الفنية

ملخص

يقدم كتاب “حضور ألف ليلة وليلة في المسرح العربي” للكاتب السعودي سامي عبداللطيف الجمعان قراءة في أسباب افتتان المسرحيين العرب بحكايات “الليالي” لما تختزنه من إمكانات درامية وموضوعية قابلة لإعادة التشكيل. ويصنف طرائق استلهامها في ثلاثة اتجاهات، هي المسرحة والتوظيف والتأصيل، إضافة إلى قائمة تضم 116 نصاً مسرحياً مستلهماً من حكاياتها.

ارتبط المسرح العربي منذ نشأته بفنون الأداء الشعبية، وفي مقدمتها السير الشعبية، فنقولا النقاش (1825- 1895) كتب مسرحيته “ربيعة وعنترة” عام 1849، مستنداً إلى سيرة عنترة بن شداد، وفي العام التالي اعتمد شقيقه مارون النقاش (1817- 1855) على حكايات “ألف ليلة وليلة” في مسرحيته “أبو حسن المغفل أو هارون الرشيد”. ومنذ ذلك الوقت واصلت “ألف ليلة وليلة” حضورها في المسرح العربي، مما تتبعه الباحث السعودي سامي عبداللطيف الجمعان في كتابه “حضور ألف ليلة وليلة في المسرح العربي” (الهيئة العربية للمسرح – الشارقة).

يفسر الجمعان في كتابه أسباب التفاف الكتاب العرب حول “ألف ليلة وليلة” مسرحياً، مركزاً على الجانب الفني في الليالي نفسها، وما تمتلكه من خصائص تجعلها صالحة لهذا الفن الوافد. ولا يكتفي بتفسير لجوء المسرحيين العرب إليها بدوافع سياسية، إذ يرى كثير من الباحثين أن لجوء المسرح إلى الحوادث التاريخية والسير الشعبية والحكايات والأغاني كان نوعاً من أنواع المقاومة ضد المستعمر، وتأكيداً على الهوية العربية، ووسيلة لاستعادة الثقة بالنفس بعيداً من أسى الإحباط والانكسار.

ويرى آخرون أن هذا التراث يمتلك قدرة على التحاور مع القضايا الحاضرة، لما يتسم به من مرونة وقابلية للتشكل، بما يتيح للمسرحيين التعبير عن هموم المجتمع وقضاياه من خلال قوالبه، وتطويعها للإسقاط على الواقع، فضلاً عن الالتفاف على سلطة الرقيب التي تحول دون تناول القضايا السياسية بصورة مباشرة.

دوافع الاستلهام

d03307d8-8112-4c3b-971e-fcabd8da0d01.png

 

لا يرفض الجمعان هذه الأسباب، لكنه يرى أن استقطاب “ألف ليلة وليلة” للمسرحيين العرب لم يكُن من أجل تأكيد الهوية أو مجرد الإسقاط على الواقع، وإنما ارتبط أيضاً بعوامل تتصل بالليالي نفسها، جعلت منها مادة مسرحية بامتياز، تغري الكاتب باستلهامها والإفادة من طاقاتها الفنية الخلاقة. ويحدد الجمعان هذه العوامل في مجموعتين رئيستين، الخصائص الدرامية والخصائص الموضوعية. ويأتي في مقدمة الخصائص الدرامية البعد الحكائي، فالحكاية وثيقة الصلة بالدراما، وواكبت نشأة المسرح في العالم، وظلت حاضرة عبر امتداد الحضارات.

وتكتسب الحكاية في “ألف ليلة وليلة” خصوصية إضافية، لما تنطوي عليه من خصائص درامية ذات طبيعة مسرحية، من أبرزها البعد الميثولوجي الذي يتمثل في نوعين رئيسين، الخرافة والحكايات الأسطورية. فقد قدمت الليالي في حكاياتها مواضيع ميثولوجية حية تقوم على الصراع، وتتميز بصبغة درامية، من بينها صراع الإنسان مع المجهول وقوى الطبيعة، وصراعاته الروحية وحاجاته المادية، وهي جميعاً مواضيع أثيرة في المسرح. ويضاف إلى ذلك البعد الطقوسي في “ألف ليلة وليلة”، بما تحويه من طقوس السحر والطقوس المرتبطة بالشعائر الدينية والمسرح، في أحد تعريفاته، حالة طقوسية يشترك في صنعها الممثل والجمهور، مما يجعل مسرحتها أمراً منطقياً.

التعرف والتحول

وقدمت “الليالي” عدداً كبيراً من الشخصيات التي لا يمكن تجاوزها، واعتمد عليها الفن المسرحي نماذج رئيسة للخير والشر، فضلاً عن امتلاكها خيالاً جامحاً يتيح للكاتب مساحة واسعة للإبداع. ومن هنا أصبحت “ألف ليلة وليلة” مستودعاً فنياً يمكن للكاتب المسرحي أن يستقي منه ما يعينه على التعبير عن قضايا عصره وهموم مجتمعه.

ويشير الجمعان إلى ما تمتلكه “ألف ليلة وليلة” من عنصر التحول والانقلاب الدرامي، وهو من العناصر الأساسية في بناء المأساة عند أرسطو الذي ربط جودة الحبكة بعنصري التعرف والتحول. فالتعرف هو انتقال الشخصية من الجهل إلى المعرفة، والوصول إلى مرحلة الإدراك والكشف، أما التحول فهو انتقال البطل بعد حدوث المعرفة، من حال إلى حال، من النعيم إلى الشقاء في المأساة، أو من الشقاء إلى النعيم في الملهاة. ويرى الجمعان أن هذا النمط من التحول والانقلاب حاضر بقوة في حكايات “ألف ليلة وليلة”، مما يمنحها طاقة درامية قابلة للاستثمار المسرحي.

ومن العناصر المهمة التي تجعل “ألف ليلة وليلة” مادة ثرية للمسرح، تقنية تناسل الحكايات، بما تمنحه من مرونة في بناء السرد، وقد أفاد كتاب المسرح العرب من هذه الآلية في عرض الأحداث المسرحية من خلال لوحات متجاورة تنتظم داخل إطار عام، يتشكل في داخله كثير من اللوحات أو المناظر. وتُعد هذه التقنية من خصائص المسرح الملحمي عند بريخت، بما يعني أن “ألف ليلة وليلة” تجمع على نحو لافت بين تقنيات ارتبطت بالمسرح الكلاسيكي الأرسطي، وأخرى تتقاطع مع تقنيات المسرح الحديث.

طاقة متجددة

ومن النتائج المهمة التي يصل إليها الجمعان في هذا السياق أن شغف المسرح العربي بتقنية تعدد اللوحات التي شاع استخدامها في المسرح العربي، لها جذور في بنية القص العربي، ولا سيما في تقنية تناسل الحكايات في “ألف ليلة وليلة”. وهو الرأي الذي سبق أن ذهب إليه الدكتور أحمد شمس الدين الحجاجي الذي رأى أن ولع المسرح العربي بالمسرح الملحمي يرتبط في جانب منه بأنه مسرح قائم على الحكاية، فوجد فيه المسرحيون العرب ضالتهم واعتمدوه أكثر من غيره.

ومن الخصائص الموضوعية التي يركز عليها الجمعان والتي دفعت المسرحيين إلى استلهام “ألف ليلة وليلة”، تعدد الثيمات الفكرية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية والدينية داخل الليالي، فضلاً عن كثرة الثنائيات الضدية التي تنتج الصراع، وهو عماد الدراما، وتجعل الليالي قادرة على التعبير عن الأفكار والقضايا التي يريد المؤلف المعاصر طرحها. ويصنف الجمعان هذه الثنائيات الضدية في “ألف ليلة وليلة” في خمسة محاور رئيسة، الصراع بين السلطة والشعب، والصراع بين الأغنياء والفقراء، والصراع بين الأخيار والأشرار، والصراع بين الإنسان ونفسه، والصراع بين الرجل والمرأة.

ومن هنا يرى الجمعان أن الطاقة الدرامية والموضوعية والحكائية في “ألف ليلة وليلة” ظلت متجددة، ويعبر عن ذلك بقوله “لم يكن لجوء الكاتب المسرحي العربي إلى المخزون ألف ليلة وليلة الحكائي… سوى توجه طبيعي ومتوقع، فهذه الطاقة الدرامية والموضوعية والحكائية أسالت لعاب كتاب المسرح العالمي أيضاً” (صفحة 126).

نماذج تحليلية

وفي القسم الثاني من كتابه، يقسم الجمعان طرائق استلهام المسرحيين العرب لـ”ألف ليلة وليلة” إلى ثلاثة اتجاهات، مقدماً نماذج تحليلية تبرز ملامح كل اتجاه. الأول يسميه “مسرحة الليالي”، ويتخذ من مسرحية “أبو الحسن المغفل” للبناني مارون النقاش نموذجاً دالاً عليه. وينصرف الكاتب في هذا الاتجاه إلى تأدية القصة الأصلية بما تحمله من مغامرات وحوادث كثيرة، مع السعي إلى نقلها إلى الخشبة بأيسر الطرق.

أما الاتجاه الثاني، فيسميه “توظيف الليالي”، وفيه يستفيد المؤلف من حكايات “ألف ليلة وليلة” ويوظفها لخدمة قضاياه وقضايا مجتمعه. ويفطن الكاتب هنا إلى مخزون الحكاية، فيعمل على التلبس بأقنعتها والتواري خلف رموزها، سواء على مستوى الأحداث والشخصيات، أو الثيمات الميثولوجية، أو الفضاءات الزمانية والمكانية المتعددة. وبذلك تصبح الحكاية قناعاً أو معادلاً موضوعياً لما يريد المؤلف الحديث عنه، ويتخذ الجمعان من مسرحية “على جناح التبريزي وتابعه قفة” للمصري ألفريد فرج نموذجاً لهذا الاتجاه.

والاتجاه الثالث هو “تأصيل الليالي”، ويختلف عن الاتجاه الأول الذي يعطي الأولوية للشكل، أي للحكاية، ويركز على نقل تفاصيلها بأمانة شديدة، كما يختلف عن الثاني الذي يركز على المضمون ويوظف حكايات الليالي فلسفياً للتعبير عن رؤية المؤلف. ففي هذا الاتجاه تصبح الحكاية منطلقاً لبناء مضمون جديد، مع الحرص على محاكاة هذا المضمون للواقع وقضايا العصر، إضافة إلى خلق شكل مسرحي خاص وجديد، يقوم على تحقيق التوازن بين مضمون المسرحية وشكلها، من دون أن يطغى أحدهما على الآخر. ويتخذ الجمعان من مسرحية “الملك هو الملك” للسوري سعد الله ونوس نموذجاً لهذا الاتجاه.

ويخلص الجمعان إلى قدرة حكايات “ألف ليلة وليلة” على التناغم مع توجهات المسرح الحديث ومدارسه المختلفة، واستيعاب تقنيات المسرح قديمها وحديثها، وصولاً إلى دخولها في دائرة المسرح التجريبي. ويضم الكتاب في خاتمته قائمة مهمة تشمل 116 نصاً مسرحياً عربياً مستلهماً من حكايات “ألف ليلة وليلة”. وفي ظني أن هذه القائمة لا تزال أقل بكثير من حجم حضور “ألف ليلة وليلة” في المسرح العربي، ولن أكون مبالغاً إذا قلت إن عدد النصوص المستلهمة منها قد يتجاوز هذا الرقم بأضعاف.

يضاف إلى ذلك حاجة القائمة إلى مزيد من التنقيح، فعلى سبيل المثال، تظهر في القائمة أوبريت بيرم التونسي “شهرزاد” ضمن النصوص المأخوذة من “ألف ليلة وليلة”، بينما كان اسم الأوبريت في الأصل “شهو زاد”، وقد تغير الاسم لأسباب رقابية، ولا علاقة للنص في الأصل بحكايات الليالي. كما يورد نص “ليلة من ألف ليلة” ضمن القائمة، وهو نص شعري كتبه بيرم التونسي بالعامية المصرية لفرقة فاطمة رشدي أثناء منفاه في ثلاثينيات القرن الماضي، وهو في الأصل تعريب لمسرحية أجنبية بعنوان “لو كنت ملكاً”.

ولا يقلل هذا من الجهد الكبير الذي بذله الجمعان في إعداد هذه القائمة التي تصلح مرتكزاً قابلاً للتطوير والتحديث، وتخدم الباحثين، وتوفر لهم قاعدة بيانات مهمة يمكن البناء عليها في دراسة حضور “ألف ليلة وليلة” في المسرح العربي.

 

عبدالكريم الحجراوي – إندبندنت عربية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: المحتوى محمي !!