ثقافة

أحمد بن سليم الشاعر الذي كتب تحوّلات الإمارات

اليونسكو تستعيد سيرة شاعر ومؤرخ معاصر لانتقال الخليج من زمن ما قبل النفط إلى الدولة الحديثة

في صيف عام 1963، كان أحمد بن سلطان بن سليم يجلس على ظهر باخرة تعبر البحر المتوسط في طريقها إلى أوروبا، ومنها إلى الولايات المتحدة، ضمن الوفد المرافق لحاكم دبي الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم. توقفت الرحلة في الإسكندرية 24 ساعة. زار ابن سليم والوفد القصور الملكية، وتناولوا العشاء في قصر الصفا، قبل أن تستأنف السفينة طريقها إلى نابولي، ثم روما وسويسرا وباريس ولندن، ومن هناك عبروا المحيط الأطلسي على متن الباخرة “كوين إليزابيث” إلى نيويورك.

بعد شهرين، كتب ابن سليم إلى صديق له يروي تفاصيل الرحلة، ويسجل أسماء المدن التي مر بها وانطباعاته عن العالم الذي كان يراه للمرة الأولى. لم يكن يدرك ربما أن رسالته ستتحول لاحقًا إلى وثيقة تحفظ جانبًا من ذاكرة الخليج في مرحلة شديدة التحول.

واليوم، بعد خمسين عامًا على رحيله، تعود هذه السيرة إلى الواجهة من بوابة منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة “اليونسكو”، التي أدرجت اسم أحمد بن سلطان بن سليم ضمن برنامج الاحتفاءات الخاصة بالذكريات السنوية للأعوام 2026 و2027، بمناسبة مرور نصف قرن على وفاته. وجاء الاختيار تقديرًا لإسهاماته الأدبية والفكرية ودوره في توثيق الموروث الثقافي الإماراتي.

لكن أهمية ابن سليم لا تكمن في كونه شاعرًا إماراتيًا فحسب؛ فسيرته تكاد تختصر جانبًا من التحول الذي عاشه الخليج في النصف الأول من القرن العشرين: من مجتمع محلي يعتمد على التجارة والبحر، إلى فضاء أكثر اتصالًا بالهند والعالم العربي، ثم إلى دولة حديثة تتشكل مؤسساتها السياسية والإدارية.

كان شاعرًا وأديبًا ومؤرخًا، وعمل في الصحافة والإذاعة، وتنقل بين دبي والهند، ثم عاد ليشارك في الحياة العامة، قبل أن يصبح واحدًا من رجال الدولة في سنوات الاتحاد الأولى.

شاعر خرج من دبي إلى العالم

تختلف المصادر في تحديد سنة ميلاد أحمد بن سلطان بن سليم بدقة، إلا أنها تضع مولده في بدايات القرن العشرين، في دبي، داخل أسرة عرفت بالعلم والأدب والاهتمام بالمعرفة. وتذكر مصادر إماراتية أنه تلقى تعليمه في المدرسة الأحمدية، ثم اتجه إلى التجارة والعمل، قبل أن تقوده رحلاته إلى الهند إلى مرحلة جديدة من حياته.

لم تكن الهند بالنسبة إليه مجرد محطة تجارية؛ فقد أقام هناك سنوات، وتعلم الإنجليزية، وعمل مذيعًا في القسم العربي بإذاعة دلهي، واحتك خلال سنوات إقامته بعدد من المثقفين والأدباء، وانفتح على مصادر أوسع للقراءة والمعرفة.

وتكشف رسالة شعرية بعث بها من الهند إلى الشيخ سلطان بن صقر القاسمي عن علاقة وجدانية قوية بوطنه رغم البعد، إذ كتب: “كتاب أتى من طيب الذكر والنشر ربيب الندى خدن المروءة والبر”.

ثم يقول: “ومثّل لي أهلي وقومي وجيرتي وعهد الهوى الفينان في ميعة العمر”.

وتشير هذه الرسالة إلى أن الغربة لم تقطع صلته بدبي، وإنما وسعت المجال الذي ينظر منه إليها. وهنا ربما تكمن إحدى أهم سمات تجربته: لم يكن السفر خروجًا من المكان بقدر ما كان وسيلة لإعادة اكتشافه.

من الهند إلى بناء الدولة

عاد ابن سليم إلى دبي بعد سنوات الهند، واستعاد حضوره في الحياة العامة، فكان قريبًا من حكام الإمارة، وشارك في مؤسساتها الإدارية والاستشارية. وتذكر المصادر أنه كان من أعضاء أول مجلس بلدي استشاري في دبي الذي تأسس عام 1938، كما شغل أدوارًا في إدارة الجمارك، قبل أن ينتقل إلى موقع أكثر اتساعًا مع قيام دولة الإمارات.

ومع قيام الاتحاد في ديسمبر 1971، أصبح أحمد بن سلطان بن سليم وزير دولة للشؤون المالية والاقتصادية ضمن أول تشكيل وزاري اتحادي، وهو ما يضعه في قلب مرحلة الانتقال من إمارات متفرقة ذات مؤسسات محلية إلى دولة اتحادية حديثة.

وهكذا لم تكن حياته موزعة بين الشعر والعمل العام كما لو أنهما مجالان منفصلان؛ كانت المعرفة التي جمعها من السفر والقراءة والصحافة والإذاعة جزءًا من الشخصية نفسها التي شاركت لاحقًا في الإدارة والعمل العام وحفظ التاريخ المحلي.

الإسكندرية.. صفحة مصرية في رحلة إلى العالم الجديد

ولعل أكثر فصول سيرته إثارة للقارئ العربي والمصري تحديدًا تلك الرحلة التي رافق فيها الشيخ راشد بن سعيد إلى الولايات المتحدة عام 1963. بحسب الرسالة التي كتبها ابن سليم في الخامس من سبتمبر من ذلك العام، انطلقت الرحلة من بيروت في 11 يوليو/تموز على متن الباخرة “إسيريا”، ثم مرت بالإسكندرية، حيث أقام الوفد 24 ساعة.

لم يكتف ابن سليم بذكر اسم المدينة، بل سجل تفاصيل إقامته فيها: زيارة القصور الملكية وتناول العشاء في قصر الصفا، قبل مواصلة الرحلة نحو نابولي. ثم انتقل الوفد عبر إيطاليا وسويسرا وفرنسا وبريطانيا، قبل أن يصعد في ساوثهامبتون إلى “كوين إليزابيث” متجهًا إلى نيويورك.

وفي نيويورك، شاهد ابن سليم مدينة مختلفة تمامًا عن دبي التي عرفها، وزار الوفد مبنى “إمباير ستيت” والأمم المتحدة والبيت الأبيض، ثم انتقل إلى واشنطن وشلالات نياغرا وغيرها من المواقع.

لكن اللافت في الرسالة ليس فقط ما شاهده، وإنما الطريقة التي سجّل بها الأشياء؛ فقد كان يصف طول السفينة وعرضها وعدد ركابها، والمصاعد والمتجر والمصرف وصالة السينما والصحيفة اليومية، وحتى الهاتف الذي استخدمه للاتصال بدبي من عرض المحيط.

إنها عين شاعر ومؤرخ في آن واحد: لا يكتفي بالمشهد الكبير، وإنما يلتقط تفاصيل الحياة اليومية.

وفي نهاية رسالته، يكتب أنه لا يستطيع شرح كل مشاهداته وانطباعاته عن أميركا لضيق الوقت، تاركًا وراءه نصًا قصيرًا لكنه شديد الدلالة على اللحظة التي كان الخليج فيها يفتح نوافذه على عالم يتغير بسرعة.

القصيدة بين الذاكرة والوطن

إذا كان السفر قد وسّع أفق ابن سليم، فإن الشعر ظل وسيلته الأساسية للعودة إلى المكان. كتب بالفصحى والنبطي، وحافظ في كثير من قصائده الفصيحة على البناء التقليدي للقصيدة العربية، لكنه حمّل هذا البناء موضوعات تتصل بعصره وبالمجتمع الذي عاش فيه.

في قصيدته “النهضة”، مثلًا، ينتقل من التأمل في الزمن إلى دعوة مباشرة إلى الفعل: “فهبوا بني العز الرفيع وبادروا على الفوز والفعل الجميل بكم أحرى”.

وهنا لا يعود الشعر مجرد مساحة للتعبير عن الذات، بل يتحوّل إلى خطاب اجتماعي يرى في الشعر وسيلة للحث على النهوض والعمل.

وفي قصيدته عن فلسطين، يتجاوز ابن سليم حدود المكان الخليجي ليكتب عن قضية أصبحت معيارًا للعروبة في الوعي العربي: “فلسطين أضحت عرضَ كلٍّ من انتمى إلى الضاد أهلًا للصيانة والستر”.

ثم يضيف: “فلسطين أضحت مسبرَ العرب في العلا وفي الدين والدنيا وفي المجد والفخر”.

بهذه اللغة، تبدو القضية الفلسطينية عنده جزءًا من تصور أوسع للانتماء العربي، وليس موضوعًا سياسيًا عابرًا.

أما في الشعر النبطي، فقد تحرك في المجال الذي كان أكثر التصاقًا بالذاكرة الشعبية الخليجية، ودخل في مساجلات شعرية مع شعراء عصره، وهو ما يكشف عن شاعر لم يرَ تعارضًا بين الفصحى واللغة الشعرية المحلية، وإنما تعامل معهما باعتبارهما مستويين لتجربة واحدة.

شاعر ومؤرخ في زمن لم تكن فيه الإمارات قد كتبت تاريخها بعد

لا تنفصل أهمية أحمد بن سليم عن كونه شاعرًا عن دوره في تسجيل تاريخ المنطقة. فالمصادر الإماراتية تصفه أيضًا بالمؤرخ والباحث في تاريخ الخليج والأنساب، وتظهر كتاباته ومراسلاته اهتمامًا واضحًا بتوثيق الأحداث والأشخاص والأمكنة. كما أن كتاب «قصائد من أشعار أحمد بن سلطان بن سليم»، الذي جمعه ووثقه الباحث جمال بن حويرب، أعاد تقديم جانب من إنتاجه الأدبي والفكري للقراء والباحثين.

وهذا الجانب من شخصيته مهم لفهم قيمته اليوم؛ ففي المجتمعات التي كانت لا تزال تنتقل من الرواية الشفوية إلى التوثيق المكتوب، كان الشعر والصحافة والرسائل والمذكرات وسائل لحفظ الذاكرة. وكان ابن سليم يتحرك في هذه المساحة كلها: يكتب القصيدة، ويعمل في الصحافة والإذاعة، ويسجل الرحلات، ويهتم بالتاريخ، ثم يشارك في الإدارة والحياة العامة.

لذلك لا يمكن قراءة إنتاجه الأدبي بعيدًا عن زمنه.

لماذا يعود أحمد بن سليم الآن؟

ربما تكون الإجابة الأهم عن هذا السؤال في طبيعة المرحلة التي عاشها؛ فقد كان ابن سليم من جيل لم يعرف الإمارات بالشكل الذي يعرفه العالم اليوم. عاصر دبي قبل الطفرة النفطية، وعاش في الهند، وعمل في الإذاعة العربية، وتواصل مع الصحافة العربية، وشاهد القاهرة والإسكندرية وأوروبا، ووصل إلى الولايات المتحدة في ستينيات القرن الماضي، ثم عاد ليكون جزءًا من مرحلة تأسيس الدولة الاتحادية.

هذه ليست سيرة شاعر يعيش خارج التاريخ، بل سيرة رجل كان التاريخ يعبر من أمامه.

ومن هنا تبدو أهمية الاحتفاء به من جانب اليونسكو أوسع من مجرد تكريم اسم أدبي إماراتي؛ فإدراج اسمه ضمن برنامج الاحتفاءات يفتح الباب أمام إعادة قراءة مرحلة من التاريخ الثقافي للخليج، حين كانت حركة الأشخاص والأفكار والنصوص تتجاوز الحدود السياسية التي ستتبلور لاحقًا.

وتؤكد وزارة الثقافة الإماراتية أن الاحتفاء بابن سليم يأتي تقديرًا لإسهاماته الأدبية والفكرية ودوره في تشكيل المشهد الشعري والثقافي في المنطقة خلال النصف الأول من القرن العشرين، ولأعماله التي تعكس هوية المجتمع الإماراتي وتجربته الإنسانية.

وفي الإمارات نفسها، بدأ الاحتفاء يأخذ أشكالًا أخرى؛ إذ حملت الدورة الثالثة من “جائزة ندوة الثقافة والعلوم للشعر العربي” اسمه، تقديرًا لإسهاماته الشعرية والفكرية والثقافية.

في النهاية، ربما لا تكمن قيمة أحمد بن سليم في عدد القصائد التي تركها، ولا في المناصب التي شغلها وحدها، وإنما في أن حياته جمعت مسارات تبدو اليوم وكأنها خريطة مصغرة لتحولات الخليج.

من دبي إلى الهند، ومن الإذاعة العربية إلى العمل العام، ومن الإسكندرية إلى نيويورك، ومن القصيدة الفصيحة إلى الشعر النبطي، ومن الذاكرة المحلية إلى فلسطين والعالم العربي، ظل ابن سليم يتحرك بين عوالم متعددة دون أن يفقد صلته بمكانه الأول.

ولعل رسالته عن رحلة عام 1963 هي أكثر ما يختصر هذه التجربة: رجل من دبي يعبر المتوسط، يتوقف في الإسكندرية، يرى أوروبا، يعبر الأطلسي، ويصل إلى نيويورك، ثم يعود ليكتب ما رأى.

بعد نصف قرن من رحيله، تستعيده اليونسكو لا بوصفه شاعرًا من الماضي فحسب، وإنما باعتباره جزءًا من ذاكرة ثقافية أوسع.

فحين تدخل حياة شاعر من دبي إلى سجل الاحتفاء الثقافي العالمي، لا تصبح القصيدة مجرد نص أدبي؛ إنها تصبح أيضًا أثرًا من آثار زمن كامل، ووثيقة على مجتمع كان يتغير، ومنطقة كانت تعيد اكتشاف موقعها في العالم.

رانيا عبدالعاطي – MOE

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: المحتوى محمي !!