أخبار مسرحية
المسرح الشرقي في مرايا التجريب الغربي

لم يكن المسرح الغربي، في مسيرته نحو التجريب والبحث عن أشكال جديدة للتعبير، منفصلًا عن المؤثرات القادمة من خارج منظومته الجمالية والفكرية؛ فقد وجد في المسرح الشرقي فضاءً غنيًا بالرموز والطقوس والإيقاع والحركة، ومصدرًا لأسئلة جديدة حول طبيعة العرض المسرحي وحدود اللغة ووظيفة الجسد. ومع بدايات القرن العشرين، أخذ هذا الحضور يتبلور بصورة أكثر وضوحًا لدى عدد من رواد المسرح التجريبي الغربي، الذين لم يتعاملوا مع الشرق بوصفه مادة للفرجة فحسب، بل بوصفه تجربة جمالية وفكرية قادرة على إعادة النظر في أسس المسرح الغربي ذاته.
لقد مثّل المسرح الشرقي، بما يحمله من طقوس وروحانية وتكامل بين الموسيقى والرقص والحركة والصوت والصورة، خلفية خصبة لتجارب مسرحية سعت إلى تجاوز مركزية الكلمة والتحرر من هيمنة الواقعية والمحاكاة المباشرة. ومن هنا برزت تجارب أنطونان أرتو، وبرتولد بريخت، وييرجي غروتوفسكي، بوصفها نماذج بارزة لاكتشاف إمكانات مسرحية جديدة استلهمت، بدرجات مختلفة، جماليات المسرح الشرقي وآلياته في بناء العرض والممثل والفضاء المسرحي.
غير أن هذا التأثير لم يكن واحدًا أو متطابقًا؛ فكل واحد من هؤلاء الرواد قرأ المسرح الشرقي من زاويته الخاصة، وانتقى منه ما ينسجم مع مشروعه التجريبي، فأعاد صياغته داخل رؤيته الجمالية والفكرية. وهكذا لم يكن الشرق مجرد مصدر للتأثير، بل تحول إلى حافز لإعادة مساءلة المسرح الغربي، وفتح مساحات جديدة للحركة والجسد والإشارة والرمز والفراغ، وصولًا إلى تصور مختلف للعلاقة بين الممثل والمتلقي والفضاء المسرحي.
من خلال التوقف عند تجارب أرتو وبريخت وغروتوفسكي، يمكن رصد الكيفية التي تحول بها «سحر الشرق» من مجرد انبهار جمالي إلى عنصر فاعل في تشكيل بعض أهم ملامح المسرح التجريبي الغربي الحديث.
تمهيد: المسرح الشرقي بوصفه مصدرًا للتجريب الغربي
لا شك أن المسرح الشرقي مثل مركز جذب للتجارب المسرحية في الغرب، وخلفية لتحولاتها وزادًا معرفيًا وجماليًا لتألقها. ونحن نستحضر هذا التأثير الذي مارسه المسرح الشرقي في المسرح الغربي مع مطلع القرن الماضي، نستحضر معه أيضًا علامات بارزة في المسرح التجريبي التي كان لها بدورها تأثير في المسرح الغربي.
يقول الدكتور محمد جلال أعراب في مقدمة عن «طلائع مسرحية غربية»:
«نهلت هذه العلامات من المسرح الشرقي لصياغة خطابها المسرحي بشقيه الإبداعي والتنظيري، ولم تستطع مقاومة سحر الشرق، بل سارت في ركبه وذابت في جماله وطقوسه وميتافيزيقته وروحانيته، ومن هذه العلامات: أرتو، بريخت، غروتوفسكي».
أنطونان أرتو وجماليات جزر بالي
يعتبر أنطونان أرتو مرجعًا أساسيًا في المسرح المعاصر، إلى جانب ريادة ألفريد جاري التجريبية. فأرتو هو التلميذ النجيب لهذا المعلم، وقد قام عام 1926، بالتعاون مع روجيه فيراك، بتأسيس مسرح ألفريد جاري. ومن هذا المسرح انطلقت أفكار أرتو الطليعية في فن المسرح.
ويعتقد الدارسون أن الفضل يعود إلى أرتو في جمع آراء ألفريد جاري وأفكاره المبعثرة ودراستها وتحصيلها، للخروج بنظرية أطلق عليها «مسرح القسوة»، التي ضمها كتابه «المسرح وقرينه» الصادر عام 1938.
شخصية أرتو مغرية للدرس والمتابعة، لكننا سنركز حديثنا عنها في نقطة واحدة، وهي أثر المسرح الشرقي في مسرح أرتو. فقد شغف أرتو بالظواهر الغيبية، أو الميتافيزيقية، وطرائق السحر عند الشعوب البدائية، وبعلم الكيمياء ووسائل التنجيم في الشرق، وحالات الهوس والشعوذة. وهذا العالم اللامعقول انخرط فيه أرتو جسدًا وروحًا.
إن المراجع الفكرية والفلسفية والأنثروبولوجية التي منح منها مسرح القسوة، كما يحددها معجم الأدب الفرنسي لسنة 1968، لم تكن مألوفة لدى المسرح السائد بالنسبة إليه، جاعلًا من هذه العناصر والمراجع الإطار النظري الذي سيبعث فيه إبداعه المسرحي الروح والحياة.
وبهذه العملية، يكون أرتو قد تمرد على طرائق المسرح الواقعي والسيكولوجي، وأسس مسرحًا يقوم على أنثروبولوجية حضارات بدائية تعكس صفاء الروح والسجية التي لوثتها المدينة الأوروبية. وإذا كان المسرح الغربي قد تعامل مع هذه العناصر والمراجع على أنها هامشية وثانوية واستبعدها من مركزه، فإن أرتو قام بالعكس؛ أي قام بتفتيت العناصر المكونة للمركز والمنتمية إلى الواقع المادي بصفته معطى مباشرًا، ورماها إلى الهامش، وجذب المهمش والثانوي إلى المركز، وجعلها نواة الخطاب المسرحي المعاصر.
وما يعلل هذا التحول هو كون المسرح الغربي القائم على مبدأ الكلمة أصبح عاجزًا عن إيفاء الموضوع المسرحي ما يستحق من تقنيات وتخييل وجماليات. وهكذا انزاحت الكلمة عن المركز لتسلم السلطة إلى الحركة.
لكن هذا لا يعني في الوقت نفسه أن مسرح القسوة تخلى نهائيًا عن الكلمة، أي النص، وجعلها تتقاسم سلطتها مع عناصر أخرى، واستخدمها بطريقة خاصة تساعد الإخراج على التركيز على العناصر الدرامية ذات الصفة المسرحية الخاصة.
وهذا يعني من جهة أخرى التركيز على العناصر المكونة لخشبة المسرح، خاصة الموسيقى والرقص والفن التشكيلي والتمثيل الصامت والتمثيل الغنائي والإضاءة والمناظر. وهذه العناصر حينما تمتزج فيها بيئتها امتزاجًا عميقًا يتكون ما يسميه أرتو «شاعرية المكان» بدل شاعرية الحدث التي كانت دائمًا أهم أدوات التعبير في المسرح.
إن هذه العناصر وامتزاجها يعكس إلى حد كبير فلسفة العرض المسرحي عند أرتو وجمالياته المستلهمة من مسرح بالي. هذه الجماليات لم يستطع أرتو مقاومة سحرها، وصار ينادي بها من حين إلى آخر.
ويقول أرتو بعد مشاهدته عرضًا مسرحيًا لفرقة من بالي:
«أكثر ما لفت النظر فعلًا في هذا العرض، الذي جعل الكثيرين يحيرون في مفهوماتنا الغربية للمسرح، هو أن الكثيرين سينكرون كل صفة مسرحية له، في حين أنه أجمل تعبير عن المسرح الخالص استطعنا أن نراه هنا».
ويبدو أرتو، من خلال هذا الرأي، تواقًا إلى تأسيس تجربة مسرحية تنفض عنها تراكم غبار المسرح الغربي، كما يسميه، وتنزع عنها تماثل المسرح مع الواقع وصياغته بلغة ميتة محنطة، وتشييد لغة مسرحية تتجاذبها عدة لغات من أجل تأسيس خطابها الإبداعي.
إنها لغة تحاول التخلص من حرفية النص لتتحول إلى الإشارات والعلامات والأصوات والرموز والحركات والجسد؛ لغة تستمد من المسرح الشرقي عامة، ومن المسرح البالي خاصة، إحدى خصوصياتها الدرامية الخالصة.
برتولد بريخت واستلهام مخزون المسرح الشرقي
لقد عانت تجربة بريخت المسرحية الكثير من القراءات التي اقتصرت على الوجه السياسي في المسرح الملحمي، وأغفلت إنجازات مسرحية مهمة تتعلق بنظام الفردية المسرحية ومدى تجليات أثر المسرح الشرقي في مسرح بريخت.
نستعين في هذا السياق ببعض المفاهيم المسكوت عنها في تجربة بريخت، التي لم يتوفر لديها الاهتمام الكافي من لدن قراء بريخت، مع استثناءات محدودة، لعلها تسعفنا في مناقشة تأثر بريخت بالمسرح الشرقي عمومًا، والمسرح الصيني خصوصًا.
ومن هذه المفاهيم: الجستوس، الأناقة، الخفة، التركيب، ونظرية الفراغ والحركة.
الجستوس
يتسم مفهوم الجستوس (Gestus) في البرنامج الدراماتورجي البريختي بالغموض وعدم التحديد الشامل، وتأتي هذه الوضعية نتيجة اقترانه بلعب الممثل والموسيقى والحكاية والعرض المسرحي بكل مكوناته وجزئياته.
وفي كتابات بريخت الكثير من المؤشرات الدالة على هذا المفهوم، فنجد مثلًا في كتابه «كتابات حول المسرح» مفاهيم مثل المجال الحركي والموسيقي، والموقف الحركي.
ويذهب بريخت في البند الواحد والستين من كتابه «الأرغانون الصغير للمسرح» إلى تعريف الجستوس على الشكل الآتي:
«إننا نسمي بالمجال الذي تحدده المواقف المشغولة من قبل الشخصيات خلال ارتباطها مع بعضها بعضًا مجال منظومة الحركات المسرحية (جيست).»
إن الأوضاع الجسمانية ونبرات الكلام والتمثيل الصامت (الميم) تتجدد بهذا التصرف ذي القيمة الاجتماعية أو ذاك.
ويتضح من خلال هذا التعريف، وتعريفات أخرى، أن مفهوم الجستوس يقوم على وظيفة مسرحية أساسية، وهي ربط الحركة المسرحية بأصولها الاجتماعية، على أساس أن الحركة بإمكانها أن تحافظ على الأصل الثابت في المجتمع، وتضيف إليه عناصر أخرى ومعاني ثانية تتجدد بتطور الصراع في المجتمع.
ومن ناحية المفهوم، تستند نظرة الجستوس إلى الإيمان بأن الفعل، وخاصة الفعل الحركي والإيمائي والإشاري، أقل عرضة للتزييف من اللغة؛ ولهذا يمكن أن يشكل قاعدة أصلح من اللغة لتأسيس وبناء الرسالة الأيديولوجية.
ولعل الإغراء الذي قدمته اللغة الشرقية للمخرج الملحمي جعل بريخت ينظر إلى مفهوم الجستوس على أنه يملك إمكانيات تأسيس عرض مسرحي يستفيد من اللغة الصينية طابعها الأيقوني، حيث تشير الكلمة إلى وضعية اجتماعية وحركة جسدية ما.
وقد حاول بريخت أن يجعل من الكتابة المسرحية كتابة أيقونية تشير إلى المجتمع، وهذه الكتابة تستفيد إلى حد كبير من الكتابة الصينية الهيروغليفية، أو تتطلب إيجاد تقليد عريق لخلق تراكم في مجال ممارسة الخط ورمزيته، وبالتالي أعطى كلمات تحمل رمزيتها في ذاتها وشكلها وطابعها. ومن الصعب تأسيس كتابة تجريبية لا تملك تراكمًا إبداعيًا مثل هذه اللغة التي تأتي عن طريق التواتر.
وهنا ننهي الجزء الأول؛ في الجزء التالي سنستمر من «نظرية الفراغ» ونتواصل مع بريخت ثم إلى غروتوفسكي والمسرح الفقير، وصولًا إلى الخلاصة والمقارنة بين التجارب الثلاث.
سعاد خليل – رأي اليوم



