المسرح العربي بين ذاكرة الرواد وأسئلة الأجيال الجديدة
التجديد والتقنية وصناعة المواهب تفتح مسارات جديدة لفنّ يستمد حضوره من الإنسان

يشكّل المسرح العربي أحد أبرز الفنون الثقافية التي تتيح مساحة فكرية حيّة لطرح القضايا والأفكار والمشاعر المجتمعية والإنسانية، وتعكس واقع المجتمع وتناقشه. ويشهد المسرح اليوم حضورًا متجددًا لجيل يحمل رؤى متعددة، ويبحث عن إمكانات التجديد وصناعة التأثير وفتح آفاق جديدة لمستقبل المسرح العربي.
وتبرز في هذا السياق أهمية العلاقة بين الرواد والشباب، وإيجاد شراكة إبداعية تستثمر التجارب والخبرات، إلى جانب دور المؤسسات في توفير منصات للإنتاج والتبادل الفكري، ومواجهة التحولات الرقمية ودمج التقنية في العروض، مع الحفاظ على جذور المسرح ودعم الطاقات الشبابية وتأهيلها احترافيًا.
الحماسة الشبابية وحكمة الرواد
يرى الناقد البحريني الدكتور عباس القصاب أن الفنون الأدائية، والمسرح خصوصًا، تتميز بضرورة التطور والتحديث المستمر، بما يجعلها منخرطة في التجريب والاشتغال الإبداعي الذي يقودها إلى مناطق جديدة من الوعي الفني والإدراك الجمالي والتكوين الثقافي. ويؤكد أن للمسرح امتدادات تاريخية عريقة، غير أن الاستناد إلى أساسياته لا يعني البقاء أسرى للنظريات والمدارس القديمة، إذ تفرض التحولات الحضارية والإنسانية تطوير القواعد وتعديلها وفق متطلبات العصر.
ويشير القصاب إلى أن المسرحيين اتجهوا خلال العقود الأخيرة إلى تجريب أدوات جديدة والخروج من بعض القواعد التقليدية، بما يعبّر عن واقع الإنسان المعاصر وآماله وآلامه. غير أن التجريب، في رأيه، يحتاج إلى وعي ودقة؛ لأن إقصاء أهل الخبرة واستبدال التجريب الواعي بمغامرات انفعالية غير محسوبة قد يفقد المسرح بوصلته وهويته. لذلك تبرز أهمية الجمع بين الحماسة الشبابية وحكمة الرواد، والاستفادة من الأدوات الحديثة في الكتابة والإخراج والتمثيل والسينوغرافيا والإدارة، إلى جانب المناهج الأكاديمية والدراسات البحثية الحديثة.
من جانبه، يرى المخرج والناقد المسرحي العراقي بشار عليوي أن مستقبل المسرح العربي لم يعد مرتبطًا بتطوير العرض وأدواته التقنية فقط، بل بقدرته على إعادة تعريف موقعه داخل الحياة الثقافية العربية، في ظل الثورة الرقمية وتغير أنماط الاتصال وتحولات الذائقة الجمالية وصعود المنصات الرقمية.
ويؤكد أن المسرح لا يستطيع الحفاظ على تأثيره بالتمسك بالأشكال التقليدية وحدها، كما لا يمكن أن يجعل من التقنية غاية مستقلة عن مضمونه. فالقيمة الحقيقية للمسرح تكمن في قدرته على إنتاج الأسئلة وتحفيز التفكير، فيما ينبغي أن تكون الوسائط الرقمية والصورة والذكاء الاصطناعي والمنصات الإلكترونية أدوات لتوسيع التجربة، لا بدائل عن الإنسان. ويظل الحضور الإنساني المباشر والعلاقة الحيّة بين الممثل والجمهور جوهر التجربة المسرحية.
ويضيف عليوي أن مستقبل المسرح يحتاج إلى مؤسسات ثقافية ذات رؤية استراتيجية تتجاوز الفعاليات الموسمية إلى مشاريع مستدامة في التعليم والنقد والتوثيق والنشر والترجمة والتدريب ودعم الإنتاج ورعاية المواهب. كما ينبغي أن تتحول المؤسسة الثقافية من جهة منظمة للأنشطة إلى شريك في صناعة المعرفة المسرحية، وأن توفر بيئة تسمح بتراكم الخبرات وتبادلها بين الأجيال. ويظل الجمهور طرفًا أساسيًا في العملية المسرحية، لا متلقيًا سلبيًا، فيما يكمن التحدي في الجمع بين الأصالة والتجديد والذاكرة والمستقبل.
مشاريع تتجاوز العرض
يرى الممثل والمخرج المسرحي قاسم الريامي أن الموهبة وحدها لا تصنع مشروعًا مسرحيًا مستدامًا، وإنما تحتاج إلى منظومة متكاملة تحول الإمكانات الفردية إلى كفاءات احترافية. ويقترح برامج تدريب وتأهيل مستمرة، وربط المهرجانات ببرامج تمتد طوال العام، وتوثيق الأعمال المسرحية، وتوفير فرص إنتاج حقيقية للخريجين والمواهب الشابة، إلى جانب المنح والعقود والابتعاث والشراكات بين المؤسسات الثقافية والجامعات والقطاع الخاص. كما يشدد على أهمية وجود مقرات ثابتة للفرق المسرحية وخطط واضحة للتدرج المهني، بما يتيح للفنان أن يرى مستقبله داخل المسرح.
وفي مسرح الطفل، يرى الكاتب والمخرج المصري مجدي محفوظ أن المهرجانات العربية أسهمت في تحقيق تقارب فكري وثقافي، ويمكن أن تتحول إلى منصات لتكامل عربي أوسع، خصوصًا في ظل اتساع تأثير الوسائط المتعددة. ويؤكد أن المسرح يظل لقاءً حيًا قادرًا على التعبير عن قضايا الإنسان وبناء وعي الطفل وتنمية قدراته من خلال الوعي والجمال والحرية.
ويشير إلى أهمية دعم مشاركة الأعمال المسرحية الخاصة بالطفل وعرضها في البلدان العربية، وإطلاق مشاريع عربية تعنى بثقافة الطفل، بما يحافظ على التنوع الثقافي لكل دولة ويصون مقومات الهوية والتراث. فالمسرح، بوصفه ذاكرة للأمة، يحفظ الفنون والحكايات والقصص، ويشكل جسرًا للتواصل العربي والعالمي.
أما المسرحي العُماني أسامة السليمي، فيرى أن اختزال حضور المسرحي الشاب في فكرة «إثبات الذات» لم يعد منصفًا، إذ أصبح السؤال الأهم: ماذا يضيف إلى الوعي المسرحي؟ ويؤكد أن جيلًا جديدًا يتعامل مع المسرح بوصفه مختبرًا لإنتاج الأسئلة وإعادة مساءلة المسلمات والعلاقة بين النص والفضاء والجسد والمتلقي.
ويرى السليمي أن صناعة التحول لا تتحقق ببروز أسماء لامعة، بل ببناء تيارات ومشاريع تتجاوز العرض والمهرجان الواحد. فالمسرح العربي بحاجة إلى الانتقال من الاحتفاء بالأفراد إلى بناء المشاريع، ومن الإنجاز الموسمي إلى التراكم الثقافي، مع توفير فضاءات عربية مشتركة لتداول التجارب والأفكار. ويظل التجديد الحقيقي مرتبطًا بالقدرة على إعادة تأويل المنجز السابق، لا القطيعة معه، وتحويل الخشبة من مكان للتمثيل إلى فضاء لإنتاج المعنى.
وهكذا يبدو مستقبل المسرح العربي رهينًا بمعادلة تجمع الأصالة والتجديد، وخبرة الرواد وحماسة الشباب، والإنسان والتقنية، ضمن منظومة مؤسسية قادرة على تحويل الموهبة إلى مشروع، والتجريب إلى معرفة، والمهرجان إلى تراكم ثقافي مستدام.
صحيفة العرب



