مهرجان القاهرة الدولي للمسرح التجريبي يحتفي بتجربة المخرج العراقي الراحل عوني كرومي

بشار عليوي: عوني كرومي لم يكن وسيطًا للثقافات لأنه عاش بين العراق وألمانيا.. بل لأنه جعل المعرفة تتحرك بينهما
رياض موسى سكران: عوني كرومي كان جسرًا لكل التناقضات.. وجسرًا للحوار مع الآخر
نورس عادل: كرومي امتلك مشروعًا مسرحيًا يتجاوز حدود التجربة الفردية
جبار جودي: كل عرض لعوني كرومي كان مختلفًا عن الآخر
سامح مهران: مسرح الهناجر استضاف ثلاثة من أهم المخرجين العراقيين
احتفى مهرجان القاهرة الدولي للمسرح التجريبي، برئاسة الدكتور سامح مهران، بتجربة المخرج والباحث والأكاديمي العراقي الراحل عوني كرومي، في ندوة أقيمت تحت عنوان «رد الجميل»، وأدارها المسرحي والناقد العراقي بشار عليوي، بمشاركة عدد من المسرحيين والنقاد والباحثين العراقيين، وهم الدكتور محمد سيف، ورياض موسى سكران، والدكتور نورس عادل، إلى جانب جبار جودي نقيب الفنانين العراقيين، والدكتور سامح مهران رئيس المهرجان.

وفي مستهل الندوة، استعاد بشار عليوي تجربة عوني كرومي بعد عشرين عامًا على رحيله، متوقفًا أمام الوصف الذي ارتبط باسمه باعتباره «وسيط الثقافات»، ومطرحًا السؤال حول ما الذي فعله كرومي حتى استحق هذا الوصف.
وقال عليوي إن الاجتماع حول عوني كرومي اليوم لا يقوم على المحبة وحدها، لأن المحبة لا تصنع معرفة، مؤكدًا أن تجربة الراحل أكبر من ذلك وتحتاج إلى قراءة وتأمل في مسيرته المسرحية والفكرية والأكاديمية.
وأوضح أن عوني كرومي ذهب إلى ألمانيا طالبًا، ثم عاد إلى العراق حاملًا معرفة لم يستنسخها كما هي، فعندما عاد إلى بغداد لم يفصل الجامعة عن الدرس وعن المختبر، وإنما درّس الإخراج والتمثيل، وحوّل الدرس إلى ورشة عمل، وربط الممارسة بالنظرية، وأسهم في تكوين باحثين وفنانين وأجيال من المسرحيين العراقيين والعرب.
وأضاف أن كرومي عندما انتقل مرة أخرى إلى ألمانيا في مرحلة أخرى من حياته، لم يصبح المسرح الألماني بالنسبة إليه مكانًا للمنفى فقط، وإنما مساحة جديدة للعمل والحوار. وتوقف عند مشروع «طريق الحرير» مع مسرح الرور، الذي تعامل فيه المسرح مع نفسه باعتباره وسيطًا للحوار بين الثقافات، بينما تحرك كرومي بين المسرح الألماني والعراقي والعربي، مستفيدًا من معرفته العميقة بهذه الفضاءات، وأسهم في تعريف المتلقي بالممارسة البريختية.
وأكد عليوي أن الإجابة عن سؤال «وسيط الثقافات» بدأت تتشكل من هنا، قائلًا إن عوني كرومي لم يكن وسيطًا للثقافات لأنه عاش بين العراق وألمانيا، وإنما لأنه جعل المعرفة تتحرك بينهما؛ أخذ من المسرح الألماني ما يمكن أن يدخل به في حوار مع المسرح العراقي والعربي، وحمل إلى ألمانيا شيئًا من المسرح العراقي والعربي، وأسهم في جمع الفنانين من خلال الورش والمسرحيات والمجموعات المشتركة، وفتح مساحات للحوار المسرحي والثقافي.
وأشار إلى إحدى العبارات التي وجدها أثناء بحثه في المصادر الألمانية عن كرومي، والتي وصفته بأنه «سفير بين الثقافات، دافع عن الحوار، وأقام السلام، وجمع فنانين من بلدان مختلفة، وكان حريصًا دائمًا على بناء الجسور»، معتبرًا أن كلمة «الجسور» تختصر الكثير من تجربة كرومي، خاصة في ضوء مقولته: «المسرح لا يعيش إلا إذا دخل في حوار مع قضايا الناس».
وتابع عليوي أن هناك جانبًا آخر لا ينبغي نسيانه، وهو أن عوني كرومي لم يقدم عروضًا فقط، وإنما صنع أجيالًا. وقال إن النظر إلى القاعة اليوم، وإلى هذا الجمع من أصدقائه وطلابه ومحبيه وزملائه بعد عشرين عامًا من رحيله، يكشف أن الإجابة عن سؤال أثره ليست موجودة فقط في الكتب أو الوثائق أو أرشيف المسرح، وإنما موجودة هنا في هذه القاعة.
وأضاف أن كرومي رحل منذ عشرين عامًا، ومع ذلك يجتمع المسرحيون من بلدان مختلفة للحديث عنه وإعادة قراءة تجربته واستعادة دروسه وعروضه ومواقفه، وهو ما يؤكد أن مشروعه المسرحي لم ينتهِ برحيله.
وأوضح أن عوني كرومي رحل في برلين يوم 27 مايو 2006، بعد رحلة مسرحية وفكرية وأكاديمية طويلة، جمع خلالها بين الإخراج والتمثيل والبحث والتدريس، وأسهم في صناعة أجيال من المسرحيين، فاستحق عن جدارة لقب «وسيط الثقافات» والمعلم المسرحي.
وأكد أن عنوان الندوة «رد الجميل» يحمل الكثير مما يريد المسرحيون قوله لعوني كرومي، إلا أن رد الجميل إليه لا يكون بمجرد تذكره، وإنما بإعادة قراءته، ومن هنا تأتي هذه الندوة التي يشارك فيها عدد من الباحثين والأساتذة والأصدقاء من العراق، ليقرأ كل منهم تجربة كرومي من زاوية مختلفة.
وأشار عليوي إلى أن الندوة تجمع ثلاثة من المسرحيين والنقاد والباحثين العراقيين، لكل منهم رؤيته الخاصة لتجربة كرومي، مؤكدًا أن الوقت يظل قليلًا أمام شخصية إنسانية عراقية وعربية أصيلة ما زال أثرها حاضرًا حتى اليوم، مضيفًا أن العراقيين يفتخرون بعوني كرومي باعتباره أحد الرموز المهمة في تاريخ المسرح العراقي.
محمد سيف: عوني كرومي كان يمشي بين طلابه وكأنهم أصدقاؤه

استهل الباحث والمخرج والممثل والدراماتورج والناقد المسرحي العراقي الدكتور محمد سيف حديثه بالإشارة إلى عدد من الآباء المؤسسين للمسرح العراقي، ومن بينهم إبراهيم جلال، وجاسم العبودي، وقاسم محمد، وسامي عبد الحميد، مؤكدًا أن هؤلاء المخرجين والأساتذة علموا أجيالًا من المسرحيين أن المسرح علاقة إنسانية أولًا وقبل كل شيء.
وقال سيف إن من الصفات الكثيرة التي ميزت عوني كرومي أنه كان دائمًا محاطًا بالطلبة، حتى إن من يراه يمشي معهم لا يشعر أنهم تلامذته، وإنما أصدقاؤه. وأضاف أنه عندما كان يزور كرومي في تمرين مسرحي، كان يجد الممثل والمخرج والسينوغراف وصاحب الإضاءة يعملون معًا على العرض المسرحي، في صورة تشبه المختبر المسرحي الحديث في أوروبا.
واستشهد سيف بتجارب مخرجين مثل روبرت ويلسون، موضحًا أن بعض هذه التجارب لا تبدأ من النص بقدر ما تبدأ من الخشبة، ومن العلاقة بين عناصر العرض المختلفة، سواء العناصر الإنسانية أو المادية أو التقنية، مؤكدًا أن هذا هو ما كان عوني كرومي يعمل عليه منذ سنوات طويلة.
وأشار إلى أن هذا النوع من العلاقة بين المخرج وفريق العمل لم تكن له في ذلك الوقت قراءات نقدية كثيرة، لكن كرومي كان يعمل بهذه الطريقة، ويتحرك مع الفنانين باعتباره واحدًا منهم، قائلًا إنهم كانوا يتعلمون منه بقدر ما كان يتعلم منهم.
وأكد سيف أن تواضع كرومي لم يقلل من احترام الآخرين له، وإنما عمّق حضوره، موضحًا أن هذا التواضع كان يصل إلى درجة تجعل من حوله يشعرون بالحرج أمام ما يطرحه من أفكار.
واستعاد موقفًا شخصيًا جمعه بالراحل، موضحًا أنه لم يكن أستاذه المباشر، لكنه كان محظوظًا بعلاقاته مع كبار أساتذة المسرح العراقي. وقال إنه قبل مغادرته العراق إلى فرنسا، وفي ليلة سفره، طرق عوني كرومي باب منزله في منتصف الليل تقريبًا، وعندما فتح له قال: «لا أستطيع أن أتركك تغادر دون أن أقبلك وأودعك».
وأضاف أن كرومي كان يرتبط بالفنانين بهذه الطريقة الإنسانية، ولذلك، حين رحل، لم يرحل أثره، وإنما ظل حاضرًا بين زملائه وطلابه والأجيال التي جاءت من بعده.
وتوقف سيف عند قضية الفجوة بين الأجيال المسرحية الحديثة والرواد، مشيرًا إلى أنه يشك في أن بعض الشباب في العراق اليوم يعرفون عوني كرومي وتفاصيل تجربته وعروضه بالقدر الكافي، مستشهدًا بأعمال مثل «السيد والعبد» و«غاليلو» و«الإنسان الطيب» و«بيت برناردا ألبا».
ورأى أن «رد الجميل» يعيد الذاكرة إلى مكانها، ويعيد تقديم أسماء المسرحيين الكبار إلى الأجيال الجديدة، مشيرًا إلى أن هذا التذكر مهم للأجيال الحالية قبل أن يكون للراحلين أنفسهم، لأن هؤلاء المسرحيين تركوا ما تركوه من منجز، والمطلوب هو تغذية ذاكرة الأجيال الجديدة وتعريفها بمن أسسوا المعرفة المسرحية الحقيقية وبناة المسرح العراقي والعربي.
وأوضح أن تجربة كرومي لم تقتصر على العراق، فقد عمل في الأردن وعمان ومصر وبرلين، إلى جانب تجربته في العراق، وهو ما يعكس اتساع مشروعه المسرحي.
وتناول سيف علاقته بالبريختية، موضحًا أن كرومي درس في ألمانيا في الفترة التي كان فيها المسرح البريختي في ذروة حضوره، وأخذ من هذه التجربة، لكنه عندما عاد إلى العراق لم يقدمها كما هي، وإنما قدمها وفق أسئلة البيئة العراقية وسياقها المعرفي الخاص.
وأكد أن وصف كرومي بأنه «مخرج بريختي» يحتاج إلى تدقيق، لأن إبراهيم جلال سبقه في تقديم بريخت في المسرح العراقي، رغم أنه لم يدرس في ألمانيا، وإنما أخذ تقنيات المسرح البريختي ووظفها في عروضه. أما كرومي، فكان قد درس في ألمانيا، ولذلك التصقت به الصفة بصورة أكبر.
وأوضح سيف أن أهمية كرومي الحقيقية تتمثل في أنه جعل المفاهيم البريختية جزءًا من الثقافة المسرحية العراقية، ولم يتعامل معها باعتبارها نموذجًا أجنبيًا ينبغي نسخه.
واستشهد سيف بما حدث سابقًا مع حقي الشبلي وجاسم العبودي، موضحًا أن حقي الشبلي عندما عاد من مصر وفرنسا جاء بمنهج ستانسلافسكي، لكن لم يقدم الأمر باعتباره «منهج إعداد الممثل»، فبدأ الناس يدرسون ستانسلافسكي من خلال ما قدمه حقي الشبلي. ثم جاء جاسم العبودي، بحكم خبرته وثقافته، وكشف أن هذه التقنيات تعود إلى ستانسلافسكي.
وأكد أن الأمر نفسه يمكن أن يفسر تجربة كرومي، فإبراهيم جلال قدم بريخت دون أن يوصف بأنه المخرج البريختي، بينما ارتبطت الصفة بكرومي لأنه درس في ألمانيا، لكن الأهم أنه كان يعمل على بريخت وفق بيئة عراقية.
وأشار إلى أن عروض كرومي في سنواته الأخيرة تعاملت مع المسرح العراقي، ومع نصوص قديمة ومصادر ليست بالضرورة نصوصًا مسرحية، ومنها الأناشيد السومرية والبابلية، مؤكدًا أن لديه وجهة نظر مختلفة في المسرح، باعتباره فنًا وعالمًا كونيًا وليس محليًا فقط.
وأضاف سيف أن كرومي كان دائمًا يدفعه إلى النظر إلى ما هو أبعد، حتى عند التعامل مع قصيدة شعبية عراقية، وهو ما كان يفعله بنفسه في أعماله، ومن بينها «طبل الغرام»، حيث لا يرى المتلقي العراق بصورة مباشرة بكل تفاصيله، وإنما يرى الخوف والحرب والصراع والدمار، رغم أن المادة مرتبطة بنص بريخت المأخوذ عن شكسبير.
رياض موسى سكران: عوني كرومي كان جسرًا لكل التناقضات.. وجسرًا للحوار مع الآخر

وتحدث الدكتور رياض موسى سكران الأستاذ بكلية الفنون الجميلة بجامعة بغداد، عن تجربته مع أستاذه عوني كرومي، مؤكدًا أن مرور عشرين عامًا على رحيله لم ينهِ حضوره، وإنما جعله يتجدد يومًا بعد يوم، لأنه، بحسب وصفه، كان يمثل جسرًا لكل التناقضات، وجسرًا للحوار مع الآخر، قبل أن يتأسس مفهوم حوار الثقافات بين الدول والشعوب المختلفة، وصولًا إلى تأسيس حوار الإنسان مع ذاته.
وأوضح سكران أن ورقته حملت عنوان «فتى الترنيمة يفترض التحليل»، مستعيدًا من خلالها صورة عوني كرومي في بداياته، ومشيرًا إلى أن تجربته ارتبطت منذ البداية بالنشيج العراقي والحنين والغربة ومكابدة الإنسان لأسئلته.
واستعاد سكران مشهدًا من أحد عروض كرومي، مستندًا إلى الأغنية التي كانت تؤديها الفنانة إقبال نعيم، والتي يقول مطلعها: «تحن سنيني لسنينك.. لهفة مايك وطينك.. أوادت كل سحابة غيم.. واشتاكي الشمس عينك».
وقال إن هذا النشيج العذب والمعذب، والمتجذر في أقصى زوايا الحنين العراقي، أخذه إلى عالم كرومي، وإلى صورة ذلك الشاب الذي يظهر وسط فضاء البيت البغدادي القديم، في مشهد يحمل الحلم والغربة والبحث عن مكان ووطن بلا حدود.
وأضاف أن طلبة المسرح كانوا يجلسون في زوايا وأركان البيت البغدادي، بينما يظهر كرومي وسط هذا الفضاء وكأنه روح تبحث عن ملاذ ومكان ووطن، مشيرًا إلى أن هذه الصورة ظلت مرتبطة في ذاكرته بتجربة الراحل.
وأوضح سكران أن «فتى الترنيمة» جاء من نبض النشيج والأنين العراقي المزمن، ومن ذاكرة الأرض، وبعد أن عبر جسر الحياة إلى الخلود، انتقل أثره من باحة البيت البغدادي القديم إلى منتدى المسرح، ومنصة مسرح الستين كرسي، ومسارح أكاديمية الفنون الجميلة، ثم طاف العالم، قبل أن تحط روحه الرحال على منصة التجريب في القاهرة، حيث تقام ندوة الوفاء ورد الجميل التي تليق، بحسب تعبيره، بمصر «أمنا جميعًا وأم الدنيا».
وتابع سكران أن كرومي لم يأتِ بعربة تسبيس ولا بمعطف رامبو ولا بمعطف غوغول، وإنما جاء روحًا تحمل «عشبة النور» التي منحها جدنا جلجامش، وأورثه سؤال الخلود. ومن هذا السؤال، رأى سكران أن تساؤلات كرومي كانت تبحث عن الإنسان داخل الإنسان، بوصفها امتدادًا لنور العشبة المقدس الذي أضاء روح الإنسانية.
وأشار إلى أن أربعة عقود من الزمن العراقي لم تكن كافية لوقف نزيف الدم والأسئلة التي كانت تتحرك في رأس كرومي، مؤكدًا أن الراحل خاض خلال هذه السنوات رحلة بحث عن أصل الحياة الممتدة في التاريخ والأسطورة والملاحم، وحاول أن يجد حلولًا لمشكلات الواقع وانعطافاته وتعقيداته.
وأكد أن كرومي كان، من خلال مجمل تجاربه، يبوح ويؤشر ويكتب للقيم الإنسانية والمثل العليا، ولذلك كان مسرحه، في نظره، «مسرح حياة».
التجريب منذ البدايات
وأوضح سكران أن ملامح رؤية كرومي بدأت تتبلور منذ شبابه المبكر، مع ميل واضح إلى التجريب، مشيرًا إلى أنه امتلك جرأة واندفاعًا دفعاه إلى إصدار بيان في الإخراج والمسرح والتجارب المسرحية وهو دون العشرين من عمره، دعا فيه إلى التجريب والتجديد والتعاطي مع المناهج والرؤى الحديثة.
وقال إن كل تجربة من تجارب كرومي كانت تحمل مغايرة لافتة وأسلوبًا متجددًا، مستشهدًا بمسرح الستين كرسي، الذي كان يقع في الطابق الثاني من عمارة صغيرة في شارع السعدون مقابل سينما بابل، حيث قدم كرومي مسرحية «أنشودة العمل»، التي امتد عرضها لأكثر من ثلاث ساعات.
وأوضح أن الجمهور لم يشعر بمرور الوقت خلال العرض بسبب التدفق الإيقاعي الذي شمل مجمل عناصر بنية العرض، مشيرًا كذلك إلى تجربة «الذباب والبرغوث» التي قدمها كرومي في غرفة بلا خشبة، وجعل الجمهور يجلس على الأرض، بينما دار التمثيل حوله، مستخدمًا مفردات مسرحية بسيطة، من بينها شواهد القبور وغطاء أسود وبعض الحبال التي أوحت بخيمة.
وأضاف سكران أنه لا يريد الإطالة في تعداد عروض كرومي، خاصة أنه قدم عنها الكثير من الدراسات والبحوث، مشيرًا إلى كتاب صديقه الدكتور جبار، «العوالم البديلة: تجليات الرؤى الإخراجية في المسرح العراقي»، الذي يوثق عددًا من التجارب الإخراجية العراقية، ومن بينها تجربة عوني كرومي.
ودعا إلى إتاحة بعض نسخ الكتاب للحضور، لما يتضمنه من توثيق لتجارب مهمة في المسرح العراقي.
«صراخ الصمت الأخرس».. ضجيج العالم وعزلة الإنسان
وتوقف سكران بشكل خاص عند مسرحية «صراخ الصمت الأخرس»، معتبرًا أنها واحدة من التجارب اللافتة في مسيرة عوني كرومي، لما زاوجت بين الرمزية والعبثية، وما انطوت عليه من رؤية إخراجية جريئة.
وأوضح أن الجسد والصورة والسينوغرافيا تشكلت في العرض ضمن هارمونية لافتة، بينما كشف العرض عن ضجيج العالم الحديث وعزلته، وواجه أسئلة الإنسان حول القمع والجوع والاغتراب، ودعا المتلقي إلى البحث عن المعنى الكامن وراء ذلك الصمت الخانق.
وأشار إلى أن فضاء العرض نفسه كان ضاغطًا، من خلال مفردات مثل الأسلاك وأجهزة الراديو والتلفزيون والحاسبات، وهي مفردات خلقت في مجموعها شعورًا بالاختناق لدى الجمهور، وضغطت عليه من كل جانب، ليدفعه ذلك إلى البحث عن خلاص روحه والاتجاه نحو الغربة والمنفى، وهو الهاجس الذي كان حاضرًا في تجربة كرومي.
وأضاف أن معاناة الشخصيات في العرض كانت تحدث تحت تأثير الحرب من جهة، وتأثير الغربة والمجهول من جهة أخرى، بينما تتشابك الأفكار في محاولة للتعبير عن عبث الحياة.
نورس عادل: كرومي امتلك مشروعًا مسرحيًا يتجاوز حدود التجربة الفردية

وتحدث الدكتور نورس عادل أستاذ النقد المسرحي بكلية الفنون الجميلة بجامعة بغداد، مؤكدًا في البداية أنه يحمل أمانة من عائلة الراحل عوني كرومي، أرسلتها ابنته رؤى، تتقدم بالشكر إلى المسرحيين في مصر وإلى الشعب المصري، ومن خلالهم إلى الدكتور سامح مهران والدكتور محمد سمير الخطيب، على هذا الموقف الذي وصفه بالنبل، لأنه يعيد التفكير في الماضي والتاريخ، مؤكدًا أن التاريخ والماضي هما المستقبل في كل الأحوال.
وقال عادل إن المسرحيين العراقيين أنفسهم بدأوا ينظرون إلى فكرة «رد الجميل» بشكل مختلف، خاصة مع رحيل عدد من كبار المسرحيين، ومن بينهم المخرج صلاح القصب، الذي أعاد فقده طرح سؤال استعادة الأثر والأسماء المهمة في تاريخ المسرح العراقي.
وأشار إلى أن تاريخ المسرح العراقي يضم عددًا من الآباء المؤسسين، ومن بينهم بهنام ميخائيل، وإبراهيم جلال، وجاسم العبودي وغيرهم، وأن لكل واحد منهم بصمته وأثره، لكن هناك اختلافًا في أن بعض هؤلاء الرواد امتلك، إلى جانب الأداء والاحتراف والمبادرات التأسيسية، مشروعًا مسرحيًا استراتيجيًا.
ورأى أن عوني كرومي ينتمي إلى هذه الفئة، وأن الحديث عنه يقود إلى سؤال فلسفي معقد؛ فكما يصعب وصف جبل من بعيد لأن مفردات الجمال والجلال تتداخل كلما اقتربنا منه، فإن تجربة كرومي تتسع إلى درجة تجعل وصفها في كلمات محدودة أمرًا شديد الصعوبة.
وأوضح عادل أن السؤال عن كرومي يقود إلى عدد كبير من الأسئلة حول ما استطاع أن ينجزه خلال أربعة عقود، متسائلًا كيف استطاع أن يتعلم ثلاث لغات، وأن يترجم عددًا من الكتب، ويؤلف كتبًا أخرى، مشيرًا إلى كتابه المنشور في الشارقة عن المسرح والضحك والكوميديا، الذي ينطلق من أفكار الفيلسوف الفرنسي هنري برغسون حول الضحك والكوميديا وعلاقتهما بالمجتمعات المحبطة والذكاء.
«مسرح الأكثرية» والعودة إلى الجمهور
وقال عادل إن كرومي حاول في مشروعه المسرحي، باختصار، الوصول إلى فكرة يمكن تسميتها «مسرح الأكثرية»، موضحًا أن ذلك لا يعني مغادرة الهوامش، وإنما لأن هوامش الحياة المعاصرة أصبحت، في نظر كرومي، جزءًا من الأكثرية.
ومن هنا، بحسب عادل، كان كرومي يعيد طرح السؤال الجوهري حول علاقة المسرح بالجمهور، حتى إذا ترتب على ذلك الخروج عن بعض الأطر الكاريزمية أو المتعالية.
وأضاف أن كرومي، رغم دراسته في ألمانيا وفي بيئة ثقافية مختلفة، عندما عاد إلى العراق عمل باللهجة الدارجة والشعبية، وتعاون مع شعراء شعبيين مثل عريان السيد خلف، كما استفاد من الأغنية، متخليًا عن فكرة التعالي، لأنه كان يرى أن اللغة نفسها مشروع حي.
وأوضح أن الإنسان قد يتحدث العربية بوصفها اللغة الأم، لكن هذه اللغة تحتاج إلى حياة داخل ذاتها، وهو ما دفع كرومي إلى التعامل مع اللغة باعتبارها مادة حية للمسرح وليست مجرد أداة جاهزة.
المخرج الدراماتورج
وقال نورس عادل إن القراءة المكثفة لتجربة كرومي دفعته إلى سؤال آخر: من هو عوني كرومي وسط هؤلاء الآباء المؤسسين؟
وأضاف أنه اكتشف أن كرومي اشتغل مبكرًا، وبشكل دقيق، على فكرة المخرج الدراماتورج، حتى دون أن يعلن ذلك بصورة مباشرة، لأنه لم يكن يهتم بالبهرجة.
وأشار إلى أن أحد أسباب تشكل هذه الفكرة لديه هو دراسة كرومي في ألمانيا، وفي بيئة ارتبطت بتجربة برتولت بريخت، إلى جانب عمله في بغداد بصفة دراماتورج ومساعد مخرج مع أستاذه الألماني فيرنر، الذي حضر إلى بغداد وقدم عرضًا مسرحيًا هناك.
وأوضح أن كرومي في تطبيقاته كان يتعامل مع النص بطريقة تقوم على تفكيك بنيته واستزراع أنساق ثقافية مغايرة، مستشهدًا بعرض «البرجوازي الصغير» الذي قدمه كأطروحة تخرج لطلاب معهد الفنون في دمشق، وتعرض بسببه للاعتقال وأغلق المسرح، وتطلب الأمر تدخل وزيرة الثقافة السورية آنذاك.
وتساءل عادل: كيف استطاع نص ألماني ومخرج عراقي أن يثير حفيظة السلطة؟ وأكد أن الإجابة تكمن في الطريقة التي كان كرومي يعيد بها إنتاج المادة المسرحية، فلا يقدم النص كما هو، وإنما يعيد صياغته من خلال البيئة والأسئلة التي يتحرك داخلها.
واستشهد كذلك بعرض «ترنيمة الكرسي الهزاز» الذي قدم في العراق أكثر من مرة عام 1987، موضحًا أنه طرح إشكالية عاطفية من خلال شخصيتين نسائيتين أدتهما إقبال نعيم وأنعام البصام، إحداهما مغنية وعازفة، والأخرى عانس.
وأشار إلى أن العرض تناول بصورة غير مباشرة الأسباب التي أدت إلى عنوسة المرأة بسبب الحروب، لافتًا إلى أن كرومي أزال عقارب الساعة المعلقة على الحائط، وحولها إلى كرسي هزاز.
وأوضح أن الجمهور وجد نفسه أمام ساعة بلا عقارب، بينما هناك كرسي يتحكم في الزمن، وأن الكرسي لم يكن كرسي المرأة وإنما كان كرسي السلطة، إلا أن كرومي وضع هذا الرمز في موقع جعل السلطة نفسها موضع سؤال.
«مش عيون حزام» وإعادة إنتاج النصوص في البيئة المصرية
وتوقف عادل عند آخر أعمال كرومي التي قدمها في مصر، «مش عيون حزام»، موضحًا أنه عندما عاد إلى العرض وجده قد تعامل مع نصوص وتجارب متعددة، من بينها أعمال داريو فو، وبيتر مان، وماكس فريش، واستخدم هذه المواد المختلفة لإنتاج عرض يتناسب ويتناسق مع البيئة الثقافية المصرية.
وأشار كذلك إلى عرض «الإنسان الطيب في ستشوان» الذي قدمه كرومي في العراق، موضحًا أنه تعامل معه بالطريقة نفسها، فأجرى تعديلات وإزاحات على المادة الأصلية، وأعاد إنتاجها بحيث تتلاءم مع سياقه الثقافي.
وأكد أن هذه القدرة على إعادة الإنتاج جعلت المتلقي يتساءل عن طبيعة العرض ومصدره، وهل هو عرض أجنبي أم عرض أعيد تشكيله داخل البيئة المحلية، معتبرًا أن هذه القدرة واحدة من أهم سمات تجربة كرومي.
وفي ختام كلمته، استعاد نورس عادل حضور مصر في تجربة كرومي، مشيرًا إلى أنه في العقد الأخير من حياته، وفي أحد كراسات المعرض والبوستر الموثق، وجه إلى مصر ثلاث مرات عبارة: «شكرًا.. شكرًا.. شكرًا لمصر».
واختتم حديثه باستدعاء مقولة للكاتبة والصحفية إنعام كجه جي، مفادها أن «حينما يرحل الكبار فإنهم يختارون كيف يرحلون»، مشيرًا إلى أن عوني كرومي، مثلما رحل موليير بعد تقديم «المريض الوهم»، رحل كرومي بعد تقديم «مسافر ليل».
جبار جودي: كل عرض لعوني كرومي كان مختلفًا عن الآخر

وعقب ذلك، تحدث الدكتور جبار جودي، نقيب الفنانين العراقيين، مستعيدًا جانبًا من علاقته بتجربة عوني كرومي، ومشيرًا إلى أنه حالفه الحظ في أن يكون قريبًا من بعض مشروعاته، خاصة في عام 2002، عندما أسهم كرومي في مجيء فرقة مسرح الرواد إلى بغداد، حيث قدمت أربعة عروض على مسرح الرشيد.
وأوضح جودي أنه كان مديرًا لإنتاج هذه العروض، ثم جرى تبادل الزيارات من خلال عرض «تفاحة القلب» الذي أهداها الراحل الكبير سامي عبد الحميد، وشاركت فيه آلاء حسين، وكان عوني كرومي مخرجًا له.
وقال إن هذه التجربة جعلتهم على تماس مع فرقة مسرح الرواد بتأثير من الدكتور عوني كرومي والدكتور عبد القادر الجنابي في ذلك الوقت.
وأشار جودي إلى أنه شاهد أربعة عروض مسرحية للراحل، كان أولها «صراخ الصمت الأخرس» الذي قدم عام 1986 على مسرح الستين كرسي، وبطولة رائد محسن ورضا ذياب، معتبرًا إياه واحدًا من أكثر العروض التي أدهشته في حياته.
وأكد أن العرض، في رأيه، لا علاقة مباشرة له بالمنهج البريختي الذي تحدث عنه الدكتور محمد سيف، مشددًا على أن ما يميز تجارب كرومي هو اختلاف تجربة عن أخرى بفارق كبير، وأن كل عرض كان يحمل أسلوبًا إخراجيًا مختلفًا.
وأضاف أنه شاهد بعد ذلك عملًا أكاديميًا لكرومي بعنوان «تساؤلات مسرحية»، وصفه بأنه كان عملًا مثيرًا في وقته، من خلال تجميع شكسبير بطريقة مفتوحة على خشبة المسرح، مع وعي واضح بالاشتغال على أداءات الممثل، معتبرًا أن التجربة كانت مختلفة تمامًا، وإن كان بها جانب بريختي بدرجة محدودة.
ثم أشار إلى «ترنيمة الكرسي الهزاز»، الذي وصفه بأنه عرض يطفو على رومانسية عالية، وكان المتلقي يتابعه من غرفة إلى أخرى داخل مبنى منتدى المسرح القديم.
وبعد ذلك جاء، بحسب جودي، العرض الاحترافي «الإنسان الطيب في ستشوان»، الذي شارك فيه عدد من عمالقة وأعمدة الفن المسرحي العراقي، ومن بينهم جعفر السعدي، وخليل شوقي، ويوسف العاني، ورائد محسن.
وأكد جودي أن الملاحظة الأهم التي يريد التأكيد عليها هي أن عروض عوني كرومي كانت مختلفة في أساليبها الإخراجية، وأن كل عرض لم يكن يشبه العرض الآخر.
سامح مهران: مسرح الهناجر استضاف ثلاثة من أهم المخرجين العراقيين

وفي تعقيبه على الندوة، قال الدكتور سامح مهران، رئيس مهرجان القاهرة الدولي للمسرح التجريبي، إن مسرح الهناجر في عصره الذهبي استضاف ثلاثة من أهم المخرجين العراقيين.
وأوضح أن أول هؤلاء كان جواد الأسدي، الذي قدم مسرحية «شباك وفيليا»، ثم عوني كرومي الذي قدم «مأساة الحلاج» على مسرح الهناجر، ثم المخرج الكبير قاسم محمد الذي قدم «منطق الطير».
وأكد مهران أن علاقة المسرح المصري بالمخرجين العراقيين كانت علاقة وطيدة وأصيلة، مشيرًا إلى أن معرفته الشخصية بعوني كرومي بدأت من خلال صديقه الذي درس معه في ألمانيا، الدكتور يسري خميس، الذي وصفه بأنه أحد أهم عظماء المسرح المصري، رغم أنه لم يحصل على ما يستحقه من تقدير.
وأضاف أن يسري خميس ترجم أعمال بيتر فايس كاملة، وأنه كان السبب في تعرفه عن قرب إلى عوني كرومي.
وأشار مهران إلى أن التعارف بينهما تحول منذ اللقاء الأول إلى صداقة، وإلى حوارات مسرحية وفكرية عميقة، مؤكدًا أن استعادة تجربة عوني كرومي في القاهرة اليوم تؤكد عمق العلاقة التاريخية بين المسرح المصري والمسرح العراقي، وتعيد فتح الحوار حول تجربة مخرج ترك أثرًا ممتدًا في المسرح العربي.



