الدار البيضاء تحتفي بالمسرح الأمازيغي في دورة تجمع العروض والتكوين والتكريم
الدورة الثامنة تنطلق نهاية سبتمبر بمشاركة مغربية وعربية، وتتضمن التنافس على الجائزة الوطنية للثقافة الأمازيغية وندوات لتوثيق الذاكرة المسرحية

تستعد جهة الدار البيضاء–سطات لاحتضان الدورة الثامنة من مهرجان الدار البيضاء للمسرح الأمازيغي، الذي ينظمه فضاء تافوكت للإبداع بشراكة مع المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية ومجلس جهة الدار البيضاء–سطات، خلال الفترة الممتدة من 30 سبتمبر إلى 4 أكتوبر 2026، بمسارح عدد من مدن الجهة.
وتكتسب هذه الدورة طابعاً احتفالياً خاصاً، إذ تتزامن مع مرور 25 عاماً على خطاب أجدير، الذي ألقاه الملك محمد السادس في 17 أكتوبر 2001، وشكّل منعطفاً مهماً في مسار الاعتراف المؤسسي باللغة والثقافة الأمازيغيتين. وتوالت بعده محطات بارزة، وصولاً إلى إقرار الطابع الرسمي للأمازيغية في دستور المملكة المغربية سنة 2011، وتعزيز حضورها في التعليم والإعلام والإدارة والمشهد الثقافي.
ويقترح المهرجان برنامجاً حافلاً يجمع العروض المسرحية بالندوات العلمية واللقاءات الفكرية والورش التدريبية والمعارض الفنية، إلى جانب أنشطة اجتماعية وتربوية. ومن خلال هذه البرمجة، يسعى المنظمون إلى ترسيخ مكانة المسرح الأمازيغي، وفتح مساحة للحوار وتبادل الخبرات بين التجارب المغربية والعربية والدولية.
أربعة عروض تتنافس على الجائزة الوطنية
تحتضن الدورة مسابقة الجائزة الوطنية للثقافة الأمازيغية في صنف المسرح، والمخصصة للأعمال المنجزة خلال سنة 2025. وجاء ذلك عقب استقبال ملفات الترشح وإحالتها إلى لجنة مختصة تولت فرزها واختيار العروض المتنافسة.
وأسفرت عملية الانتقاء عن اختيار أربعة عروض مسرحية، هي «والو ذي رخاوي» لفرقة أمزيان للمسرح من الناظور، و«أفراك» لفرقة كونستامز للأبحاث المسرحية من تيزنيت، و«أعاود نوعاود» لفرقة خميسآرت من الخميسات، و«إيغود» لمحترف أكادير للفنون.
وتكشف هذه الاختيارات عن تنوع التجارب المسرحية الأمازيغية في المغرب، كما تمنح المسابقة بعداً وطنياً يتيح للجمهور التعرف إلى أساليب مختلفة في الكتابة والإخراج والتشخيص والتعبير فوق الخشبة. وكان باب الترشح للجائزة قد فُتح ضمن الاستعدادات للدورة الثامنة، مع اشتراط أن تكون الأعمال المشاركة من إنتاج سنة 2025.
ولا تقف برمجة المهرجان عند حدود المسابقة، بل تشمل عروضاً مسرحية أمازيغية أخرى، من بينها أعمال لفرقة مسرح تافوكت. كما تستضيف الدورة تجارب مسرحية من العراق وفلسطين ومصر وتونس، في خطوة تعكس انفتاحها على المسرح العربي وحرصها على إتاحة فرص للتواصل وتبادل الخبرات بين الفنانين والفرق المشاركة.
ندوات تبحث مسار الأمازيغية وتوثيق المسرح
يحضر الجانب الفكري بقوة في هذه الدورة من خلال ندوة علمية تتناول مسار اللغة والثقافة الأمازيغيتين، بمشاركة باحثين وأكاديميين ومتخصصين في القضايا الثقافية والسياسية والقانونية.
ويشارك في الندوة كل من أمينة بن الشيخ، مستشارة رئيس الحكومة المكلفة بالأمازيغية ورئيسة تحرير جريدة «العالم الأمازيغي»، وعبد السلام خلفي، عضو المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية، إلى جانب رشيد مقتدر، ورشيد باجي، ومحمد النضر، وفاطمة الزهراء لمحرحر، ومحمد شقير، ومصطفى عنترة، وهشام مدعشا، والفنان والكاتب علي مصوبري. ويتولى الإعلاميان والكاتبان الحسين الشعبي وحسن نرايس تأطير الندوة وتسيير أشغالها.
وفي إطار التعاون مع الهيئة العربية للمسرح في الشارقة، ينظم المهرجان ندوة بعنوان «توثيق المسرح المغربي: في الحاجة إلى مركز وطني للرصيد المسرحي المغربي». وتبحث الندوة سبل حفظ الذاكرة المسرحية الوطنية، وصون ما راكمه المسرح المغربي من تجارب، وإتاحة هذا الرصيد أمام الباحثين والأجيال الجديدة.
ويشارك فيها عز الدين بونيت، منسق مشروع توثيق المسرح المغربي، وغنام صابر غنام ممثلاً للهيئة العربية للمسرح، ومسعود بوحسين، فيما يتولى عبد المجيد شكير تأطير اللقاء وتسيير مناقشاته. ومن المنتظر أن تشهد الندوة تقديم لمحة عن موسوعة توثيقية مرتقبة ترصد جانباً من تاريخ المسرح المغربي وأعماله ومبدعيه.
كما يتضمن البرنامج لقاءً فكرياً بعنوان «دور الإطارات التمثيلية في تأهيل المسرح بالجهة»، ينظم بالتنسيق مع الفرع الجهوي للفيدرالية المغربية للفرق المسرحية المحترفة، بمشاركة بوسرحان الزيتوني، وحسن لهبابطة، وإسماعيل بوقاسم، وحسن عين الحياة.
تكريم رواد المسرح والإعلام الأمازيغي
تخصص الدورة جانباً من برنامجها للاحتفاء بأسماء تركت بصمتها في المشهدين المسرحي والثقافي، وفي مقدمتها الكاتب المسرحي الصافي مومن علي، صاحب مجموعة من الأعمال المرتبطة بتجربة المسرح الأمازيغي، من بينها مسرحيتا «أوسان صميدنين» و«تماوايت ن أودرار»، اللتان سبق لمسرح تافوكت إنتاجهما وتقديمهما على الخشبة.
ويشمل برنامج التكريم أيضاً الإعلامية أمينة بن الشيخ، تقديراً لمسارها وإسهاماتها في المجالين الإعلامي والثقافي الأمازيغي، فضلاً عن الاحتفاء بضيوف المهرجان وأصحاب التجارب المسرحية العربية المشاركة.
وتُهدى الدورة الثامنة إلى روح الفنان أبو علي عبد العالي، أحد أبناء أسرة مسرح تافوكت والمسرح المغربي، وفاءً لمسيرته وإسهاماته الفنية، واستحضاراً للأثر الذي تركه في محيطه المسرحي.
ورش أكاديمية ومعارض فنية
يشكل التكوين أحد المحاور الأساسية في برنامج المهرجان؛ إذ تنظم خلال الفترات الصباحية سلسلة من الورش الأكاديمية الموجهة إلى المشتغلين بالمسرح والأدب الأمازيغي، وطلبة وخريجي الدراسات الأمازيغية، والمهتمين بالفنون الدرامية عموماً.
وتشمل هذه الورش «الكتابة بتيفيناغ» بإشراف الحسين الغلب، و«التوثيق الإعلامي للمسرح بالصورة» بإشراف عبد الله فداح، و«المعجم المسرحي بالأمازيغية» بإشراف عبد السلام بومصر، و«السرد الحكائي في المسرح» بإشراف يوسف توفيق، إضافة إلى ورشة «فيزياء الجسد» التي يؤطرها المخرج العراقي أنس عبد الصمد.
وتواكب العروض واللقاءات الفكرية مجموعة من المعارض؛ إذ يقام معرض للكتاب المسرحي يضم إصدارات الهيئة العربية للمسرح، إلى جانب معرض للكتاب الأمازيغي يشتمل على إصدارات المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية.
كما تحتضن الدورة معرضاً للفن التشكيلي بمشاركة خمسة فنانين، هم حامد بها، وسمية الدليمي، ومحمد القصيد، وأمينة الشناني، وعبد العزيز أجريري. ويمنح هذا الحضور التشكيلي فعاليات المهرجان بعداً بصرياً، ويؤكد انفتاحه على مختلف أشكال التعبير الفني.
برنامج خاص بالأطفال واليافعين
يحظى الجانب الاجتماعي والتربوي بمساحة واضحة في البرنامج، من خلال أنشطة خاصة تقام في مسرح مركب الحسن الثاني للشباب، وتشمل تقديم أربعة عروض مسرحية لفائدة نزيلات مركز عبد السلام بناني لحماية الطفولة، فضلاً عن عروض صباحية موجهة إلى الأطفال واليافعين خلال عطلة نهاية الأسبوع.
وبهذه البرمجة المتنوعة، تتحول الدورة الثامنة من مهرجان الدار البيضاء للمسرح الأمازيغي إلى موعد ثقافي يلتقي فيه المسرح بالفكر والكتاب والفنون التشكيلية والعمل الاجتماعي، وتتسع خلاله مساحة التواصل بين الفنانين والباحثين والطلبة والجمهور.
ويراهن المهرجان على تعزيز حضور المسرح الأمازيغي في المشهد الثقافي المغربي، مع الانفتاح على التجارب العربية والدولية، واستحضار الذاكرة الفنية ومناقشة سبل تطوير الممارسة المسرحية وصون رصيدها الوطني.
المشهد الفني



