النور فى داخلنا

الروايات والقصص القصيرة الجيدة، خاصة لكبار الكتاب، هى دائما مناجم الأفكار الملهمة لكتاب الدراما، وهى بالفعل أشبه بخام الذهب الصافى من حيث متانة البناء الدرامى ورسم الشخصيات بدقة ومهارة إلى جانب روعة الأسلوب الأدبى، وهو ما دفع المخرج الشاب المبدع زياد هانى كمال إلى اختيار قصة كاتبنا الكبير الدكتور يوسف إدريس «أكان لابد يا ليلى أن تضيئى النور؟» ليصنع منها موضوع مسرحيته الجديدة والتى عرضت على مسرح الهناجر ضمن عروض مهرجان نقابة المهن التمثيلية.
والتى تقدم مجانا على مختلف المسارح الخاصة والتابعة لوزارة الثقافة على حد سواء.. وقد أجاد الكاتب المسرحى الشاب المتميز محمد السورى فى تقديم إعداد درامى للقصة بعنوان «بداخلك قد ترى النور» ورغم قيامه بإضافة خطوط درامية جديدة لم تكن موجودة فى القصة، فإن ذلك لا يعطيه الحق فى كتابة «تأليف» ما دام قد أخذ عن عمل أدبى آخر.. والإعداد المسرحى ليس مصطلحا معيبا أو يقلل من قدر صاحبه، خاصة إذا كان المعد بقيمة وموهبة محمد السوري، الذى قدم من قبل للمسرح أعمالا كثيرة جيدة، ونال العديد من الجوائز التى تبرهن على تميزه وبراعته..
العرض يتناول بجرأة وذكاء، الصراع الداخلى لإمام زاوية فى حارة شعبية يقطنها فى الغالب تجار مخدرات وبائعات هوى وشباب ضائع بين الإدمان والرذيلة.. ويحاول ذلك الإمام الشاب دعوة أهل حارته للهداية والمواظبة على الصلاة، لكنه يسقط أسيرا للغواية، عندما تضىء «لى لى» الفاتنة نور غرفتها وهى تقف بملابس النوم فى شرفتها المطلة على المسجد.
واستطاع المخرج زياد هانى أن يجسد دور الشيخ عبد العال ببساطة وصدق، بينما حاز فادى رأفت جائزة أفضل ممثل فى دور درويش المدمن التائب، وتسلم جائزته من النجم الكبير أحمد سلامة بناء على تصويت المشاهدين، كما هو المتبع فى عروض النقابة، كما فازت لقاء على بجائزة أحسن ممثلة عن دور صافية زوجة تاجر المخدرات الشرس «حنتيتا»، بينما تألقت مادونا هانى فى دور «لى لي» فاتنة المنطقة التى أحبت إمام المسجد الشاب واستفزها نفوره منها، فأرادت أن تنتصر لأنوثتها وقدرتها على إخضاع الرجال.
كما تألق محمد عبدالرازق فى دور تاجر المخدرات حنتيتا الشرس الذى يهابه الجميع بينما هو فى الحقيقة ضعيف وغير قادر على إسعاد زوجته، ولعب محمد الشاهد دور «سنقر» صبى المعلم والذى يستغل الظروف وينتقم من سخرية سيده الدائمة له، فيظل يطارد زوجته حتى تضعف وتستسلم.. ولعب الصبى معتز حسام ببراعة دور نور المتشرد شقيق درويش والذى يفقد حياته بعد اول تجربة للمخدرات.. ونجح زياد هانى أن يوظف الدراما الحركية ومشاهد المعارك لأحمد مانو والإعداد الموسيقى البديع لهانى عادل وملابس اميرة صابر الملائمة لكل شخصية واستطاع فى النهاية أن يقدم عرضا مبهرا بأبسط الإمكانات المادية.
محمد بهجت – الأهرام



