أخبار مسرحية

«Zhenya + Tanya = Love» يرفع شعار «كامل العدد» ويحقق إشادة نقدية عربية ودولية واسعة

العرض البيلاروسي يعيد قراءة «يوجين أونجين» لبوشكين بلغة مسرحية تجمع السرد والموسيقى والحركة..

نقاد يشيدون بثراء الصورة ودقة التفاصيل وعمق المعالجة النفسية

رفع العرض المسرحي البيلاروسي «Zhenya + Tanya = Love» شعار «كامل العدد» خلال تقديمه على خشبة مسرح الأوبرا الصغيرة، ضمن عروض المسابقة الرسمية للدورة الثالثة والثلاثين من مهرجان القاهرة الدولي للمسرح التجريبي، برئاسة الدكتور سامح مهران، وسط تفاعل لافت من الجمهور وإشادة نقدية عربية ودولية واسعة بالمعالجة الفنية التي قدمتها المخرجة تاتيانا سامبوك لرواية «يوجين أونجين» الشعرية للكاتب الروسي الكبير ألكسندر بوشكين.

ويقدم العرض قراءة معاصرة وجريئة للكلاسيكية الروسية، لا تكتفي بإعادة سرد الحكاية، وإنما تعيد بناء عالمها من خلال لغة مسرحية متعددة الأدوات، تمزج بين تقنيات السرد الروائي والمسرح الموسيقي والتمثيل والحركة والكوميديا والرقص، إلى جانب توظيف آليات التحليل النفسي والسيكودراما، في صياغة أدائية تجعل الشخصيات البوشكينية في مواجهة مباشرة مع أسئلة الحب والاختيار والذاكرة والتحولات الاجتماعية.

«يوجين أونجين».. من كلاسيكية الأدب الروسي إلى قراءة مسرحية معاصرة

ينطلق العرض من عالم «يوجين أونجين»، إحدى أبرز كلاسيكيات الأدب الروسي، ليعيد تقديم العلاقة بين يوجين وتاتيانا من منظور حداثي، يضع المشاعر الداخلية للشخصيات في قلب البناء المسرحي، ويمنح الحركة والصورة والموسيقى وظيفة درامية لا تقتصر على التزيين البصري.

وتبرز في العرض شخصية تاتيانا بوصفها مركزًا للصراع الداخلي، خاصة في مشهد حلمها، الذي يتحول إلى تجسيد بصري لمخاوفها اللاشعورية والتوتر المحتدم بين حبها القديم ليوجين ووفائها لزوجها الجنرال، بما يفتح القراءة على صراع أوسع بين الماضي والحاضر، وبين الرغبة الشخصية والقيم التي يفرضها الواقع الاجتماعي الجديد.

وتتجاوز المعالجة المسرحية حدود الحكاية العاطفية المباشرة، لتعيد طرح الشخصيات والأحداث من خلال تكوينات بصرية وحركية وموسيقية متداخلة، تجعل كل عنصر من عناصر العرض جزءًا من عملية إنتاج المعنى، بداية من الحركة والإيماءة، وصولًا إلى اللون والنغمة الموسيقية ودرجات الصوت والأدوات والإكسسوارات وتفاصيل السينوغرافيا.

ويستعيد العرض بذلك أثر بوشكين في الثقافة الروسية، بوصفه أحد أبرز المؤسسين للغة الأدب الروسي وهويته الحديثة، إذ نقل الأدب من تقليد النماذج الأوروبية واللغة الفرنسية السائدة في الأوساط الأرستقراطية إلى الاقتراب من المجتمع الروسي وروحه وتطلعاته، حتى وصف الناقد الروسي الكبير بيلينسكي «يوجين أونجين» بأنها «موسوعة الحياة الروسية».

إشادة نقدية بالعرض وثراء لغته المسرحية

وحظي العرض بإشادة نقدية من الناقد بلال الجمل، الذي رأى أن المعالجة المسرحية نجحت في تقديم عمل «جميل وممتع ومحكم»، مؤكدًا أن تفاصيل العرض لم تأتِ بصورة عبثية أو باعتبارها مجرد تشكيل جمالي في الفراغ.

وأشار الجمل إلى أن كل حركة وإيماءة ولون ونغمة موسيقية ودرجة صوت، إلى جانب الأدوات والإكسسوارات وعناصر السينوغرافيا، تحمل دلالة داخل البناء العام للعرض، معتبرًا أن هذه التفاصيل أسهمت في تكوين لغة مسرحية متماسكة وغنية.

وفي قراءة أخرى، عبّر الدكتور هشام زين الدين، عميد كلية الفنون الجميلة والعمارة في الجامعة اللبنانية، وأستاذ الإخراج والتمثيل والمخرج المؤلف والباحث المسرحي، عن تأثره الشديد بالعرض، معتبرًا أن مشاهدته حملته إلى حالة من «السعادة الغامرة»، مؤكدًا أن العمل متكامل من الناحية الفنية والجمالية والتمثيلية والإيقاعية.

ولم تتوقف استجابة زين الدين عند حدود القيمة الفنية للعرض، وإنما ارتبطت لديه بذاكرة شخصية وثقافية، إذ أعادت إليه اللغة الروسية ووجوه الممثلين وحركاتهم وإيماءاتهم وأداؤهم، جانبًا من سنوات الدراسة والحياة في المدينة التي جاء منها العرض، وما ارتبط بها من مسارح وتجارب فنية وذكريات الشباب.

ووصف زين الدين هذه الحالة بأنها «نوستالجيا» اجتاحت ذاكرته، مشيرًا إلى أن بوشكين وشاعريته، وأداء الممثلين، والمخرجة الشابة، واللغة الروسية والحوار معها، وقصة الحب التي أعاد العرض صياغتها، كلها عناصر أعادت حياكة ثوب الذاكرة، بينما بدت انبعاثات الدخان الاصطناعي في فضاء العرض بالنسبة إليه أشبه بالحلم الذي لا يريد له أن ينتهي.

صورة مسرحية تعيد تشكيل الصراع الداخلي

وتكشف المعالجة التي قدمتها تاتيانا سامبوك عن اهتمام واضح بتحويل الصراعات الداخلية للشخصيات إلى صور مسرحية محسوسة، بحيث يصبح الجسد والحركة والموسيقى والفضاء امتدادًا للحالة النفسية.

ويبرز ذلك بوضوح في مشهد حلم تاتيانا، الذي لا يقدم بوصفه مجرد لحظة سردية، وإنما يتحول إلى بناء بصري يكشف مخاوفها المكبوتة وصراعها بين الماضي الذي يمثله حبها القديم ليوجين، والحاضر الذي يرتبط بزوجها وبالسلطة الاجتماعية وقيمها المفروضة.

ومن خلال هذا البناء، يظل «يوجين أونجين» حاضرًا بوصفه نصًا كلاسيكيًا، لكنه يتحول في الوقت نفسه إلى مادة مفتوحة لإعادة القراءة، تسمح للعرض بأن يطرح أسئلة الحاضر من خلال الشخصيات التي ابتكرها بوشكين.

فريق فني يجمع بين التمثيل والحركة والموسيقى

العرض من تأليف ألكسندر بوشكين، والإخراج المسرحي لـ تاتيانا سامبوك من موسكو، بينما تتولى داريا فولكوفا تصميم المناظر والأزياء، ويضع كيريل بالتركوف الكوريغرافيا، فيما تتولى داريا غاربوزنياك التأليف الموسيقي.

ويشارك في بطولة العرض غينادي غارانسكي في دور أونجين، وإيكاترينا كريلوفا في دور تاتيانا، وأليسيا شتشور في دور أولغا، وأولغا سينيتسا في دور والدة تاتيانا وأولغا، وأندريه كولوميتس في دور الراوي وشعاع الشمس، ونازار تامانسكي في دور لينسكي.

كما يضم فريق التمثيل ليونيد أولاشينكو، الفنان المكرم في جمهورية بيلاروس، في دور والد تاتيانا وأولغا، إلى جانب آلا بوبلاوسكايا في دور المربية، وبافيل تيريخوف في دوري الدب وزوج تاتيانا.

وتم تقديم «Zhenya + Tanya = Love» ضمن المسابقة الرسمية للدورة الثالثة والثلاثين من مهرجان القاهرة الدولي للمسرح التجريبي، التي تجمع تجارب مسرحية من دول وثقافات متعددة، وتتيح للجمهور المصري والمتخصصين فرصة مشاهدة اتجاهات مختلفة في المسرح المعاصر وإعادة قراءة نصوص وتجارب راسخة من خلال رؤى فنية جديدة.

وتتواصل فعاليات الدورة الثالثة والثلاثين من مهرجان القاهرة الدولي للمسرح التجريبي حتى 8 سبتمبر، برئاسة الدكتور سامح مهران، من خلال عروض المسابقة الرسمية، والفعاليات الفكرية، والورش التدريبية، والبرامج المصاحبة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: المحتوى محمي !!