أخبار مسرحية

د. يوسف عايدابى.. مفكر بنى جسور المسرح بين السودان والعالم العربى

لم يكن الدكتور يوسف عايدابى مجرد أكاديمى متخصص فى علوم المسرح والسينما، ولا مجرد كاتب ومسرحى وشاعر، بل تحول عبر أكثر من خمسة عقود إلى أحد أبرز العقول الثقافية العربية التى جمعت بين الفكر والممارسة، وبين الإبداع والإدارة، وبين حماية التراث واستشراف المستقبل، لذلك يأتى تكريمه اليوم ضمن جلسات محور رد الجميل بالمهرجان اعترافًا بجهوده وأفكاره المؤثرة فى الحركة المسرحية السودانية والعربية.

من السودان انطلقت رحلته، حاملاً مشروعًا ثقافيًا يؤمن بالتعدد والتنوع، ويرى فى المسرح مساحة جامعة لكل الأصوات والثقافات، ومنذ حصوله على درجة الدكتوراه فى تاريخ ونظرية المسرح من جامعة بوخارست عام 1979، بدأ مسارًا استثنائيًا جعل منه واحدًا من أكثر المثقفين العرب حضورًا وتأثيرًا فى مجالات المسرح والثقافة والتراث.

أدرك عايدابى مبكرًا أن المسرح ليس مجرد فن للعرض، بل أداة للمعرفة وبناء الوعي، لذلك لم يتوقف دوره عند التأليف أو التدريس، بل امتد إلى تأسيس المؤسسات وصناعة السياسات الثقافية، فقد تولى عمادة معهد الموسيقى والمسرح فى الخرطوم، وأسهم فى تكوين أجيال من الفنانين والباحثين، كما حاضر فى جامعات السودان ورومانيا والإمارات، ناقلاً خبراته بين الثقافات المختلفة.

ويُعد عايدابى من القلائل الذين جمعوا بين الفكر المسرحى والعمل الثقافى المؤسسي، فقد لعب أدوارًا بارزة فى التخطيط الثقافى وإدارة المشاريع الكبرى، وكان أحد المساهمين فى تأسيس بينالى الشارقة للفنون التشكيلية، كما ارتبط اسمه بمعرض الشارقة الدولى للكتاب الذى تولى تنسيقه وإدارته، وأسهم فى ترسيخ مكانته كأحد أهم التظاهرات الثقافية العربية.

وفى الشارقة، ارتبط مشروعه الثقافى بمشروع ثقافى عربى واسع النطاق، فشغل مواقع متعددة من بينها المستشار الثقافى لدارة الدكتور سلطان القاسمي، ومستشار الهيئة العربية للمسرح، وعضو مجلس أمناء أكاديمية الشارقة للفنون الأدائية، كما تولى الإشراف على العديد من الإصدارات الثقافية والفكرية التى أسهمت فى إثراء المكتبة العربية.

لكن الجانب الأكثر خصوصية فى تجربة عايدابى ربما يتمثل فى إيمانه العميق بفكرة «مسرح لعموم أهل السودان»، وهى الرؤية التى دافع عنها طوال مسيرته، ساعيًا إلى بناء مسرح يعكس التنوع الثقافى والعرقى واللغوى فى السودان، ويحفظ الموروثات المحلية ويمنحها حضورًا معاصرا. ومن هذا الإيمان أسس عام 2017 مركز د. يوسف عايدابى للإنتاج الإعلامى والفنى ليواصل مشروعه فى خدمة المسرح والثقافة السودانية.

كما عرفه الوسط الثقافى العربى شاعرًا ومسرحيًا ومفكرًا، وأحد المؤسسين المشاركين لتيار «الغابة والصحراء» الذى مثل محطة مهمة فى الثقافة السودانية الحديثة، وسعى إلى إعادة قراءة الهوية السودانية بوصفها فضاءً للتعدد والتفاعل الحضاري.

ولم يكن تأثيره محصورًا فى المسرح وحده، فقد امتدت خبراته إلى الصحافة والنشر والترجمة، وأسهم فى تأسيس وتحرير العديد من المجلات والملاحق الثقافية فى السودان وقطر والإمارات، كما أشرف على عشرات الكتب والإصدارات التى أصبحت مراجع مهمة للباحثين والمهتمين بالفنون والثقافة.

وقد انعكست هذه المسيرة الثرية فى سلسلة طويلة من التكريمات والجوائز العربية، من جائزة رواد المسرح فى الإمارات، إلى جائزة رواد المسرح العربي، مرورًا بجائزة رواد الثقافة والإعلام، وتكريم جائزة العويس للإبداع، وصولاً إلى اختياره لكتابة وإلقاء رسالة اليوم العربى للمسرح عام 2015، ثم تكريمه فى أيام قرطاج المسرحية عام 2024، وهى محطات تؤكد مكانته كأحد أبرز الرموز الثقافية العربية المعاصرة.

فى تجربة يوسف عايدابى تتداخل أدوار الباحث والمسرحى والشاعر والمخطط الثقافى والمؤرخ والناشر، لتشكل جميعها صورة مثقف عربى نادر، لم يكتفِ بإنتاج المعرفة، بل شارك فى بناء المؤسسات التى تحميها وتمنحها القدرة على الاستمرار، لذلك يبدو حضوره اليوم أكبر من حدود المناصب والجوائز، بوصفه أحد الذين أسهموا فى صياغة جزء مهم من الذاكرة الثقافية والمسرحية العربية خلال العقود الأخيرة.

باسم صادق – الأهرام

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: المحتوى محمي !!