«رد الجميل».. رموز المسرح العربي يحتفون بمسيرة د. يوسف عايدابي في مهرجان القاهرة التجريبي 33

علي المهدي: يوسف عايدابي أحد مؤسسي الحركة الفنية في الوطن العربي
عادل حربي: يوسف عايدابي حول التراث السوداني إلى مشروع إبداعي متجدد
شمس الدين يونس: يوسف عايدابي جعل من الأكاديمية مشروعًا معرفيًا مرتبطًا بالمجتمع السوداني.. ود. نبيل الألفي أشاد بـ«البنيان المعرفي المكتمل» للمؤسسة.
حاتم محمد علي: «يوسف عايدابي» أسهم في توثيق الحياة المسرحية السودانية وحفظ ذاكرتها
يوسف العيدابي: الشارقة منحتني مساحة للعمل والإبداع.. وحاكمها جعل الثقافة مشروعًا حقيقيًا
أقيمت أولى ندوات مهرجان القاهرة الدولي للمسرح التجريبي ضمن فعاليات دورته الـ33، تحت عنوان «رد الجميل»، احتفاء بالمسرحي والباحث والمفكر السوداني الدكتور يوسف عايدابي، تقديرًا لمسيرته الممتدة وإسهاماته البارزة في الحركة المسرحية والثقافية العربية.
وأدار الندوة السفير والفنان علي المهدي، بمشاركة كل من الدكتور عادل حربي، والدكتور شمس الدين يونس، والمخرج حاتم محمد علي، الذين توقفوا أمام محطات بارزة من تجربة العيدابي، ودوره الفكري والأكاديمي والإبداعي، وإسهاماته في توثيق ودعم الحركة المسرحية السودانية والعربية
واستهل السفير والفنان علي المهدي الندوة الاحتفائية بالدكتور يوسف عايدابي، معربًا عن سعادته بإقامة هذه الجلسة في القاهرة، التي وصفها بأنها مدينة محبوبة وعزيزة، يجتمع فيها الحضور للاحتفاء بأحد مؤسسي الحركة الفنية في الوطن العربي ورد الجميل لمسيرته وإسهاماته.
وأكد علي المهدي أن الدكتور يوسف عايدابي أسهم، من خلال اختياراته ورؤيته الفكرية المستنيرة، في التعريف بفنون الأداء وفتح آفاق جديدة أمامها، مشيرًا إلى أن اختيار عنوان الجلسة، التي تفتتح أنشطة الاحتفاء به، جاء تحت اسم «رد الجميل للمؤسس يوسف العيدابي» تقديرًا لدوره ومكانته في الحركة الفنية والثقافية.

ومن جانبه أكد الدكتور عادل حربي أن الدكتور يوسف العيدابي يمثل قامة بارزة في الحركة الثقافية السودانية والعربية، وأن تجربته الممتدة جعلت منه مصدر إلهام لأجيال متعاقبة، لما امتلكه من رؤية فكرية وإبداعية تجاوزت حدود الشعر والنقد والمسرح إلى مشروع ثقافي متكامل.
وأوضح أن العيدابي، الذي جمع بين كونه شاعرًا ومفكرًا وناقدًا وباحثًا مسرحيًا وسينمائيًا، أسهم في صياغة أدبيات تيار «الغابة والصحراء»، كما شغل عددًا من المناصب الثقافية والأكاديمية، من بينها عمادة المعهد العالي للموسيقى والدراما، وإدارة مركز دراسة الفلكلور والتراث الثقافي، إلى جانب خبرته في إدارة المعارض والمؤتمرات والتخطيط الثقافي.
وأشار حربي إلى أن أبرز سمات تجربة عايدابي تمثلت في قدرته على استشراف المستقبل وإدراكه العميق لأهمية التنوع الثقافي في بناء المجتمعات، إذ رأى في التنوع السوداني مصدرًا لإثراء الفكر وتعزيز القيم، وعنصرًا أساسيًا للاستقرار والعدالة والتعايش السلمي.
وأضاف أن هذه الرؤية كانت دافعًا لمشاركته في تيار «الغابة والصحراء»، الذي سعى إلى تقديم رؤية سودانية تجمع بين المكونين العربي والأفريقي، وتأكيد خصوصية الهوية الثقافية السودانية.
ولفت إلى أن تجربة يوسف عايدابي لم تقف عند حدود التنظير، بل امتدت إلى المسرح والتجريب، حيث عمل على تجاوز القوالب التقليدية، وتوظيف التراث والأسطورة والممارسات الشعبية في صياغة لغة مسرحية جديدة. كما اهتم بالبحث العلمي والتوثيق والأرشفة، مؤمنًا بأهمية المعرفة والمصادر المتعددة في حفظ التراث الثقافي.
وأكد حربي أن العيدابي اعتمد في تجربته المسرحية على إعادة الكتابة والتركيب، مستفيدًا من الشعر والغناء والأصوات والأجساد والطقوس الشعبية، ليصنع فضاءً مسرحيًا مفتوحًا للتجريب والتجديد.

كما أكد دكتور شمس الدين يونس أن البعد الأكاديمي في تجربة الدكتور يوسف عايدابي لم يكن مجرد تقلد مناصب إدارية أو الحصول على ألقاب جامعية، وإنما مثّل مشروعًا معرفيًا متكاملًا، استهدف تجديد الفكر المسرحي وربطه بحركة المجتمع السوداني.
وأشار إلى أن عايدابي تولى عددًا من المسؤوليات الأكاديمية، بداية من رئاسة قسم المسرح بمعهد الموسيقى والمسرح والفنون الشعبية، ثم عمل نائبًا للعميد، وصولًا إلى عمادة المعهد، حاملًا في مختلف هذه المواقع رؤية تجمع بين خبرته بالفنون الشعبية ورغبته في تطوير التعليم الأكاديمي.
وأوضح يونس أن الدكتور عايدابي عمل، منذ توليه العمادة، على إعادة النظر في المناهج الدراسية، من خلال ربطها بتراث المسرح السوداني دون الوقوع في القطيعة مع الماضي أو الجمود عنده، بالتوازي مع الانفتاح على أحدث المعارف المسرحية في مجالات التمثيل والإخراج والسينوغرافيا.
كما اهتم بإدخال العلوم المساعدة، مثل علم الجمال والفلسفة وتاريخ المسرح، إلى جانب الاستفادة من خبرات أساتذة جامعتي الخرطوم والقاهرة فرع الخرطوم في العملية التعليمية. وانعكس هذا الجهد في تقرير التقييم الذي أعده الدكتور نبيل الألفي عن المعهد، وأشاد فيه بما وصفه بـ«البنيان المعرفي المكتمل» للمؤسسة.
ولفت شمس الدين يونس إلى أن من أبرز إسهامات العيدابي الأكاديمية سعيه إلى كسر الثنائية بين الأكاديمي والشعبي، إذ دعا إلى استيعاب أصحاب الخبرات الحياتية والفنية داخل المؤسسة الأكاديمية، مؤمنًا بأن المعرفة الأكاديمية ليست المصدر الوحيد للمعرفة، وأن الفنان الشعبي ليس خارج أسوار الجامعة، بل طرفًا أساسيًا في حوار معرفي متبادل.
وأضاف أن اهتمام عايدابي بالتوثيق مثّل امتدادًا لرؤيته الأكاديمية، فلم يتعامل معه باعتباره مجرد تسجيل للوقائع، وإنما وسيلة لاستعادة ذاكرة الفعل المسرحي من التهميش والنسيان، وجعل من الكتاب والتوثيق جسرًا يصل الأجيال الجديدة بتراثها.

وتحدث الفنان السوداني حاتم محمد علي، المدير التنفيذي لمكتب مركز التنمية الإعلامية، عن نشاط ودور المركز منذ تأسيسه عام 2000 وحتى الآن، مشيرًا إلى أن المركز يعمل باعتباره مركزًا بحثيًا يهتم بالدراسات البحثية والتوثيقية للحياة المسرحية في السودان.
وأوضح أن المركز أطلق جائزة الدكتور يوسف عايدابي للبحث المسرحي، بهدف تشجيع الأجيال الجديدة من الشباب والخريجين الجدد على الاهتمام بالبحث المسرحي، ومواصلة الحفر والتنقيب في تاريخ المسرح السوداني، إلى جانب دور المركز في طباعة ونشر الأعمال والدراسات البحثية.
وأشار محمد علي إلى أن المركز لعب أدوارًا تأهيلية كبيرة من خلال تنظيم الندوات والورش والفعاليات المختلفة، التي تستهدف جميعها خدمة المسرح ودعم الحركة المسرحية.
وأضاف أن المركز أصدر حتى الآن أكثر من أربعين عنوانًا عن المسرح السوداني، لعدد من الباحثين، تتنوع بين مخطوطات ووثائق ودراسات وبحوث علمية، مؤكدًا أن هذه الإصدارات أصبحت متاحة في المكتبة المسرحية السودانية، كما توجد في عدد من المعارض التي تُقام في مختلف أنحاء العالم العربي.
ولفت إلى أن هذه المطبوعات تسهم في توفير مادة توثيقية ترصد الحياة المسرحية في السودان عبر تاريخها الطويل، موضحًا أنه قبل إنشاء المركز لم تكن الحياة المسرحية السودانية موثقة بالشكل الذي وصلت إليه اليوم.
وكشف حاتم محمد علي عن إطلاق المركز، أمس، موقعًا إلكترونيًا يضم عددًا كبيرًا من البحوث والدراسات والمخطوطات، لتكون متاحة أمام القراء والباحثين والمهتمين بالمسرح السوداني، في خطوة جديدة تستهدف حفظ وتوثيق ذاكرة المسرح وإتاحتها للأجيال المقبلة.

وأعرب الدكتور يوسف عايدابي عن خالص شكره للدكتور سامح مهران على إتاحة مساحة للاحتفاء بالسودان وثقافته، مؤكدًا أن هذا التقدير لا يخصه وحده، وإنما يمثل تقديرًا لوطنه وتاريخه الثقافي والفني.
كما وجه عايدابي الشكر إلى مصر، التي وصفها بأنها أحد أهم منابع العلم والمعرفة التي استلهم منها الكثير خلال مسيرته، مشيرًا إلى أنه يرد هذا الجميل إلى وطنه العزيز السودان، وإلى الشارقة التي وصفها بـ«بلده الثاني»، بعدما عاش فيها سنوات طويلة شكّلت محطة مهمة في حياته وتجربته الثقافية.
وتوقف العيدابي عند تجربته في الشارقة، مؤكدًا أن حظه كان كبيرًا بمعرفة حاكم وصفه بـ«الحكيم»، لما لمسه من إيمان حقيقي بالثقافة ودورها، وتسخير الإمكانات والموقع لخدمة المشروع الثقافي. وقال إن هذه التجربة منحته شرف المشاركة في مسؤولية المشروع الثقافي في الشارقة، والعمل بحرية مع كوكبة من المثقفين العرب والإماراتيين.
وأضاف أن من أبرز محطات هذه التجربة عمله في الهيئة العربية للمسرح، تحت قيادة حاكم الشارقة، الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي، الذي وصفه بالشاعر والكاتب المسرحي، وبأنه نموذج في التواضع والنبل، مؤكدًا أن دعمه للعاملين في المجال الثقافي لم يكن قائمًا على «عصا سحرية»، بل على تمكين من يعملون معه ومنحهم الثقة والمساحة اللازمة للإنجاز.
وأشار عايدابي إلى أن ما وجده من دعم وإتاحة للفرص جعله قادرًا، بقدر المستطاع، على أن يكون مفيدًا ومنجزًا، مؤكدًا أن التجارب المتعددة التي مر بها رسخت لديه قناعة بأن المسرح مسؤولية قبل أن يكون مجرد ممارسة فنية.
وأكد عايدابي على أن المسرح لا ينبغي أن يبقى أسيرًا للتنظير وحده، مهما اتسعت مساحته، موضحًا أن لدى المبدعين فكرًا وخيالًا قادرين على الوصول إلى آفاق مغايرة، وصناعة رؤى جديدة تتجاوز المألوف وتمنح الفن قدرته الحقيقية على التجدد.
وتقام الدورة الثالثة والثلاثون من مهرجان القاهرة الدولي للمسرح التجريبي برئاسة الدكتور سامح مهران، خلال الفترة من 1 إلى 8 سبتمبر 2026، وتتضمن إلى جانب عروض المسابقة الرسمية برنامجًا فكريًا وورشًا تدريبية وفعاليات موازية وإصدارات متخصصة في قضايا المسرح والتجريب.



