أخبار مسرحية

“روضة العشاق” تخلق من الطقس الصوفي سؤالا مسرحيا عن الحرية

معز العاشوري يستثمر فضاء الحمامات المفتوح في عرض يمزج التصوف بالمسرح الطقوسي ويضع التجربة الروحية في مواجهة السلطة والرقابة

واكب جمهور الفن الرابع، مساء الأربعاء 12 أغسطس الجاري، عرض مسرحية «روضة العشاق» للمخرج معز العاشوري، ضمن فعاليات الدورة 60 لمهرجان الحمامات الدولي، تحت شعار «ذاكرة تعيش». واختار المخرج أن يجعل من الفضاء المفتوح عنصراً أساسياً في لغته المسرحية، ومن الطقس الصوفي مدخلاً إلى أسئلة تتصل بالحرية والسلطة والبحث عن المعنى.

تبدأ الحكاية من الحبيب بن يزيد، الملقب بـ«المريد الصادق»، الذي يمارس رفقة أتباعه طقوس طريقة صوفية معاصرة تستعين بأدوات فنية حديثة. تثير هذه الممارسة ريبة الأمن العام، فيتم إيقاف المجموعة وفتح تحقيق معها.

وفي مسار التحقيق، يجد «المريد الصادق» نفسه في مواجهة أستاذ مختص في التصوف، في مناظرة حول كتابه «روضة العشاق»، حيث تُطرح التجربة الصوفية المعاصرة في مواجهة التصوف التقليدي والقراءة الأكاديمية له.

◄ الفضاء المفتوح، على خلاف فضاء العلبة الإيطالية، لا يفرض على المخرج مسبقاً خيارات سينوغرافية محددة، فهو منفتح على السماء والجمهور

المسرح الطقوسي

 مع تتابع الأحداث، يتغير مسار التحقيق، وتتراجع مساحة النقاش الفكري لصالح العنف والقمع. فتدخل المحامية للدفاع عن المريدين، وتجد نفسها في موقع مركب يجمع بين انجذابها إلى التجربة الروحية ورفضها لأساليب السلطة الأمنية.

 ومن هنا يتوسع السؤال الذي يطرحه العرض عن حدود حرية البحث عن تجربة روحية وفكرية مختلفة، وكذلك عن بداية رغبة المؤسسة في ضبط ما تعتبره خروجاً عن المألوف.

وتُروى هذه الحكاية بلغة تستند إلى المرجعيات الصوفية والشعرية، وتستحضر مفردات العشق الإلهي والحق والمعشوق والطريقة. ويقوم الحوار على مواجهة بين التجربة المعاشة من جهة، والقراءة الأكاديمية والرقابة الأمنية من جهة أخرى.

أما المسرح الطقوسي فيمنح هذه المواجهة بعداً جسدياً، حيث يصبح الدوران والتنفس والانحناء والإنشاد الجماعي جزءاً من التعبير عن الحالات الداخلية للشخصيات.

ويبدو الفضاء نفسه شريكاً في هذا البناء، ذلك أن خشبة المسرح لا تحمل ديكوراً ثقيلاً، وتترك للممثلين مجالاً واسعاً للحركة، فيما تعمل الإضاءة على تشكيل الحالات والمجموعات.

الأزرق يرافق بعض اللحظات ذات الطابع التأملي، ويحضر اللون الأخضر في المشاهد الجماعية، بينما تقطع الإضاءة المركزة عتمة الفضاء لتضع شخصية أو مجموعة في مركز الانتباه.

وتأتي الملابس لتدعم هذا التباين، فالبياض يطغى على أزياء المريدين، فيما يميز الوشاح الأحمر شخصية الشيخ أو العارف. ويظهر المحقق في لباس أسود معاصر.

وعلى امتداد العرض، تتجاور هذه العلامات البصرية مع الموسيقى والإنشاد الصوفي والإيقاعات التونسية والشرقية، فتتشكل تدريجياً أجواء أقرب إلى الحضرة المسرحية.

أما الممثلون، فيتحملون الجزء الأكبر من هذا البناء، حتى إن العرض يعتمد على حضور جسدي قوي وعلى الانتقال بين حالات الابتهال والخشوع من جهة، والتوتر والصدام من جهة أخرى.

فضاء مفتوح على الطقس

بعد انتهاء العرض، عاد المخرج معز العاشوري، خلال الندوة الصحفية، إلى علاقته بفضاء مسرح الحمامات، معتبراً أن خصوصيته تكمن أساساً في «عذريته».

وشرح أن هذا الفضاء المفتوح، على خلاف فضاء العلبة الإيطالية، لا يفرض على المخرج مسبقاً خيارات سينوغرافية محددة، فهو منفتح على السماء والجمهور، وهو ما ينسجم مع بحثه عن مشاركة المتفرج في الطقس المسرحي.

وقال العاشوري إن فريق العرض يبحث باستمرار عن كيفية إشراك المتفرج والمستمع وإدخاله في الحالة التي يصنعها العرض، مشيراً إلى أن طبيعة فضاء الحمامات تمنح الممثل فرصة للبحث عن «الانفجار الذاتي» و«انفجار البوح والقول» وحرية التعبير والحركة.

التصوف بوصفه مساراً فنياً

المخرج اختار أن يجعل من الفضاء المفتوح عنصراً أساسياً في لغته المسرحية، ومن الطقس الصوفي مدخلاً إلى أسئلة تتصل بالحرية والسلطة والبحث عن المعنى

في حديثه عن اختياره المتكرر للمرجعيات الصوفية، أوضح العاشوري أن التصوف لم يكن في البداية توجهاً محدداً في تجربته، قبل أن يتحول تدريجياً إلى مسار بحثي وفني.

وتوقف عند أثر «مولد النسيان» لمحمود المسعدي في تكوينه، مشيراً إلى أن المسعدي، رغم تكوينه وإتقانه للفرنسية وارتباطه بالثقافة الغربية، عاد في هذا النص إلى المنبع الصوفي وإلى لغة عربية مليئة بالصور والاستعارات والشعر.

ويرى العاشوري أن الاشتغال على التصوف يكشف جانباً مهماً من إمكانات اللغة العربية وتجددها، وهو ما جعله يحتفظ بهذا الأثر في تجربته الفنية.

لكنه بعد «مولد النسيان» اتجه إلى تجربة أخرى مع «دون كيشوت تونس»، قبل أن يعود إلى البحث في المسرح الطقوسي من خلال «روضة العشاق».

ويشرح المخرج أن «روضة العشاق» بدأت في الأصل كبحث حول العلاقة بين المقاربة الصوفية والمسرح الطقوسي. ولم يكن يتوقع أن يستمر العمل ثلاث سنوات، غير أن ردود الفعل التي تلقاها بعد العروض الأولى دفعته إلى مواصلة العمل وتطوير العرض.

ومنذ تقديمه الأول في مسرح الجهات بمدينة الثقافة سنة 2023، ظل العرض يتغير، وفق العاشوري، مع كل مرحلة جديدة من الاشتغال.

وقد أفضى هذا المسار إلى عروض في مهرجانات وفضاءات مختلفة، من بينها مهرجان القاهرة الدولي للمسرح التجريبي في دورته 32، حيث تحصلت «روضة العشاق» على جائزة أفضل إخراج.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: المحتوى محمي !!