أخبار مسرحية

المسرح الشرقي في مرايا التجريب الغربي 2

إذا كان في الجزء الأول قد حاولت الكشف عن حضور المسرح الشرقي في مسار التجريب المسرحي الغربي، وتتبع بعض مظاهر هذا الحضور في الرؤية الإخراجية والأداء وعلاقة الممثل بالفضاء والجمهور، فإن استكمال البحث يقودنا إلى مستوى أعمق من العلاقة بين التجربتين. فالتأثير هنا لا يتوقف عند حدود الاستفادة من بعض التقنيات أو الأشكال الأدائية، وإنما يمتد إلى إعادة التفكير في مفهوم المسرح ذاته، وفي طبيعة العلاقة بين الجسد والفضاء والصمت والحركة.

ومن هذا المنظور، تبرز تجربة برتولد بريخت بوصفها واحدة من التجارب التي فتحت المسرح الغربي على إمكانات جديدة في بناء العرض، ولا سيما في ما يتعلق بتجاوز الإيهام التقليدي وإعادة صياغة علاقة المتفرج بالفعل المسرحي. كما تكشف تجربة المسرح الشرقي، ولا سيما المسرح الصيني، عن تصورات مختلفة للجسد والفراغ والإيقاع والعلامة، وهي عناصر ستجد طريقها، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، إلى عدد من التجارب المسرحية الغربية الحديثة.

ومن هنا، نواصل في هذا الجزء تتبع هذه المسارات، وصولًا إلى تجربة غروتوفسكي والمسرح الفقير، لنرى كيف تحولت بعض مكتسبات المسرح الشرقي من مجرد مصدر للإلهام إلى أدوات لإعادة بناء السؤال المسرحي في الغرب.

برتولد بريخت واستلهام مخزون المسرح الشرقي

لقد عانت تجربة بريخت المسرحية الكثير من القراءات التي اقتصرت على الوجه السياسي في المسرح الملحمي، وأغفلت إنجازات مسرحية مهمة تتعلق بنظام الفرجة المسرحية ومدى تجليات أثر المسرح الشرقي في مسرح بريخت.

ونستعين في هذا السياق ببعض المفاهيم المسكوت عنها في تجربة بريخت، التي لم يتوفر لها الاهتمام الكافي من لدن قرائه، مع استثناءات محدودة، لعلها تسعفنا في مناقشة تأثر بريخت بالمسرح الشرقي عمومًا والمسرح الصيني خصوصًا. وهذه المفاهيم هي: الجستوس، والأناقة، والخفة، والتركيب، ونظرية الفراغ، والحركة.

يتسم مفهوم الجستوس (Gestus) في البرنامج الدراماتورجي البريختي بالغموض وعدم التحديد الشامل، وتأتي هذه الوضعية نتيجة اقترانه بلعب الممثل والموسيقى والحكاية والعرض المسرحي بكل مكوناته وجزئياته. وفي كتابات بريخت الكثير من المؤشرات الدالة على هذا المفهوم، فنجد مثلًا في كتابه كتابات حول المسرح مفاهيم مثل المجال الحركي والموسيقي، والموقف الحركي (Attitude gestuelle).

ويذهب بريخت في البند الواحد والستين من كتابه الأرغانون الصغير للمسرح إلى تعريف الجستوس على الشكل الآتي: إننا نسمي بالمجال الذي تحدده المواقف المشغولة من قبل الشخصيات خلال ارتباطها بعضها ببعض، بمجال منظومة الحركات المسرحية «جيستوس».

إن الأوضاع الجسمانية ونبرات الكلام والتمثيل الصامت «الميم» تتجدد بهذا التصرف ذي القيمة الاجتماعية أو ذاك. ويتضح من خلال هذا التعريف، وتعريفات أخرى تم الاستشهاد بها نظرًا إلى تكراريتها، أن مفهوم الجستوس يقوم على وظيفة مسرحية أساسية، وهي ربط الحركة المسرحية بأصولها الاجتماعية، على أساس أن الحركة بإمكانها أن تحافظ على الأصل الثابت في المجتمع، وتضيف إليه عناصر أخرى ومعاني ثانية تتجدد بتطور الصراع في المجتمع.

ومن ناحية المفهوم، تستند نظرة الجستوس إلى الإيمان بأن الفعل، وخاصة الفعل الحركي والإيمائي والإشاري، أقل عرضة للتزييف من اللغة؛ ولهذا يمكن أن يشكل قاعدة أصلح من اللغة لتأسيس وبناء الرسالة الأيديولوجية.

ولعل الإغراء الذي قدمته اللغة الشرقية إلى المخرج الملحمي جعل بريخت ينظر إلى مفهوم الجستوس على أنه يملك إمكانيات تأسيس عرض مسرحي يستفيد من اللغة الصينية طابعها الأيقوني، حيث تشير الكلمة إلى وضعية اجتماعية وحركة جسدية ما.

وقد حاول بريخت أن يجعل من الكتابة المسرحية كتابة أيقونية تشير إلى المجتمع، وهذه الكتابة تستفيد إلى حد كبير من الكتابة الصينية الهيروغليفية، أو تتطلب إيجاد تقليد عريق لخلق تراكم في مجال ممارسة الخط ورمزيته، وبالتالي إعطاء كلمات تحمل رمزيتها في ذاتها وشكلها وطابعها. ومن الصعب تأسيس كتابة تجريبية لا تملك تراكمًا إبداعيًا مثل هذه اللغة التي تأتي عن طريق التواتر.

نظرية الفراغ

ترتبط نظرية الفراغ بمفهوم الجستوس، وهي نظرية تبلورت عن طريق تجارب الفن الصيني. فعلى مستوى الفن التشكيلي تقوم اللوحة الصينية على السرد، حيث إن اللوحة تحكي حكاية لها نمطها وأسلوبها وطرائق سردها. وهذه الحكاية تتأسس عبر حوار بين فضاءين: الأول ممتلئ، والثاني فارغ.

ومن خلال هذا الحوار، ومن خلال هذه الجدلية، يتأسس المعنى وتتمم اللوحة حكايتها. وعند الممثل الصيني ترتبط حركاته ووضعيات جسده بالفراغ الذي يشمله الركح، فتتأسس عبر هذه اللغة وهذا المكان الفارغ الذي يكتب عليه الممثل الصيني لغته، عدة معانٍ وعدة علامات قد يتوازى اشتغالها في لحظة واحدة.

ولا يخفي بريخت، في كتابه كتابات حول المسرح، إعجابه بالممثل الصيني وقدرته على خلق الصور والمعاني. لذلك، حين نشاهد ممثلًا صينيًا فإننا، على الأقل، نشاهد ثلاث شخصيات في الوقت نفسه: شخصية تعرض، واثنتان معروضتان.

فليكن مثلًا أنه يشخص فتاة تحضر الشاي؛ يعرض الممثل تحضير الشاي وطريقته بحركات مضبوطة تتكرر بإتقان كبير، وبعد ذلك يعرض الفتاة: كيف هي؟ هل هي نشيطة مثلًا، أم صبورة، أم عاشقة؟ ويعرض في الآن نفسه كيف يعبر الممثل عن نشاط الفتاة وصبرها وعشقها بحركات مكررة.

هذا الإعجاب الذي صبّه بريخت على دقة جماليات الممثل الصيني دفعه إلى البحث في آليات هذه الممارسة والاستفادة من إنجازاتها وتجاربها. والممثل في المسرح الملحمي، إن أمعنا النظر ووضعناه موضع المقارنة مع الممثل الصيني، لوجدناهما يلتقيان في الكثير من الحالات.

إن المشروع البريختي يقوم على برنامج وافي الخطوات والمنهج، وإذا كنا قد طرحنا بعض فقراته وصوره ضمن مفهومي الجستوس والفراغ، فإن الفقرات الأخرى لا تعدو أن تسير في السياق نفسه، مستفيدة من المسرح الصيني. ويأتي على رأس الفقرات الأخرى مفهوما الخفة والأناقة، اللذان خصهما بريخت بمساحات لا يستهان بها من تفكيره وتنظيره وإبداعه.

الخفة والأناقة

يرتبط مفهوم الخفة (La légèreté) ومفهوم الأناقة في المسرح الملحمي جذريًا بالابتعاد عن جمالية الامتلاء المرتبطة بالمسرح الغربي، والارتماء في أحضان جمالية التقتير والخفة والأناقة المرتبطة بالفنون الشرقية.

وقد دشّن بريخت هذا المنحى اعتمادًا على وعيه بوظائف العملية المسرحية، واقتصاد العلامة المسرحية، وإمكانية تحولها وتناسلها واشتغال حركية الجهاز السينوغرافي وتركيبه.

فمسرح بريخت، من هذه الزاوية، هو مسرح فقير يعمل على استغلال أبسط الأجزاء والقطع وتركيبها وتحريكها، وبالتالي تتولد عن هذه العملية أناقة وخفة.

ويكشف لنا جورج بانو، في كتابه الهام برتولد بريخت، عن الكيفية التي استفاد بها بريخت من المسرح الشرقي، إذ يقول: إن الأناقة أسلوب سمح لبريخت بالابتعاد عن الجمالية الغربية التي تعتمد على الممتلئ، ليفسح المجال أمام الجمالية الشرقية التي ترتكز على الاقتصاد والتقتير والخفة.

سعاد خليل – رأي اليوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: المحتوى محمي !!