«شرم الشيخ للمسرح الشبابى» يكرم ذاكرة المسرح ويستشرف مستقبله

فى مشهد يعكس ما راكمه مهرجان شرم الشيخ الدولى للمسرح الشبابى من مكانة على خريطة الفاعليات المسرحية العربية والدولية، انطلقت دورته الحادية عشرة، برئاسة الفنان مازن الغرباوى، وسط التفاف فنى لافت جمع كوكبة من كبار نجوم المسرح المصرى والعربي، فى احتفاء تجاوز حدود افتتاح دورة جديدة، ليؤكد أهمية المهرجان كحدث سنوى عملاق تلتقى فيها أجيال المسرح، وتتصافح خلالها الخبرات الراسخة مع طموحات الشباب، فيما حملت الدورة اسم الفنانة الكبيرة سهير المرشدي، تقديرا لمسيرتها الاستثنائية وعطائها الممتد.
وافتتحت د. إيناس سمير، نائبة محافظ جنوب سيناء، المهرجان، بحضور الفنانين د. أشرف زكى، نقيب المهن التمثيلية، إلهام شاهين، الرئيس الشرفى للمهرجان، والفنانة القديرة سهير المرشدى، إلى جانب حشد من نجوم الفن والثقافة والشخصيات المسرحية المصرية والعربية، فى مقدمتهم أحمد بدير، رياض الخولي، أشرف عبد الباقي، محمد الصاوي، إيهاب فهمى، رئيس البيت الفنى للمسرح، الممثلة العراقية كلوديا حنا، مروة عبد المنعم، والمخرج أمير اليمانى، والفنان المخرج العُمانى عدى الشنفرى، إلى جانب، الجزائرى أحميدة عياشى، وعمار بن عوبد غواص، رئيس مهرجان ظفار الدولى للمسرح، وأحمد الرواس، مدير المهرجان.
ويكتسب هذا الحضور الكثيف دلالته من كونه التفافا حول تجربة مسرحية شبابية استطاعت، عبر دوراتها المتعاقبة، أن تفتح نافذة على التجارب الجديدة، دون أن تنفصل عن رموز المسرح وأعلامه؛ فاجتماع هذه الأسماء على أرض شرم الشيخ يمنح المهرجان زخما فنيا ومعنويا، ويؤكد أن رهانه على الشباب لا يتعارض مع الاحتفاء بتاريخ المسرح المصرى والعربي، بل يستمد منه قوته وامتداده.
وعلى السجادة الحمراء، اتسعت دائرة الحضور لتشمل ضيوف المهرجان من الدول العربية والأجنبية؛ إذ شاركت سفيرة رومانيا أوليفيا تودرين، والمخرج قسطنطين كرياك، رئيس مهرجان سيبيو الدولى للمسرح، والفنانة الرومانية ديانا لازار، الشخصية الدولية المكرمة، وهو وفد رسمى يمثل رومانيا كدولة ضيف شرف المهرجان، وقدمة فرقة رومانية فقرة غنائية راقصة تعكس الفلكلورى الرومانى وبأزياء تقليدية، وهى الفقرة التى نالت تفاعل ضيوف المهرجان ومشاركتهم الرقص، ولفتت السفيرة أوليفيا تودرين الأنظار بحضورها وبساطتها وفرحتها الكبيرة باختيار رومانيا دولة ضيف الضيف واعتبرته تتويجا لعمق العلاقات المصرية الرومانية التى تصل هذا العام إلى 120 عاما، بينما اعتبر قسطنطين كرياك أن أهم ما فى هذا الحدث هو وجود أساتذة المسرح جنيا إلى جنب مع شباب المسرحيين.
جاء اختيار الفنانة الكبيرة سهير المرشدى لتحمل الدورة الحادية عشرة اسمها بمثابة تكريم لتجربة فنية ممتدة، تركت بصماتها الواضحة فى المسرح والدراما المصرية، ورسخت حضورا استثنائيا لفنانة استطاعت أن تجمع بين عمق الأداء وثراء الشخصية وصدق التعبير. ولم يكن الاحتفاء باسمها مجرد استعادة لمحطات مضيئة فى مشوارها، بل إشارة إلى قيمة الأجيال التى أسهمت فى بناء الوجدان المسرحي، وإلى ضرورة أن تظل هذه التجارب حاضرة فى ذاكرة الشباب.
واستهل حفل الافتتاح، الذى قدمته اللبنانية سمر جميل، فقراته بفيلم تسجيلى عن مسيرة المرشدي، استعرض أبرز محطات مشوارها الفنى وإسهاماتها المسرحية والدرامية، متضمنا شهادات لعدد من الفنانين، من بينهم ابنتها حنان مطاوع، مازن الغرباوي، صابرين، د. أيمن الشيوى، رياض الخولى، رانيا فريد شوقي، مروة عبد المنعم، والكاتب جمال عبدالناصر، ومقتطفات من أبرز أعمالها المسرحية.
وجاء الفيلم ليمنح لحظة التكريم أبعادها الإنسانية والفنية، مستحضرا مسيرة فنانة لم يكن حضورها مقصورا على أدوارها، وإنما امتد إلى ما تمثله من قيمة فى تاريخ الفن المصري، وهو ما جعل إطلاق اسمها على الدورة الحالية رسالة تقدير تتجاوز الاحتفاء الشخصى إلى تكريم ذاكرة المسرح ذاته، كما جاءت كلمة احمد بدير مؤثرة خلال تكريمه حين قال: «هذا تكريم غال لا أحتاج شيئا بعده إذ يكرمنى المهرجان فى دورة تحمل اسم الرائعة سهير المرشدى وبدرع تكريم يحمل اسم السيدة العظيمة سميحة ايوب».
وفى خطوة تؤكد حرص المهرجان على مواصلة الاحتفاء برموز الفن المصري، أعلن اختيار الفنان أشرف عبد الباقى حاملا اسم الدورة المقبلة لعام 2027، بما يفتح امتدادا جديدا لمسار التكريم الذى يربط بين التجارب الفنية المؤثرة والأجيال المسرحية الشابة.
ويحمل اختيار عبدالباقى دلالة خاصة بالنظر إلى حضوره الفنى، وإسهاماته فى المسرح، التى تتجاوز 300 عرض مسرحى بين تمثيل وإخراج وإنتاج، وارتباط تجربته بمساحات متعددة من العمل الفني، علاوة على دوره فى دعم المواهب الشابة وإتاحة فرص الظهور أمامها. وهكذا، يواصل المهرجان بناء تقليد يضع رموزه الفنية فى قلب مشروعه الشبابي، ويجعل من تكريم الكبار جسرا نحو المستقبل، لا مجرد وقفة عند الماضي. وعقب حفل الافتتاح، انطلقت عروض المسابقة الكبرى بالعرض المسرحى السعودى «لا أحد»، تأليف أحمد البن حمضة، وإخراج فهد الدوسرى، وبطولة كميل العلى وفاطمة الجشى.
ويطرح العرض فكرة العزلة بوصفها حالة تتجاوز الانفصال المكانى إلى اغتراب نفسى واجتماعي، يتجسد عبر علاقة زوج وزوجته، محاصرين بعالم تتآكل فيه الروابط الإنسانية وتتصاعد داخله مظاهر التعالى الطبقي. ويمنح المخرج الدوسرى هذه الرؤية تشكيلا بصريا لافتا، مستعينا بتصميم فيصل العبيد لتمثالى المانيكان وحقيبة السفر، بوصفها مفردات تتجاوز وظيفتها الواقعية إلى علامات على العلاقات الجامدة والرحيل النفسى، فيما تتحول المكعبات الديكورية القابلة للفك والتركيب إلى لعبة مسرحية تعيد تشكيل الفضاء، وتكشف هشاشة العالم الذى تتحرك فيه الشخصيات، وقابليته للتبدل والانهيار. ويستثمر العرض تقنية المسرح داخل المسرح، متنقلا بين شخصيات ومواقف اجتماعية متعددة، فيكشف تناقضات المجتمع وآليات الإقصاء والتعالي، وكأن العزلة ليست قدرا فرديا فحسب، بل نتاج بنية اجتماعية تعيد إنتاجها. وفى قلب هذه اللعبة، يفرض كميل العلى حضوره بأدوات تمثيلية مرنة وقدرة واضحة على امتلاك الفضاء المسرحى، والتلون بين الشخصيات، بينما تقدم فاطمة الجشى أداء يتسم بالهدوء والرصانة، وإن كان يحتاج إلى إيقاع أكثر تسارعا يتناسب مع التحولات الدرامية. ويحسب للعرض قدرته على توظيف عناصره البصرية والأدائية فى بناء خطاب مسرحى تتشابك فيه العزلة الفردية مع الاغتراب الطبقى.
باسم صادق – الأهرام



