عصام السيد يكتب: في ضيافة (الشارقة).. بيت الإبداع والخيال!

لم تكن زيارتي إلى الإمارة الوادعة لحضور الدورة الرابعة من مؤتمر (الشارقة) للرسوم المتحركة والقصص المصورة، الذي أقيم في الفترة من 22 إلى 25 أكتوبر، مجرد مشاركة في فعالية ثقافية متخصصة، بل كانت تجربة ثرية أعادت إليّ ذلك الإحساس الجميل بالدهشة أمام عوالم الخيال، وذكّرتني بأن الفن الحقيقي لا يعرف حدوداً جغرافية أو لغوية أو ثقافية، وأن الصورة حين تُصنع بصدق تستطيع أن تصل إلى القلب، حتى لو عجز العقل عن فهم الكلمات.
منذ اللحظة الأولى، كان للمكان سحره الخاص: فقد احتضنت منطقة (الجادة) الجديدة في (الشارقة) فعاليات المؤتمر، لتقدم للزائر انطباعاً يتجاوز فكرة المكان الذي يستضيف حدثاً ثقافياً إلى فكرة المدينة التي تصنع لنفسها روحاً ومستقبلاً.
هناك، وسط العمارة الحديثة، والواجهات الرحبة، والساحات المفتوحة، والمساحات الخضراء، شعرت بأنني أمام نموذج مختلف للحياة الحضرية؛ نموذج يحاول أن يوفق بين إيقاع المدينة العصرية وهدوء الطبيعة، وبين متطلبات الحياة اليومية واحتياجات الإنسان إلى الجمال والراحة والتواصل.
لـ (الشارقة) وجهها العريق الذي نعرفه ونحبه، بتراثه المعماري والثقافي وهويته العربية والإسلامية، لكن (الجادة) تكشف عن وجه آخر للإمارة، وجه يتطلع إلى المستقبل بثقة ووعي، إنها مدينة داخل مدينة، تتجاور فيها المساكن والمكاتب والمرافق التعليمية والتجارية والترفيهية، وتتسع فيها المساحات المخصصة للمشاة، وتمنح الحدائق والساحات العامة حضوراً أساسياً في المشهد العمراني.
ولعل أكثر ما لفت انتباهي أن الحداثة هنا لم تبدُ باردة أو متعالية، بل بدت إنسانية وقريبة من الناس، فثمة حيوية في المكان، وحركة، ومساحات تدعو إلى اللقاء، وأجواء تجعل التجول نفسه متعة مستقلة عن الفعالية التي جئت من أجلها.

تجربة بصرية ومكانية تستدعي التأمل
أما منطقة (مدار) بما تحمله من تصميم معماري لافت ارتبط باسم المعمارية العالمية زها حديد، فتقدم مثالاً على كيف يمكن للعمارة أن تتحول من مجرد بناء يؤدي وظيفة إلى تجربة بصرية ومكانية تستدعي التأمل.
وفي هذا المحيط الذي يحتفي بالحياة والفن، بدا انعقاد مؤتمر للرسوم المتحركة والقصص المصورة اختياراً موفقاً للغاية ، فالخيال يحتاج إلى فضاء يحرره، والإبداع يحتاج إلى بيئة تحتضنه، واللقاءات الثقافية الكبرى لا تكتمل قيمتها بثراء برنامجها وحده، وإنما أيضاً بالمكان الذي يمنحها شخصيتها ويضيف إلى تجربتها.
وقد حملت الدورة الرابعة للمؤتمر دلالات مهمة، ليس فقط من حيث حجم المشاركة الدولية، وإنما من حيث اتساع الرؤية نفسها، فالمؤتمر الذي تنظمه هيئة (الشارقة) للكتاب لم يقتصر على الرسوم المتحركة، بل جمع إليها فنون القصص المصورة، في منصة واحدة تلتقي فيها الكتابة والرسم والإخراج والإنتاج والأداء الصوتي والموسيقى، وتتقاطع فيها الخبرات العربية والعالمية.
فهناك أكثر من سبعين مبدعاً وخبيراً، ومشاركون من نحو ثلاثين دولة، وأكثر من مئة وخمسين فعالية بين جلسات حوارية وورش عمل ودورات احترافية وعروض سينمائية وموسيقية؛ أرقام تعكس حجم الجهد المبذول، لكنها لا تكفي وحدها للتعبير عن قيمة ما يتيحه هذا اللقاء من فرص للتعلم والتواصل وتبادل الخبرات.
لقد بدا واضحاً أن الرهان لا يتعلق بمجرد الاحتفاء بفن الرسوم المتحركة بوصفه فناً محبباً للأطفال، بل بإدراك حقيقته باعتباره صناعة إبداعية متكاملة، تتداخل فيها الفنون والتكنولوجيا والاستثمار والملكية الفكرية والتوزيع والأسواق العالمية.. إنها صناعة تبدأ أحياناً بخطوط بسيطة على ورقة، ثم تنتهي بعالم كامل يعيش في ذاكرة ملايين البشر.
وقد استوقفني في هذا السياق تنوع المعارض المصاحبة للمؤتمر، ومن بينها معرض (الأميرات والأبطال)، الذي أتاح مشاهدة أكثر من مئة عمل أصلي وتاريخي لشخصيات من أشهر أفلام ديزني، ومعرض (أرابيسك)، الذي قدم قراءة فنية معاصرة للتراث والفلكلور العربي من خلال أعمال أربعة عشر فناناً.
وكان في الجمع بين المعرضين معنى جميل؛ فبينما يستعيد الأول ذاكرة عالمية صنعتها شخصيات عاشت في وجدان أجيال متعاقبة، يستكشف الثاني قدرة الفنان العربي على إعادة تقديم موروثه بروح بصرية معاصرة.

فيلم حكاية لعبة (Toy Story)
لكن اللحظة التي احتفظت بها لنفسي، والتي أظن أنها ستظل عالقة في ذاكرتي طويلاً، كانت مشاركتي في الندوة الخاصة بالنسخة الناطقة بالعربية من فيلم حكاية لعبة (Toy Story)، بمشاركة الفنانة القديرة الدكتورة جيهان الناصر، مخرجة الأغاني في الفيلم، والمخرج و الممثل أدهم سيد الذي أدار الندوة باقتدار ، ليعطينى الفرصة للحديث عن صعوبة فن الدبلجة، الذي قد يبدو للبعض مجرد استبدال كلمات بأخرى.
بينما هو في الحقيقة عملية إبداعية دقيقة تتطلب فهماً عميقاً للشخصية، وإحساساً بإيقاع الحوار، وقدرة على نقل المشاعر بما يتناسب مع اللغة الجديدة وثقافتها، فليس المطلوب أن يسمع المشاهد الكلمات بلغته فحسب، وإنما أن يصدق الشخصية، وأن يضحك معها، ويحزن لحزنها، ويتفاعل مع انفعالاتها كما لو أنها خُلقت لتتحدث بلغته منذ البداية.
وخلال الندوة، حدثت لحظة تختصر هذه الفكرة كلها حين عُرض مشهد من النسخة العربية للفيلم أمام دوج سويتلاند مخرج الرسوم المتحركة الشهير و أحد المشاركين في صناعة فيلم حكاية لعبة ، الذى صفق متأثراً عندما شاهد للمرة الأولى مشهدا من النسخة المدبلجة وقال إن الإحساس قد وصله رغم أنه لا يعرف العربية!
توقفت طويلاً أمام هذه العبارة البسيطة، لأنها بدت لي أكثر من مجرد مجاملة أو إعجابا بالنسخة المدبلجة، لقد كانت شهادة عفوية على قدرة الفن على عبور الحواجز التي تفصل بين البشر، وكان تصفيقه، في تقديري، تصفيقاً يتجاوز المشهد نفسه؛ تصفيقاً لفكرة أن الإبداع لا يفقد هويته حين ينتقل من ثقافة إلى أخرى، بل ربما يكتسب حياة جديدة، ويجد طريقاً إضافياً إلى قلوب الناس و اعترافا بأن العرب يملكون من القدرات الكثير.
ولم تكن هذه الندوة سوى جانب من جوانب مؤتمر بدا حريصاً على أن يفتح أبوابه أمام المحترفين والمواهب الناشئة والجمهور على السواء ، فبين ورش الرسم وتصميم الشخصيات، والدروس المتقدمة، والعروض الحية، وركن الدبلجة، وممر الفنانين، وجدار القصص المصورة، كان الزائر يستطيع أن يقترب من عملية الإبداع ذاتها، لا أن يكتفي بمشاهدة نتائجها النهائية.

الموهبة وحدها لا تكفي
ومن اللافت أيضاً أن المؤتمر لم يغفل الجوانب المهنية والاقتصادية لهذه الصناعة، من حقوق الملكية الفكرية إلى التمويل والإنتاج المشترك والتوزيع، وهو ما يعكس فهماً ناضجاً بأن الموهبة وحدها لا تكفي لبناء صناعة قادرة على الاستمرار والمنافسة، وأن الطريق إلى حضور عربي مؤثر في هذا المجال يمر عبر المعرفة والتدريب والاستثمار وخلق فرص حقيقية للتعاون مع المؤسسات العالمية.
وقد عبّرت كلمة خولة المجيني – المدير التنفيذي للمؤتمر- عن هذه الرؤية بوضوح، حين تحدثت عن الطموح إلى بناء شبكة من العلاقات والفرص تربط المبدعين والناشرين والمنتجين، وتصل بمواهب المنطقة إلى خبرات الصناعة العالمية، حتى تجد قصصنا وشخصياتنا طريقها إلى جمهور أوسع.
وهى رؤية تكتسب أهميتها من حقيقة أن عالمنا العربي لا يفتقر إلى الحكايات ولا إلى الخيال ولا إلى الشخصيات التي يمكن أن تتحول إلى أعمال إبداعية عالمية؛ لكنه يحتاج إلى مزيد من المنصات التي تمنح هذه المواهب فرصة التعلم والتطوير والإنتاج والوصول إلى الجمهور.
ولعل هذا ما يجعل تجربة (الشارقة) جديرة بالتأمل ، فهي لا تكتفي باستضافة الفعاليات الثقافية، وإنما تعمل على بناء بيئة تتيح للثقافة أن تتحول إلى مشروع مستمر، وللمعرفة أن تصبح جسراً بين الأجيال، وللفن أن يجد مكانه في الحياة اليومية وفي الاقتصاد الإبداعي ، ومن هنا تتكامل دلالة المؤتمر مع دلالة المكان: مدينة تتطلع إلى المستقبل، وحدث يفتح أبوابه أمام صناعات المستقبل.
غادرت (الشارقة) وأنا أحمل أكثر من ذكرى جميلة؛ أحمل مشهداً لرجل يصفق لعمل شارك فيه و لكنه يراه في ثقافة أخرى لا يفهم لغتها ، وصورة لمكان استطاع أن يجعل من الحداثة تجربة إنسانية لا مجرد مبانٍ جديدة، وانطباعاً عميقاً بأن الاستثمار في الخيال ليس ترفاً ثقافياً، بل استثمار في الإنسان وفي قدرته على الابتكار والتواصل وصناعة الجمال.
هناك، وسط الخيال الذي يتحرك على الشاشة، أدركت أن أجمل ما تصنعه الفنون ليس الشخصيات التي تخلقها فحسب، وإنما الجسور التي تمدها بين البشر، فالقلوب، على اختلاف لغاتها، تعرف دائماً كيف تصفق للجمال.
عصام السيد – شهريار النجوم



