أخبار مسرحية

«التجريب المسرحي وعلاقته بالأقاليم الثقافية» يبحث علاقة التجريب بالهوية والطقس وذاكرة المكان والمسرح المجتمعي

في الجلسة الخامسة للمحور الفكري بمهرجان القاهرة التجريبي..

مداخلات من مصر والمغرب والسعودية تناقش تأقلم التجريب مع الخصوصيات الثقافية.. وتبحث تحولات المكان والجسد والذاكرة وآليات المقاومة في المسرح المجتمعي

شهد المحور الفكري للدورة الثالثة والثلاثين من مهرجان القاهرة الدولي للمسرح التجريبي، برئاسة الدكتور سامح مهران، صباح اليوم السبت 5 سبتمبر، الجلسة الخامسة بعنوان «التجريب المسرحي وعلاقته بالأقاليم الثقافية»، والتي أدارها أ.د. محمد عبد الله حسين، وعقّب عليها أ.د. أبو الحسن سلام، بمشاركة أ.د. عبد الواحد بن ياسر من المغرب، ود. صالح زمانان من السعودية، ود. لمياء أنور محمد من مصر، حيث تناولت المداخلات علاقة التجريب المسرحي بالخصوصيات الثقافية، وذاكرة المكان، والطقوس والفرجة، والهوية، إلى جانب تجربة المسرح المجتمعي بوصفه ممارسة مرتبطة بالمقاومة والذاكرة الجماعية.

وتوقفت الجلسة أمام مفهوم «الإقليم الثقافي» باعتباره مفهومًا يتجاوز الحدود الجغرافية الضيقة، ليرتبط بالجغرافيات الثقافية وما تحمله من رموز وطقوس ولغات وذاكرة وممارسات اجتماعية، بما يفتح سؤالًا حول قدرة التجريب المسرحي على التأقلم مع خصوصيات كل إقليم، وعلى إنتاج أشكال فرجوية تنبع من البيئة الثقافية نفسها، بدل الاكتفاء باستنساخ النماذج المسرحية الجاهزة.

محمد عبد الله حسين: التجريب يعيد المسرح إلى أطره الاجتماعية والثقافية

وفي كلمته الافتتاحية وإدارته للجلسة، أشار أ.د. محمد عبد الله حسين إلى أن إحدى إيجابيات هذا المحور تتمثل في تناوله التجريب المسرحي من زاوية مغايرة للزاوية الرائجة التي امتدت من مسرح الطليعة والمسرح الجديد وصولًا إلى المسرح ما بعد الدرامي، موضحًا أن التجريب المطروح في هذه الجلسة يرتبط بما سمته الندوة «التجريب المرتبط بالأقلمة الثقافية».

ورأى أن هذا الطرح يعيد مسألة التجريب المسرحي إلى أطرها الاجتماعية والثقافية الخاصة، خصوصًا بعد السجالات التي شهدها المسرح العربي حول الدرامية واللا درامية، موضحًا أن مفهوم الإقليم الثقافي لا يحيل إلى جغرافية محددة أو منطقة مكانية مغلقة، وإنما يضع علاقة المسرح بالجغرافيات الثقافية موضع نقاش ومساءلة.

وأشار إلى أن مفهوم الإقليم الثقافي أكثر اتساعًا من الجغرافيا بمعناها المكاني المباشر، مستشهدًا بنماذج من الطقوس والفرجويات الدينية التي تمتد عبر أكثر من جغرافية، ومنها الفودو في هايتي، والزار في الحبشة ومصر، وقناوة في المغرب، والسطمبالي في تونس، والتعازي الشيعية في إيران والعراق وبلاد الشام، وبعض مظاهر عاشوراء في المغرب.

وأوضح أن التجريب المسرحي استطاع في عدد من تجاربه أن يتأقلم ويتكيف مع الخصوصيات الثقافية والطقوسية والفرجوية، من خلال دمج الممارسات التقليدية المحلية واللغات الأصلية والشفرات والرموز الاجتماعية الخاصة بكل منطقة، فيما حاول المسرح العربي في بعض تجاربه الرائدة تحويل وتهجين القواعد الكلاسيكية الغربية، بما يسمح بعرض خصائص الهوية الجمعية للمجتمعات العربية.

وتوقف حسين عند عدد من الآليات التي اعتمد عليها هذا الاتجاه، وفي مقدمتها إدماج الطقوس وتوظيفها من خلال الرقص والحكاية والموسيقى المحلية، بما يجعل المسرح فضاءً للاحتفاء بالذاكرة الجمعية، إلى جانب محاولة إشراك الجمهور في صيرورة الفرجة وتكسير الحواجز بين العرض والمتلقي، فضلًا عن السعي إلى خلق مسرح حي يحتضن الحكايات والقصص اليومية التي تساعد الجمهور على التعبير عن تجاربه الحياتية وفهمها واستيعابها.

وأضاف أن المسرح يرتبط بصورة وثيقة بالتجربة الجمعية الحية، وبالإحساس باستمرار الحياة الاجتماعية وتجربة الحرية في مواجهة الضغوط والعقبات، مؤكدًا أن الممارسة المسرحية الاجتماعية لا تنحصر في النصوص والأعمال الدرامية المكتملة، وإنما تشمل مختلف أشكال الممارسة المرتبطة بالحياة الاجتماعية.

وفي هذا السياق، طرح مفهوم «المسرحة» باعتباره أكثر عمقًا وشمولًا من الشكل الدرامي المكتمل، مشيرًا إلى أن الرقص والتعبير الجسدي لدى كثير من الجماعات التقليدية يمثلان أفعالًا من أفعال المسرحة، تحمل رموزًا تجسد انسجام المجتمع واستمرار ذاكرته، وتمنح الإنسان تأكيدًا متكررًا لوجوده وحياته الجمعية.

كما ربط بين الطقس الديني والاحتفال والفرجة، موضحًا أن إحياء الطقوس واستعادة عروضها الإيمائية التقليدية يحول الطقس إلى احتفال، والاحتفال إلى فرجة، بما يكشف عن الجذور الاجتماعية والثقافية العميقة للممارسة المسرحية.

عبد الواحد بن ياسر: الإقليم الثقافي يتجاوز الجغرافيا إلى الطقس والهوية

وفي مداخلته، تناول أ.د. عبد الواحد بن ياسر مفهوم الإقليم الثقافي بوصفه فضاءً يتجاوز الحدود الجغرافية المحددة، مؤكدًا أن المفهوم يضع علاقة المسرح بالجغرافيات الثقافية نفسها موضع نقاش ومساءلة.

وأشار إلى أن التجريب المسرحي سبق أن طرح هذه العلاقة في ندواته، وأن النظر إلى الإقليم الثقافي يقتضي استحضار رهانات الجغرافيا النظرية والجمالية والإبستمولوجية والسياسية والمنهجية، بما يجعل الإقليم الثقافي مفهومًا أوسع من مجرد الانتماء المكاني.

واستند بن ياسر إلى نماذج من ريبيرتوار الطقوس الفرجوية الدينية المنتشرة عبر أكثر من جغرافيا متقاربة، مشيرًا إلى الطقوس ذات الأصول الزنجية، ومن بينها الفودو في هايتي، والزار في الحبشة ومصر، وقناوة في المغرب، والسطمبالي في تونس، إلى جانب التعازي الشيعية في إيران والعراق وبلاد الشام، وبعض تمظهراتها الاحتفالية في عاشوراء بالمغرب.

وأوضح أن التجريب المسرحي استفاد من هذه الخصوصيات الثقافية والطقوسية والفرجوية، من خلال دمج الممارسات التقليدية المحلية، واللغات الأصلية، والشفرات والرموز الاجتماعية لكل منطقة، مؤكدًا أن بعض التجارب الرائدة في المسرح العربي سعت إلى تحويل وتهجين القواعد الكلاسيكية الغربية، بهدف التعبير عن خصائص الهوية الجمعية للمجتمعات العربية.

وتناول في هذا السياق ثلاثة مسارات أساسية، أولها إدماج الطقوس وتوظيفها عبر أشكال الرقص والحكاية والموسيقى المحلية، وثانيها إشراك الجمهور في صيرورة الفرجة المسرحية وتكسير الحواجز التقليدية بين العرض والمتلقي، وثالثها خلق «مسرح حي» يعتمد على الحكايات والقصص اليومية التي تساعد الجمهور على التعبير عن تجاربه الحياتية وفهمها.

واختتم مداخلته بطرح سؤال حول مدى نجاح مسارات التجريب، خلال التاريخ المحدود للمسرح العربي، في تحقيق هذه الغايات والأهداف، مؤكدًا أن الإجابة عن هذا السؤال تمثل واحدة من القضايا التي تستحق أن تتوقف عندها الندوات والبحوث المسرحية.

صالح زمانان: الإقليم بوصفه حدثًا فرجويًا وذاكرة للمكان

ومن جانبه، قدم د. صالح زمانان ورقة بعنوان «الإقليم كحدث فرجوي: الهُوية وذاكرة المكان في أفق التجريب»، تناول خلالها سؤال الهوية في المسرح التجريبي من زاوية العلاقة المركبة بين الإقليم الثقافي وذاكرة المكان والحدث الفرجوي.

وانطلق زمانان من تصور للهوية بوصفها خبرة حية تتشكل داخل العرض المسرحي، من خلال التفاعل بين المكان والجسد والصوت والصورة والجمهور، في ظل تحولات سياسية واقتصادية وبيئية وتقنية وثقافية متسارعة، تجعل الانتماء عملية مفتوحة على التأويل وإعادة التكوين.

واستند الإطار النظري للورقة إلى أفكار إدغار موران حول التعقيد والديالوجيك، بما يسمح بتجاور الذاكرة والتحول، والمحلي والكوني، والخصوصية والانفتاح داخل حركة واحدة منتجة للمعنى، كما استدعى أطروحة هانس-تيس ليمان حول مسرح ما بعد الدراما، وما تتيحه من قراءة للعرض بوصفه بنية متعددة العلامات يتوزع فيها المعنى بين النص والجسد والصوت والضوء والفضاء والتقنية والحضور الحي.

وأوضح أن تقاطع هذين الأفقين يكشف قدرة المسرح التجريبي على تحويل التعقيد الهوياتي إلى تجربة جمالية محسوسة، تجعل الإقليم الثقافي أكثر من مجرد موقع جغرافي، وتحوله إلى حقل للرموز والطقوس واللغة والعمارة والحساسيات المتراكمة.

واختبر زمانان هذا التصور من خلال نموذجين عربيين، أولهما عرض «نوستالجيا» لأمين ناسور، حيث يتحول الموقع الأثري المغربي إلى فضاء أدائي تستيقظ فيه طبقات الذاكرة من خلال الحركة والإضاءة والموسيقى ومسار الجمهور، والثاني «ملحمة صهيل» في حي الطريف بالدرعية، حيث تتقاطع ذاكرة التأسيس السعودية مع الشعر والصوت والجسد والتقنية والعمارة التاريخية.

ورأى أن النموذجين يكشفان عن قدرة التجريب على جعل المكان شريكًا في إنتاج المعنى، ومنح الهوية شكلًا أدائيًا قابلًا للتلقي والتأويل، بما يفتح أمام المسرح التجريبي إمكانية إعادة ترتيب العلاقة بالمكان والذاكرة، وتحويل الماضي إلى طاقة للحاضر وأفق للممكن.

لمياء أنور: المسرح المجتمعي في مواجهة القمع واستعادة الذاكرة

وتناولت د. امياء أنور محمد في ورقتها «التجريب في زمن المقاومة: دراسة آليات تأقلم المسرح المجتمعي مع الإقليم الثقافي نموذجًا – تجربة فرقة كاتالينياس سور» تجربة المسرح المجتمعي في الأرجنتين، من خلال تجربة فرقة «كاتالينياس سور» في حي «لا بوكا» بمدينة بوينس آيرس.

وانطلقت الباحثة من لحظة فارقة عام 1983، حين وقف المخرج المسرحي الأرجنتيني من أصل أوروغواياني أديلمار بيانكي في ساحة عامة بحي «لا بوكا»، مخاطبًا سكان الحي من الجيران والعمال وباعة الخضار والأمهات اللواتي فقدن أبناءهن خلال سنوات الديكتاتورية، داعيًا إياهم إلى صناعة المسرح معًا في الساحة، لتتحول هذه المبادرة إلى بداية تجربة مختلفة عن المسرح التقليدي.

وأوضحت أن التجريب في هذه التجربة لم ينشأ من استيراد نظريات بريخت أو أرتو أو غيرهما، وإنما من حاجة إنسانية واجتماعية ملحة، تمثلت في استعادة الناس لفرحتهم المسلوبة، وإعادة بناء ما مزقته سنوات القمع والديكتاتورية، واستعادة الحرية، وتثبيت الذاكرة الجماعية في مواجهة الموت الجماعي.

وطرحت الدراسة سؤالها الرئيسي حول كيفية قدرة تجربة «كاتالينياس سور/لا بوكا»، بوصفها تجربة للمسرح المجتمعي في إقليم ثقافي مهمش، على إعادة تعريف مفهوم التجريب المسرحي، من خلال آليات تأقلم تنبثق من هندسة المكان وذاكرة الجماعة وسياسات الجسد في زمن المقاومة.

وتتبعت الباحثة التحول الذي شهدته الجماعة من مجرد جيران في حي فقير إلى «جسد مسرحي جماعي» يمارس المقاومة من خلال تجربة مسرحية مختلفة، مستمرة منذ عام 1983 وحتى الوقت الراهن، معتمدة في دراستها على المنهج الوصفي التحليلي من المنظور التاريخي وآليات النقد الثقافي.

وكشفت الدراسة عن ثلاث آليات رئيسية للتأقلم مع الإقليم الثقافي، تتمثل في فضاء الأداء وتحوله من الساحة العامة إلى الفضاء المسرحي، وجسد الممثل غير المحترف من خلال تحول الجيران إلى مادة مسرحية حية، إلى جانب اللغة والموضوعات عبر توظيف الذاكرة الجماعية والتراث الشفوي.

وبذلك طرحت التجربة بوصفها نموذجًا لكيفية خروج التجريب من المؤسسة المسرحية المغلقة إلى المجتمع، وتحوله إلى ممارسة تستمد أدواتها من المكان والجماعة والذاكرة، وتعيد تعريف العلاقة بين المسرح والجمهور، وبين الفن والحياة اليومية، خصوصًا في سياقات المقاومة والتحولات الاجتماعية.

أبو الحسن سلام يعقب على المداخلات

وفي تعقيبه على المداخلات، توقف أ.د. أبو الحسن سلام عند عدد من القضايا التي أثارتها الأوراق البحثية، وفي مقدمتها اتساع مفهوم الإقليم الثقافي بحيث لا يصبح مرادفًا للجغرافيا، وإنما إطارًا لفهم العلاقة بين المسرح والذاكرة والطقوس والهوية والمكان والجمهور. كما ناقش التعقيب ما تطرحه التجارب المقدمة من انتقال بالتجريب من مجرد البحث عن أشكال جديدة إلى محاولة بناء لغة مسرحية تنبع من خصوصية البيئة الثقافية والاجتماعية، سواء عبر توظيف الطقس والفرجة، أو تحويل المكان إلى عنصر فاعل في إنتاج المعنى، أو إشراك المجتمع نفسه في صناعة الفعل المسرحي. وامتد النقاش إلى تجربة المسرح المجتمعي بوصفها نموذجًا يضع الجسد والذاكرة والجماعة في قلب العملية الإبداعية، ويفتح السؤال حول قدرة التجريب العربي على إنتاج نماذجه الخاصة انطلاقًا من أقاليمه الثقافية، بدل أن يظل في موقع الاستجابة للنماذج والتصورات القادمة من خارج سياقه.

وتتواصل فعاليات الدورة الثالثة والثلاثين من مهرجان القاهرة الدولي للمسرح التجريبي حتى 8 سبتمبر، برئاسة الدكتور سامح مهران، من خلال عروض المسابقة الرسمية، والفعاليات الفكرية، والورش التدريبية، والبرامج المصاحبة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: المحتوى محمي !!