أخبار مسرحية

“أوتاد هرئة”.. مسرح يستعيد ذاكرة الزنزانة

عرض حمصي يحوّل الخوف والتعذيب إلى مادة مسرحية، ويربط جراح الثمانينات بإرهاصات الثورة السورية

لا تدخل مسرحية «أوتاد هرئة» إلى الذاكرة السورية من باب التوثيق المباشر، بقدر ما تحاول تحويل واحدة من أكثر مراحلها قسوة إلى مادة للعرض والمساءلة. فمن خلال استعادة أجواء السجون السورية في ثمانينات القرن الماضي، وما ارتبط بها من خوف وتعذيب ومجازر، يضع نادي دوحة الميماس للموسيقا والتمثيل في حمص أمام الجمهور حكاية عن الإنسان حين يتحول القمع من فعل يمارس داخل الزنزانة إلى أثر طويل يستقر في النفس والأسرة والمجتمع.

العرض، الذي كتبه موفق قره حسن وأخرجه عمر تمام العواني، يتخذ من قصر الثقافة في حمص فضاءً لاستعادة هذه الذاكرة، عبر مجموعة من الشخصيات التي تعيش تحت وطأة الخوف والتكتم، وتكشف تدريجيًا عن الآثار التي يتركها الاستبداد في الأفراد، حتى بعد خروجهم من المعتقل.

ولا يبدو السجن في المسرحية مكانًا مغلقًا فحسب، بل يتحول إلى حالة نفسية واجتماعية تمتد خارج جدرانه. فالسجين الذي يخرج من الزنزانة لا يخرج بالضرورة من آثارها؛ يحمل عذابها إلى بيته، وإلى علاقته بأسرته، وإلى نظرته إلى نفسه والعالم من حوله. ومن هنا تأتي أهمية المعالجة المسرحية التي لا تكتفي بعرض فعل التعذيب، وإنما تتابع ما يخلّفه في الذاكرة والسلوك والعلاقات الإنسانية.

من الزنزانة إلى المجتمع

تنسج المسرحية مصائر مجموعة من الشخصيات التي تستعيد مناخ الاعتقال في سوريا منذ عام 1980، مستحضرة مجازر عام 1982، قبل أن تمتد دراميًا إلى إرهاصات عام 2011. هذا الانتقال الزمني يمنح العمل محاولة لقراءة العلاقة بين القمع المتراكم والانفجار اللاحق، ويجعل الذاكرة السياسية خلفية لصراع إنساني يتجاوز الشخصيات نفسها.

وفي قلب هذا المسار تظهر شخصية «وائل»، الشاب الذي ينخرط في العمل الثوري وينتمي إلى أحد أحزاب المعارضة، قبل أن تقوده التحولات السياسية إلى الاعتقال ثم إلى خيارات أكثر قسوة. ومن خلال هذه الشخصية، يحاول العرض متابعة التحول من الخوف إلى التمرد، ومن الاحتجاج إلى المواجهة المسلحة، بما يحمله ذلك من أسئلة حول حدود العنف ومصائر الذين يجدون أنفسهم داخل دوائر القمع والمقاومة.

لكن الشخصية الأكثر دلالة في هذا السياق هي الأب، الذي يؤدي دوره الممثل سعيد العدوي. فهو سجين سابق خرج من المعتقل محملًا بآثار نفسية لم يستطع التخلص منها. يتحول الماضي لديه إلى حضور دائم، ويصبح العذاب الذي تعرض له داخل السجن جزءًا من حياته اليومية ومن علاقته بأسرته ومحيطه.

وهنا يقترب العرض من جوهره الإنساني: التعذيب لا ينتهي بالضرورة عندما ينفتح باب الزنزانة. فقد يتحول إلى خوف دائم، واضطراب، وانغلاق، وعجز عن بناء علاقة طبيعية مع الآخرين. وبذلك يصبح المسرح معنيًا ليس فقط بمن تعرضوا للعنف، وإنما أيضًا بالأثر الذي يواصل العيش بعد انتهاء الفعل نفسه.

المسرح بوصفه ذاكرة

اختار المخرج عمر تمام العواني، في تجربته الإخراجية الثالثة، أن يربط بين مراحل زمنية متباعدة نسبيًا، انطلاقًا من السجون ومجازر الثمانينات وصولًا إلى عام 2011. وهذه البنية تحمل طموحًا يتجاوز تقديم حكاية عن المعتقلين إلى محاولة قراءة زمن كامل من خلال شخصياته.

وتكمن قيمة هذه المقاربة في أن المسرح لا يعيد إنتاج التاريخ كما تفعل الوثيقة، وإنما يمنحه أجسادًا وأصواتًا وانفعالات. فالمعتقل الذي يظهر على الخشبة ليس رقمًا في سجل، والأسرة التي تعيش تحت الخوف ليست مجرد تفصيل جانبي، وإنما تصبح جزءًا من التجربة الدرامية.

ويشارك في العرض تسعة ممثلين من مدينة حمص، في تجربة تنتمي إلى النشاط المسرحي المحلي، لكنها تحمل موضوعًا يتجاوز حدود المدينة. فاستعادة ذاكرة السجن على خشبة حمص تكتسب دلالة إضافية في ظل حاجة المسرح السوري إلى إعادة مساءلة الذاكرة الجماعية، وإلى منح التجارب الفردية والجماعية التي ظلت طويلًا خارج المجال العام مساحة للتعبير.

بين الجرأة والنضج الدرامي

من الناحية النقدية، يبدو العمل ناضجًا في فكرته الأساسية، بحسب الممثل المسرحي محمد خير الكيلاني، الذي تابع العرض من مقاعد الجمهور، ورأى أنه نجح في نقل الجوانب الخفية من معاناة المعتقلين والتعذيب من خلال إسقاطات مسرحية ذكية.

ويحسب للعرض أنه لا يتعامل مع موضوع السجن باعتباره مشهدًا من العنف المجرد، وإنما يحاول الوصول إلى نتائجه النفسية والاجتماعية. غير أن هذه الجرأة في الموضوع تحتاج، بالضرورة، إلى أدوات فنية قادرة على ضبط إيقاع التلقي وتحويل ثقل المادة التاريخية إلى توتر مسرحي متصاعد.

ومن هذه الزاوية تحديدًا، تبدو ملاحظة الكيلاني بشأن المشهد الاستهلالي جديرة بالتوقف؛ إذ رأى أن البداية كانت تحتاج إلى منسوب أعلى من الإثارة والتشويق لجذب المشاهد منذ اللحظة الأولى. وهي ملاحظة تتصل بمسألة أساسية في المسرح: فحتى أكثر الموضوعات أهمية لا تضمن وحدها نجاح العرض، ما لم تتحول إلى بناء درامي قادر على شدّ الجمهور وإدخاله تدريجيًا في عالم العمل.

وهنا تكمن إحدى أصعب مهمات المسرح الذي يتناول الذاكرة السياسية: كيف يحافظ على أهمية القضية من دون أن يتحول إلى خطاب مباشر؟ وكيف يجعل المتفرج يشعر بثقل التجربة من خلال الفعل المسرحي، لا من خلال المعلومات وحدها؟

الأب والابن.. جرحان من زمنين

تمنح العلاقة بين الأب و«وائل» العرض أحد أكثر مستوياته قابلية للتأويل. فالأب يحمل جرح الماضي، فيما يعيش الابن لحظة احتجاج جديدة. وبين الشخصيتين تتقاطع تجربتان: جيل عاش الخوف داخل السجن، وجيل قرر الخروج من دائرة الصمت.

قيمة هذه المقاربة تكمن في أن المسرح لا يعيد إنتاج التاريخ كما تفعل الوثيقة، وإنما يمنحه أجسادًا وأصواتًا وانفعالات

ومن خلال هذه العلاقة، يصبح التاريخ حاضرًا داخل العائلة، لا في الكتب وحدها. فالخوف الذي ورثه الأب قد يتحول لدى الابن إلى رغبة في المواجهة، والعنف الذي عانى منه جيل سابق يمكن أن يعود في صورة أخرى داخل جيل لاحق.

هذه المسافة بين التجربتين تمنح المسرحية مجالًا لطرح سؤال أوسع: ماذا يفعل الاستبداد بذاكرة الأجيال؟ وهل يمكن للجيل الجديد أن يبدأ من الصفر، أم أنه يحمل، بصورة واعية أو غير واعية، آثار ما عاشه آباؤه؟

تجربة محلية بذاكرة أوسع

يندرج «أوتاد هرئة» ضمن الحراك المسرحي الذي تشهده حمص، لكنه يتطلع إلى فضاء أوسع من خلال الاستعداد للمشاركة في مهرجان سوريا المسرحي المرتقب في حلب. وتتيح المشاركة المنتظرة للعمل فرصة لاختبار أدواته أمام جمهور أوسع، وكذلك مقارنته بتجارب مسرحية أخرى تتناول التحولات السورية وذاكرة العنف.

وفي هذا السياق، لا تكمن أهمية العرض في كونه يروي قصة عن السجون فحسب، بل في محاولته تحويل الذاكرة المؤلمة إلى فعل مسرحي. فالمسرح، حين يقترب من مناطق الصمت والخوف، لا يصبح مجرد مساحة للفرجة، وإنما يتحول إلى مكان لاستعادة الأسئلة المؤجلة.

وربما تحتاج هذه التجربة، مثل غيرها من الأعمال التي تتناول التاريخ السوري الحديث، إلى مزيد من الاشتغال على البناء الدرامي والإيقاع واللغة البصرية حتى تتوازن قوة الموضوع مع قوة الأدوات المسرحية. لكن مجرد نقل هذه الذاكرة من فضاء الصمت إلى الخشبة يمثل خطوة في مسار استعادة المسرح لدوره بوصفه فضاءً للتفكير في الإنسان ومصيره.

في «أوتاد هرئة»، لا تبقى الزنزانة خلف الشخصيات، بل تمشي معها إلى البيت والشارع والذاكرة. ومن هنا تأتي قوة الفكرة المسرحية: أن السجن قد ينتهي كمكان، لكنه يستمر أثرًا في الإنسان، وأن المجتمع الذي يخرج من زمن الخوف لا يخرج منه دفعة واحدة، بل يحتاج إلى مواجهة ذاكرته، وربما إلى خشبة مسرح تقول ما عجز كثيرون عن قوله في زمن الصمت.

صحيفة العرب

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: المحتوى محمي !!