العودة إلى الجريمة في الدراما المصرية
منصة 'شاهد' تشرع منذ حوالي ثلاثة أشهر في بث سلسلة من الحكايات حول جرائم مختلفة بعنوان عريض هو 'القصة الكاملة'، إذ تعرض قبيل بداية كل شهر حكاية معينة، مستوحاة من الواقع مع اختلاف في التفاصيل

تظل قصص الجرائم منبعا حيويا لكثير من الأعمال الدرامية في مصر، لما تحويه من غموض وإثارة وجاذبية. تزداد رواجا مع كثرة الجرائم الغريبة، وتسليط الضوء عليها بهدف استخلاص العبر والدروس وليس التسلية. أحيانا يكون اللجوء إليها نوعا من التغيير أو الهروب من تناول بعض القضايا المجتمعية الحساسة. تظهر الأهمية النسبية لبعض الأعمال عندما تتطرق إلى حوادث حقيقية، عرفها الجمهور أو سمع عن جوانب منها، ويريد فهمها من خلال عمل فني.
بدأت منصة “شاهد” السعودية منذ حوالي ثلاثة أشهر بث سلسلة من الحكايات حول جرائم مختلفة بعنوان عريض هو “القصة الكاملة”. تعرض قبيل بداية كل شهر حكاية معينة، مستوحاة من الواقع مع اختلاف في التفاصيل. جرت أحداثها قبل سنوات. يتم تناول كل منها في ثلاث حلقات، بما يشبه شريط فيلم سينمائي مدته لا تتجاوز الساعتين.
القصص مستوحاة من برنامج “الجرائم الواقعية”. يقدمه صانع المحتوى على يوتيوب سامح سند، الذي اجتهد في تجميع سلسلة من القصص التي حدثت في الأعوام الماضية، وانتقى عددا مثيرا منها. ما لفت الانتباه إليه جماهيريا وشجع المخرج محمود عبدالتواب على تحويلها إلى عمل. تولى المؤلف عمرو سمير عاطف معالجتها دراميا، في شكل حكايات. كل منها يعرض قصة، تحمل قدرا وفيرا من الغموض.
في شهر سبتمبر/ايلول، تم عرض حكاية “لعبة جهنم” بطولة الفنان محمد فراج وعمر رزيق، حول بعض الألعاب الإلكترونية وما تحدثه من ضغوط وابتزاز. جرت أحداثها في حي شبرا منذ عامين. وفي شهر أكتوبر/تشرين الأول جرى عرض حكاية بعنوان “ما لم يحك عن بني مزار” بطولة الفنان أحمد عبدالوهاب، حول جريمة وقعت في جنوب مصر، راح ضحيتها نحو عشرة أشخاص. جاءت كلتاهما مليئتين بالغموض والإثارة والتقاطعات الاجتماعية، بما يتناسب مع التطورات الدرامية والسياقات التي صاحبتها.
عقب عرض هاتين الحكايتين، جرى نقاش بين النقاد بشأن الأهمية التي يحملها تناول هذه النوعية من حوادث الجريمة. انصب الخلاف حول مقارنة كل حكاية بالجريمة الحقيقية وما صاحبها من ألغاز، خاصة أن جريمة بني مزار، مر عليها نحو عقدين ولم يعرف فاعلها الحقيقي حتى الآن، وانتشرت حكايات عدة دون العثور عليه ومعرفة الدافع نحو ارتكاب الجريمة.
في الثلاثين من شهر أكتوبر/تشرين الأول المنصرم، عرضت منصة “شاهد” حكاية “جريمة في حي الزمالك” بطولة صبا مبارك ومحمد علي رزق وحازم إيهاب وأحمد بهاء ورندة كعدي. تعود القصة إلى جريمة وقعت في سبعينيات القرن الماضي، وكانت واحدة من القضايا المعقدة، التي احتاج فك ألغازها إلى وقت. حيث قتلت سيدة أجنبية في شقتها بحي الزمالك الراقي بوسط القاهرة، وأشارت أصابع الاتهام إلى عدد ممن عرفوها أو ترددوا عليها. حتى تمكنت أجهزة الأمن من معرفة الجانية، التي لم تكن تريد قتلها.

أجادت الفنانة الأردنية صبا مبارك في أداء دور الفتاة البسيطة (نادية)، التي تعمل “كاشير” في سوبر ماركت قريب من سكن القتيلة (غريتا إميليا) وأدت دورها بإقتدار الفنانة اللبنانية الكبيرة رندة كعدي، في أول مشاركة لها في الدراما المصرية، بعد سلسلة من الأعمال الفنية اللبنانية.
يبدو دور صبا مبارك في حلقات “جريمة في حي الزمالك” قريب الشبه من دورها في مسلسل “ورد على فل وياسمين” وشاركها البطولة فيه الفنان أحمد عبدالوهاب. جسدت أيضا دور الفتاة الفقيرة التي تكافح من أجل مساعدة أسرتها. يكمن الفرق بينهما في التفاصيل والمسارات الفنية. لكن في الحالتين، تمكنت صبا مبارك من إجادة دور المغلوبة على أمرها، واقناع الجمهور أنها تقدم مشاهد حية وليست تمثيلية.
تعد حكاية “جريمة في حي الزمالك” نموذجا للجرائم التي تلعب الصدفة فيها دورا رئيسيا. السيدة (جريتا) التي تقيم بمفردها وعمرها تجاوز السبعين عاما كانت سخية مع (نادية) عندما تتردد على السوبر ماركت الذي تعمل به، ووثقت بها ومنحتها مفتاح شقتها كي تتردد عليها من حين لآخر، على سبيل الاطمئنان. ذات يوم ذهبت إليها ووجدتها ملقاة على الأرض وبجانبها آلاف الدولارات. سرقتها وهي معتقدة وفاتها.
ذهبت (نادية) إلى خطيبها البائس مثلها، وجسد دوره الفنان أحمد بهاء، ومنحته النقود، وأقنعها بأحقيتها فيها. مستندا إلى عدم وجود أسرة لهذه السيدة. من هذه اللحظة تصاعد الخط الدرامي تدريجيا. حصلت (نادية) على بعض الدولارات ووضعتها في حقيبة يدها. شقيقها العاطل (علاء) وقام بدوره الفنان محمد علي رزق، قام بسرقتها، ومنح بعضها لتاجر مخدرات، استقطب شقيق (علاء) لمعرفة من أين جاء بالعملة الأميركية.
ارتفع هذا الخط الدرامي، فأصبح الخيط الذي تمكن من خلاله جهاز الشرطة من فك لغز الجريمة التي حدثت لاحقا. إذ اكتشفت (نادية) أن (غريتا) لم تمت، وذهبت إليها في شقتها للاعتذار وتسليمها النقود المسروقة. لكن الأخيرة صممت على ابلاغ الشرطة. في غفلة منها باغتتها (نادية) بمطرقة على رأسها فأردتها قتيلة. في ذلك الوقت كان خطيبها يخطط للتخلص منها أيضا بالتعاون مع صديق له سجل إجرامي، كي يحتفظ بآلاف الدولارات لنفسه.
وسط التشابكات الاجتماعية والأمنية، يعرف المشاهدون أن (نادية) حملت من خطيبها قبل اتمام زواجهما المرفوض من قبل أسرتها، والتي تريد زواجها من شخص أكبر منها سنا ويملك مالا وفيرا. ما يفسر استسلامها لخطيبها ورضوخها لكافة مطالبه ويجيب على سؤال افتراضي حول أسباب تحولها من فتاة بسيطة إلى قاتلة صدفة.
كما يستطيع ضابط الشرطة، وجسد دوره الفنان حازم إيهاب، فك شفرات الجريمة، عبر ربط بعض التطورات مع بعضها. الخطيب وصديقه مجرمان سابقان. الشقيق الذي سرق الدولارات من الحقيبة، والشقيق الآخر الذي ساوم أخاه. اللجوء إلى خدعة ذكية أوقع بها الضابط (نادية) في المصيدة. حيث علمت من صديقتها التي استدعاها البوليس للتحقيق معها أن الدولارات المسروقة تحوي شريحة هاتف يحدد مكانها، ما دفعها إلى الذهاب إلى المكان الذي وضعها فيه خطيبها للحصول على الشريحة. في هذه اللحظة كان الضابط يراقبها، وألقى القبض عليها وفي يدها الدولارات.
انتهت الحلقات الثلاث لحكاية “جريمة في حي الزمالك” وتركت خلفها أسئلة حول الفوائد الناجمة عن عرض نماذج مختلفة من الجرائم في شكل درامي بأساليب متباينة. لأن النتيجة واحدة في كل حكاية، وهي أن التجربة يصعب أن تحقق نجاحات مستمرة. تتوقف قيمة الحكاية على أداء الممثل وقدرته على تجسيد الشخصية وليس نوعيتها. كما أنها تحتاج إلى مزيد من الاتقان الفني. غالبية الحلقات التي عرضت كان يمكن تقديمها بصورة واقعية أفضل، لو لم تتخذ الطبقة الفقيرة وحدها مسرحا للأحداث.
محمد أبو الفضل – MEO



